هل نحن مُقدِمون على كابوس الذكاء الاصطناعي؟
12 مارس 2026
12 مارس 2026
أرسلت شركة Citrini الصغيرة المتخصصة في أبحاث الأسهم موجة من الذعر في الأسواق المالية مؤخرا عندما عرضت سيناريو ينهي فيه الذكاء الاصطناعي معظم وظائف الموظفين الإداريين بحلول عام 2028، مع عواقب وخيمة على الاقتصاد ككل. لكن من المؤكد أن هذه نبوءة شديدة التشاؤم في بعض النواحي. فخارج بعض القطاعات، مثل البرمجيات، من المرجح أن تؤدي الاحتكاكات المرتبطة بتبني التكنولوجيا والجمود المطلق إلى إبطاء وتيرة التغيير. كانت هذه هي الحال دائما. على سبيل المثال، برغم أن المقاسم الهاتفية الآلية أصبحت ممكنة في عشرينيات القرن الماضي، فلم يُسـتَغن عن آخر عامل هاتف بشري في الولايات المتحدة حتى ثمانينيات القرن الماضي.
علاوة على ذلك، تشكل التكنولوجيا ذاتها دائما متغيرا واحدا فقط. فلابد أن تحيط بها أيضا عمليات وهياكل لضمان حصول العملاء على خدمة يمكن التعويل عليها. وهذا هو المجال الذي يتمتع فيه القائمون على العمل بميزة على المنافسين، حتى لو لم يستخدموا أحدث التكنولوجيات.
وحتى لو استعيض عن الشركات القائمة، فإن الفرص الجديدة التي تخلقها التخفيضات في التكاليف وتحسينات الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي لا تؤدي بالضرورة إلى مزيد من الذكاء الاصطناعي. فقد تتطلب أيضا عمل البشر ــ كما هي الحال مع الإنترنت وصعود المؤثرين.
ومع ذلك، فإن منشور Citrini، من بعض النواحي، ليس متشائما بالقدر الكافي. فحتى إذا نحينا جانبا احتمال أن نصبح جميعا عبيدا لسيادة الذكاء الاصطناعي، فإن النتائج الاقتصادية الأوسع نطاقا تعتمد على مدى جودة الذكاء الاصطناعي وسرعته؛ ووتيرة اعتماده من قبل المستخدمين؛ ومن يستفيد منه؛ وكيف يتفاعل المجتمع معه. بالنظر إلى كل هذه المتغيرات، من الممكن أن نتصور بالفعل بعض السيناريوهات الجامحة.
لنتخيل، على سبيل المثال، مستقبلا تصل فيه بعض المنصات المتميزة (مثل Anthropic أو Meta) إلى مستوى من الذكاء الاصطناعي العام الذي يسمح لها بتجاوز المنافسة وفرض أسعار عالية على نحو مضطرد على الشركات المستخدمة. ستحقق هذه المنصات المهيمنة أرباحا هائلة، بما يزيد من دخل موظفيها (الذين سيكونون قليلين، لأن الذكاء الاصطناعي سيقلص أعدادهم) ومساهميها. في الوقت ذاته، ستكون الشركات العديدة التي تعتمد على خدماتها على استعداد للدفع، لأن الذكاء الاصطناعي سيزيد من إنتاجيتها، بما يسمح لها بالتخلص من أعداد أكبر من الموظفين الإداريين.
سوف يبحث هؤلاء العمال العاطلون عن عمل في صناعات مجاورة حيث لم يتسبب الذكاء الاصطناعي بعد في جعل مهاراتهم عديمة الفائدة. ولكن إذا كانت هذه الوظائف قليلة، فسوف ينضمون إلى طوابير العمل كبستانيين، ونادلين، ومساعدين في المتاجر، وسوف يؤدي هذا إلى مزيد من الانخفاض في أجور هذه المهن. وبافتراض أن الذكاء الاصطناعي نجح في الحلول محل البشر في أداء المهام المعرفية الإدراكية قبل المهام البدنية التي تتطلب مهارة، فقد يظل الميكانيكيون، والسباكون، والبناؤون يتمتعون بوظائفهم إلى أن تصبح الروبوتات متطورة بالقدر الكافي. ولكن بمرور الوقت، ستزداد المنافسة على هذه الوظائف أيضا مع إعادة تدريب الموظفين الإداريين. وسوف تنتشر المعاناة، ولن يستفيد سوى منصات الذكاء الاصطناعي والمستثمرون فيها. أو هل يستفيدون حقا؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، لنتأمل سيناريو «تنافسي» آخر حيث لا «تفوز» أي منصة بسبب قلة التباين بين ChatGPT 33.2، Gemini 25، وكل المنصات الأخرى. برغم أن هذا السيناريو قد يظل مدمرا للوظائف الإدارية، فإن أسعار الذكاء الاصطناعي ستكون منخفضة، وسوف تنتشر فوائد الإنتاجية في مختلف قطاعات الاقتصاد، وكذا الأرباح الناتجة عنها. ومع تمكن الشركات الـمُسـتَخدِمة من تجنب إنفاق مبالغ طائلة على الذكاء الاصطناعي، يصبح بوسعها خفض الأسعار وتوسيع الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، وهذا يعني ضمنا مزيدا من الوظائف في أماكن أخرى. سيكون الألم أقل كثيرا مقارنة بالسيناريو الأول، لأن السلع والخدمات الأقل سعرا ستسمح للمدخرات الموجودة مسبقا لدى العمال بالذهاب بعيدا.
الواقع أن الاتجاهات الحالية لا تشير إلى أن هذا السيناريو الثاني أكثر احتمالا من احتكار الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تشير أيضا إلى أن الحكومات ستكون قادرة على اتخاذ خطوات لضمان تحققه، على سبيل المثال، من خلال تنظيم أسعار الذكاء الاصطناعي أو رفض حماية مصممي نماذج الذكاء الاصطناعي من أولئك الذين ينسخونها. لا ينبغي لأوليجاركية الذكاء الاصطناعي المحتملين أن يفترضوا أن المجتمع سيدافع عن أرباحهم الضخمة حتى لو تسببت منتجاتهم في إحداث خسائر واسعة النطاق في الوظائف وقدر عظيم من المشقة. بطبيعة الحال، سوف تمارس شركات الذكاء الاصطناعي القائمة الضغوط بقوة، وسوف تفسد بعض المشرعين لمنع التنظيم. ستشن حملات عامة، مستخدمة قنوات نفوذها العديدة لتزعم (بشكل غير خاطئ تماما) إن التنظيم سيكون غير ملائم، وأنه سيضر بالكفاءة والإبداع بينما يعود بالفائدة على المنافسين الجيوسياسيين. ولكن إذا كان الألم الناجم عن الذكاء الاصطناعي واسع الانتشار بالفعل، فسوف يظل الدافع السياسي للتدخل قويا.
وحتى لو فشلت الدولة في ضمان أسعار تنافسية للذكاء الاصطناعي، فبوسعها فرض ضرائب على مزودي الذكاء الاصطناعي الاحتكاريين، وموظفيهم، ومساهميهم لتعويض المتضررين. تكمن الصعوبة هنا في تحديد الأهداف. فكيف يمكن تحديد أولئك الذين يحققون أرباحا فائقة من الذكاء الاصطناعي؟ كيف يمكن دعم المتضررين، بالنظر إلى مدى صعوبة مساعدة العمال المتضررين من التجارة في الماضي؟ وكيف يمكن التمييز بين العامل الذي فقد وظيفته بسبب التكنولوجيا والعامل الذي جرى تسريحه بسبب ظروف عمل معاكسة أو عدم الكفاءة؟
لتجنب بعض هذه الأسئلة، من المحتمل أن نشهد ضغوطا تدفع نحو تقديم دعم سخي للبطالة بغض النظر عن السبب ــ كخطوة أولى نحو تحقيق الدخل الأساسي الشامل في نهاية المطاف. لكن هذا يثير مشكلة أخرى، فحتى لو تمكنت الحكومات التي تعاني من ضائقة مالية من جمع إيرادات كافية، فسوف تظل وظائف عديدة تتطلب عمالا بشريين قائمة. وبالتالي، فإن إعانات البطالة المفرطة السخاء ستدفع الأجور التي يتعين على أرباب العمل تقديمها لإقناع العمال بالخروج من البطالة إلى الارتفاع، على النحو الذي يقلل من خلق فرص العمل.
في نهاية المطاف، لا توجد استجابات عامة سهلة لمشكلة البطالة على نطاق ضخم ولكنها ليست شاملة. سوف يكون لزاما على المجتمعات أن تجرب حلولا خَلّاقة، وأن تعمل على تحسين شبكة الأمان إلى حد ما، مع تشجيع الشركات على خلق فرص العمل وإعادة تأهيل العمال حيثما أمكن ذلك. في الوقت ذاته، إذا حققت أي من منصات الذكاء الاصطناعي التي تتسابق لتحقيق شبه احتكار هدفها، فمن شبه المؤكد أن ردود فعل السياسات الحكومية ستؤثر سلبا على أرباحها. كيف إذن قد يتسنى سداد ديون هذه الشركات الضخمة والمتزايدة النمو؟ هل نشهد أزمة مالية في أعقاب ذلك؟
أفضل ما يمكن أن نأمله هو السيناريو المثالي الأنسب حيث لا يكون نشر الذكاء الاصطناعي سريعا إلى الحد الذي يعجز معه العمال عن تعلم كيفية تعزيز وظائفهم بالذكاء الاصطناعي، بدلا من أن يُزاحوا؛ وحيث لا تكون صناعة الذكاء الاصطناعي شديدة الاحتكارية، بما يجعل الفوائد تعود على المجتمع في عمومه. تجبرنا التعليقات الخيالية مثل منشور Citrini على التفكير فيما قد يحدث إذا سارت قصة الذكاء الاصطناعي في اتجاه مختلف. الآن هو الوقت المناسب لرسم السيناريوهات المحتملة والبدء في الاستعداد لها.
