جيولوجية محافظة مسندم
تقع محافظة مسندم في أقصى شمال سلطنة عُمان، وتشكل بوابة طبيعية للخليج العربي، إذ تشرف مباشرة على مضيق هرمز في نقطة التقاء بحر عُمان بالخليج. وتُعرف سلاسلها الجبلية باسم "رؤوس الجبال"، وهي تمثل الامتداد الشمالي الغربي لسلسلة جبال الحجر الغربي. وتبدو مسندم في شكل شبه جزيرة ترتفع بحدة من سطح البحر، حيث يحيط بساحليها الشرقي والغربي المطلين على بحر عُمان والخليج العربي نظام معقد من الأودية العميقة والأخوار البحرية المتوغلة في اليابسة، مانحًا المنطقة طابعًا جغرافيًا فريدًا يجمع بين وعورة الجبال وجمال السواحل المتعرجة.
وتزخر ولايات محافظة مسندم، وهي خصب وبخا ودبا ومدحاء، بثراء أثري وتاريخي لافت. فقد كشفت الدراسات الميدانية عن وجود نقوش صخرية قديمة، وبيوت محفورة في الصخور، ومدافن أثرية، إضافة إلى دراهم إسلامية تعود إلى مئات بل وآلاف السنين. كما تنتشر في المحافظة مجموعة كبيرة من الحصون والقلاع التاريخية التي أدت عبر القرون دورًا دفاعيًا مهمًا لحماية هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي، الذي ظل عبر التاريخ نقطة مراقبة وتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتُمثل شبه جزيرة مسندم الحافة الشمالية الشرقية للصفيحة العربية، وهي صفيحة تكتونية تتحرك تدريجيًا نحو الشمال الشرقي نتيجة اتساع البحر الأحمر وانفصاله البطيء عن القارة الأفريقية بمعدلات تصل إلى عدة سنتيمترات سنويًا. وتؤدي هذه الحركة إلى اصطدام الصفيحة العربية بالصفيحة الأوروآسيوية، وهو التصادم الذي نتج عنه تشكل العديد من السلاسل الجبلية الكبرى مثل جبال زاغروس في إيران. كما أسهم هذا الاصطدام في هبوط أرضية الخليج العربي الواقعة خلف منطقة التصادم. وتتأثر سلاسل رؤوس الجبال في مسندم مباشرة بهذه العمليات التكتونية، إذ تنحدر الحافة الشمالية لشبه الجزيرة تدريجيًا نحو البحر بمعدلات تصل إلى عدة مليمترات سنويًا. ومع مرور الزمن تتحول الأودية السطحية الكبيرة إلى أخوار بحرية متداخلة وممرات مائية عميقة تحتضن تنوعًا غنيًا من الكائنات البحرية، الأمر الذي جعل المنطقة وجهة مفضلة لهواة الغوص من مختلف أنحاء العالم. ومن أبرز هذه الأخوار: خور شم، وخور النيد، وخور حبلين، وخور نجد. كما تشير الأدلة الجيومورفولوجية إلى أن الجزر المنتشرة قبالة سواحل مسندم، مثل جزيرة أم الغنم، وسلامة، والتلغراف، والخيل، وأم الطير، كانت في الأصل قممًا جبلية متصلة باليابسة قبل أن تنفصل بفعل هبوط الأرض وارتفاع مستوى سطح البحر.
وتُعد الصخور الجيرية الرسوبية السمة الجيولوجية الأبرز لسلاسل رؤوس الجبال، حيث تشكل هذه الصخور قممًا جبلية شاهقة. ويعد جبل حارم، أو جبل حريم كما يُعرف محليًا، أعلى قمة في شبه جزيرة مسندم، إذ يصل ارتفاعه إلى نحو كيلومترين فوق مستوى سطح البحر. وقد ترسبت هذه الصخور الجيرية في بيئة بحرية تعود إلى حقبة الحياة المتوسطة قبل أكثر من مئة مليون عام، قبل أن ترتفع لاحقًا بفعل الحركات التكتونية لتشكل طية جبلية هائلة. وتحتوي هذه الصخور على عدد كبير من الأحافير البحرية مثل المرجان والقواقع والمحار والأسماك، ما يشير بوضوح إلى أصلها البحري القديم. ومع ارتفاعها فوق سطح البحر تعرضت هذه التكوينات الصخرية لعمليات طويلة من التعرية والتصدع والالتواء، ما أدى إلى تكوين تضاريس جبلية شديدة الانحدار كثيرة التقطع. كما توجد في بعض أجزاء المحافظة صدوع جيولوجية قد تكون قابلة للحركة بفعل النشاط التكتوني الحديث، غير أن هذه الحركات بطيئة وتدريجية، ولا ينتج عنها في هذا الجزء من الصفيحة العربية نشاط زلزالي كبير.
وتنتمي معظم سواحل محافظة مسندم إلى فئة السواحل الصخرية المتشكلة بفعل التصدعات الأرضية، وهي ظاهرة مشابهة لما يُشاهد في سواحل محافظة ظفار الجنوبية. وتمتاز هذه السواحل بكثرة تعرجاتها وخلجانها وجزرها وأوديتها الغارقة التي نشأت نتيجة الحركات الأرضية التي شهدتها المنطقة عبر الزمن الجيولوجي. وقد تتعرض بعض أجزاء هذه السواحل أحيانًا لانزلاقات صخرية، وهي في مجملها سواحل متقطعة وغير متصلة، بخلاف الشواطئ الرسوبية المتصلة التي تميز ساحل الباطنة.
ونظرًا لأن الصخور السائدة في مسندم هي صخور كربوناتية، فقد تشكلت فيها أعداد كبيرة من الكهوف نتيجة التفاعلات الكيميائية بين الصخور والمياه الحامضية. وتنتشر في المحافظة عشرات الكهوف التي استُخدم بعضها في فترات تاريخية لأغراض مختلفة. كما تمثل صخور رؤوس الجبال الكربوناتية نموذجًا جيولوجيًا مهمًا لدراسة الصخور الخازنة للنفط في الحقول القريبة من الخليج العربي، علماً بأن النفط قد اكتُشف بالفعل بكميات تجارية في المناطق البحرية المقابلة لسواحل محافظة مسندم.
