No Image
عمان العلمي

تعرّف على زيت الزيتون العماني

17 مارس 2026
17 مارس 2026

أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي -

لطالما كان زيت الزيتون من أساسيات المطابخ المتوسطية، حيث يُقدَّر لنكهته الغنية وفوائده الصحية، تقليديًا تأتي أفضل أنواع زيت الزيتون من دول مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، حيث ازدهرت أشجار الزيتون لآلاف السنين، لكن ثورة هادئة تجري في سلطنة عمان، حيث تزرع أشجار الزيتون في مزارع مرتفعة في منطقة جبل الأخضر، وتنتج زيت زيتون بكر ممتاز يقف جنبًا إلى جنب مع أفضل أنواع الزيتون المتوسطية.

تهدف هذه المقالة لاطلاع القارئ وتعريفه بزيت الزيتون العماني، كيف يُزرع؟ وما الذي يجعله فريدًا؟ وكيف تقارن المنتجات المحلية بالماركات المستوردة المتاحة في الأسواق العمانية؟ وسنستكشف من خلال التحليل الكيميائي والبحوث العلمية المختلفة الفوائد الصحية لزيت الزيتون، مع التركيز على الدور الحاسم للمركبات الفينولية، فهذه المواد المضادة للأكسدة الطبيعية تمنح زيت الزيتون معظم قواه المميزة ونكهته الخاصة، وبفضل الأبحاث الحديثة التي قمنا بها مع فريقنا البحثي في جامعة السلطان قابوس، أصبح لدينا فهم أوضح لكيفية مقارنة زيت الزيتون العماني مع زيت الزيتون الذي يتم إنتاجه عالميا.

جذور إنتاج زيت الزيتون في عمان

قد لا تكون عمان أول مكان يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن زيت الزيتون، لكن قصة زراعة الزيتون في البلاد تتطور بسرعة، ويعد الجبل الأخضر المنطقة الرئيسية لزراعة الزيتون، وهي منطقة جبلية في شمال عمان، ضمن محافظة الداخلية، وتقع هذه المنطقة على ارتفاع حوالي 2000 متر فوق سطح البحر، وتمتد حوالي 80 كيلومترًا طولًا و32 كيلومترًا عرضًا، وتتميز بأن مناخها يشبه البحر الأبيض المتوسط، مع درجات حرارة معتدلة تتراوح بين 7 إلى 23 درجة مئوية وهطول أمطار في الشتاء، مما يجعلها مناسبة جدًا لأشجار الزيتون التي تفضل الفصول الباردة والتربة جيدة التصريف.

بدأت زراعة الزيتون في جبل الأخضر بجدية قبل حوالي عقد من الزمن فقط، ففي عام 2012، تم زراعة حوالي 15,000 شجرة زيتون، معظمها من أصناف مستوردة من دول البحر المتوسط مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا، هذه الأشجار لا تزال صغيرة نسبيًا، عمرها حوالي 13 سنة حسب الدراسات الحديثة، لكنها أنتجت بالفعل محاصيل مهمة، فعلى سبيل المثال، في عام 2019، تم حصاد حوالي ستين طنًا من الزيتون في الجبل الأخضر، مما نتج عنه حوالي 8,000 لتر من زيت الزيتون البكر الممتاز بقيمة 160,000 ريال عماني.

بينما يعد زيت الزيتون من أساسيات المطبخ المتوسطية منذ قرون، فإن زيت الزيتون العماني جديد نسبيًا، ولا يزال يشقّ طريقه في الأسواق المحلية والإقليمية، ومع ذلك، فإن التربة والمناخ الفريدين في الجبل الأخضر يمنحان زيت الزيتون العماني نكهة مميزة وفرصة لإنتاج زيوت عالية الجودة وصحية.

ما الذي يجعل زيت الزيتون

البكر الممتاز مميزًا؟

هو زيت يُستخرج ميكانيكيًا من ثمار الزيتون الطازجة دون معالجة كيميائية، ويُقدَّر ليس فقط لنكهته، بل أيضًا لقيمته الغذائية، إذ تأتي الفوائد الصحية لزيت الزيتون بشكل كبير من تركيبته الكيميائية المعقدة، والتي تهيمن عليها الأحماض الدهنية مثل حمض الأوليك (الذي يشكل حوالي 70–80% من الدهون) ومجموعة غنية من المركبات الفرعية، وخاصة المركبات الفينولية.

المركبات الفينولية هي مضادات أكسدة طبيعية موجودة في الزيتون تحمي الزيت من التلف التأكسدي وتوفر فوائد مضادة للالتهابات وصحية للقلب، ومن بين هذه المركبات، تبرز أربعة مركبات لأهميتها العلاجية: الهيدروكسي تيروزول، والتيروسول، والأولياسين، والأوليكانثال، ولا تعطي هذه المركبات زيت الزيتون طعمه الحار والمر المميز فحسب، بل تسهم أيضًا في قدرته على تقليل الالتهابات، وحماية صحة القلب، وربما التأثير في الوظائف العصبية.

تختلف تركيزات وتوازن هذه المركبات الفينولية بشكل كبير حسب نوع الزيتون، والمناخ، والتربة، وتقنيات الحصاد، وظروف التخزين، ولهذا السبب ليست كل أنواع زيت الزيتون متساوية، فبعضها يحتوي على مركبات فينولية صحية أكثر بكثير من غيرها.

المركبات الفينولية لزيت الزيتون العماني

أظهرت الدراسات العلمية الحديثة التي أجراها فريقنا البحثي بجامعة السلطان قابوس صورة واضحة للمركبات الفينولية في زيوت الزيتون التي تُحصد في عمان، خاصة في منطقة جبل الأخضر، حيث قمنا بتحليل ستة أصناف من الزيتون المزروع في الجبل الأخضر: كاروتينا، كلاماتا، بيكوال، دولشي، أربكينا، وكاروناكي، وباستخدام تقنيات تحليل حديثة ومتقدمة كالكروماتوغرافيا السائلة والقياس الطيفي الكتلي، قسنا مستويات المركبات الفينولية الرئيسية في زيت الزيتون البكر الممتاز المحلي، كما قمنا بتطوير طرق جديدة ومبتكرة باستخدام تقنيات بسيطة لحساب كميات مضادات الأكسدة والتحقق من تراكيزها، وتم نشر تلك الأبحاث في مجلات عالمية محكمة، ولأهمية هذه البحوث العلمية وجودتها، حصلت أحد تلك الأوراق العلمية على الجائزة الوطنية للبحث العلمي لعام ٢٠٢٥، كما حصل أحد الملصقات المشاركة في أحد المؤتمرات الهامة على جائزة الجمعية الملكية للكيمياء في المملكة المتحدة.

وقد كانت نتائج هذه الأبحاث مشجعة للغاية، فمن بين الأصناف المختبرة، أظهرت كاروتينا، كلاماتا، وبيكوال -وهي أصناف معروفة من زيت الزيتون- أعلى تركيزات للمركبات الفينولية الأربعة الرئيسية (الهيدروكسي تيروزول، التيروسول، الأولياسين، والأوليكانثال)، فمثلاً، احتوى زيت كاروتينا على حوالي 181 ملغم/كغ من هذه المركبات مجتمعة، وكلاماتا حوالي 137 ملغم/كغ، وبيكوال نحو 108 ملغم/كغ، ان هذه الأرقام تضع زيوت الزيتون العمانية ضمن نطاق الجودة المتوسطة لزيوت البحر المتوسط.

ومن الأمور الأخرى المثيرة للاهتمام أن توازن المركبات الفينولية في زيت الزيتون العماني الطازج يميل إلى احتواء نسب أعلى من الأولياسين والأوليكانثال، وهما مركبان مرتبطان بتأثيرات قوية مضادة للالتهابات، ومع مرور الوقت، ومع تخزين الزيت، تتحلل هذه المركبات المعقدة، وتزداد مركبات أبسط مثل الهيدروكسي تيروزول والتيروسول، وهذا يعني أن زيت الزيتون العماني الطازج قد يكون أكثر فعالية في مكافحة الالتهابات، أما تلك التي مر عليها مدة تزيد عن السنة تقريبا فإنها قد توفر فوائد أفضل للقلب.

كما أن محتوى المركبات الفينولية الكلي سواء الذي تم قياسه بالطريقة المعيارية أو بطرق مبتكرة حديثة، أكدت الغنى الفينولي لأنواع الزيتون العمانية، خاصة بيكوال وكاروتينا.

المحلي مقابل المستورد

للمستهلك العماني إمكانية الوصول إلى مجموعة متنوعة من زيوت الزيتون، سواء المستوردة من دول الإنتاج التقليدية أو التي تُنتج محليًا بشكل متزايد، فقد أجرينا مسحا حديثا للسوق وذلك من خلال تحليلً لستة علامات تجارية من زيت الزيتون البكر الممتاز تُباع في مسقط: ثلاث منها إسبانية، واحدة تونسية، واثنتان تُنتجان محليًا في عمان.

شملت تقييمات الجودة قياسات قيمة الحمض وقيمة البيروكسيد، التي تعكس نضارة الزيت ومدى تأكسده، ولقد لوحظ أن جميع الزيوت الستة كانت ضمن معايير زيت الزيتون البكر الممتاز الدولية، مع قيم حمض منخفضة بكثير عن الحد الأقصى 0.8% وقيم بيروكسيد تشير إلى تأكسد منخفض، خصوصًا في العلامات التجارية العمانية المحلية.

أظهرت التحليلات الكيميائية للمركبات الفينولية أن الزيوت المحلية تحتوي على محتوى فينولي مماثل للمستورد، وفي بعض الحالات أعلى، فمثلاً، كانت مستويات الهيدروكسي تيروزول في المنتجات العمانية مرتفعة نسبيًا، ربما بسبب تحولات تحدث أثناء التخزين تزيد من هذه المركبات.

تراوحت محتويات المركبات الفينولية الكلية في هذه العينات التجارية بين حوالي 517 إلى 1857 ملغم/كغ، مما يتداخل مع نطاق زيوت البحر المتوسط ذات الجودة المتوسطة إلى العالية، وهذا يشير إلى أنه بالرغم من مناخ عمان الحار، حيث يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، تحافظ الزيوت المحلية على مستويات قوية من مضادات الأكسدة بفضل ممارسات الإنتاج والتخزين الدقيقة.

التحديات والفرص أمام زيت

الزيتون العماني

يواجه قطاع زيت الزيتون في عمان تحديات فريدة، فالحرارة الشديدة والشمس الحارقة يمكن أن تسرع من تلف الزيت إذا لم يُدار بشكل صحيح، وهذا يجعل مراقبة الجودة أمرًا حيويًا، من توقيت الحصاد إلى تقنيات الاستخلاص وظروف التخزين.

على الجانب الآخر، يستفيد قطاع الزيتون العماني من مزايا مثل البيئة الجبلية الفريدة في جبل الأخضر، التي تحاكي مناخ البحر المتوسط، ودعم الحكومة لاختيار أصناف عالية المركبات الفينولية، وتوزيع شتلات كاروتينا، كلاماتا، وبيكوال على المزارعين المحليين يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو إنتاج زيت زيتون بكر ممتاز عالي الجودة.

علاوة على ذلك، تتماشى ملفات المركبات الفينولية لزيوت الزيتون العمانية مع تلك الخاصة بزيوت البحر المتوسط، مما يدعم إمكاناتها كمنتجات صحية ومنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

لماذا يعتبر محتوى المركبات الفينولية مهمًا لك؟

إذا كنت مستهلكًا مهتمًا بمعرفة المزيد عن زيت الزيتون، فإن فهم المركبات الفينولية يمكن أن يساعدك في اختيار زيوت أفضل، فالزيوت الغنية بالمركبات الفينولية لا تعطي فقط طعمًا أقوى، غالبًا ما يكون مع مرارة ونكهة حارة لطيفة، بل توفر أيضًا فوائد مضادة للأكسدة وللإلتهابات.

إن زيوت الزيتون العمانية، خاصة تلك المصنوعة من أصناف كاروتينا، كلاماتا، وبيكوال المزروعة في جبل الأخضر، تقدم هذه الميزات، وسواء اشتريت زيتًا محليًا أو مستوردًا، ابحث عن زيت زيتون بكر ممتاز بقيم حمض وبيروكسيد منخفضة، واحرص على شراء زيوت طازجة، واحفظها في مكان بارد ومظلم للحفاظ على محتواها الفينولي.

المستقبل المنتظر لزيت الزيتون العماني

رحلة زيت الزيتون في عمان لا تزال في بداياتها، ومع استمرار الأبحاث، وتحسين ممارسات الزراعة، وتزايد وعي المستهلكين، من المتوقع أن ينمو قطاع زيت الزيتون المحلي بشكل كبير، وسيظل مراقبة محتوى المركبات الفينولية وجودة الزيت مفتاحًا لبناء علامة تجارية قوية تقف جنبًا إلى جنب مع كلاسيكيات البحر المتوسط.

في الوقت الحالي، يقدم زيت الزيتون العماني مزيجًا مقنعًا من التقليد والابتكار، نظرة جديدة على منتج قديم، يُصنع في جبال الجزيرة العربية لكنه يحمل سمات صحية ونكهات زيوت البحر المتوسط الأفضل.ان زيت الزيتون البكر الممتاز العماني ليس مجرد منتج جديد، بل هو زيت ذو إمكانات حقيقية متجذرة في ظروف زراعة فريدة وخصائص صحية مثبتة علميًا، وسواء كنت من محبي الطعام، أو تهتم بصحتك، أو مجرد فضولي لتجربة نكهات جديدة، فإن زيت الزيتون العماني يستحق مكانًا على مائدتك.

أ. د. حيدر أحمد اللواتي كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس