الشيف علياء اليزيدية: استحضار نية إطعام الصائم ونية إسعاد الأسرة يضفي للطهي قيمة روحية
توفر تقنيات وبدائل تحد من التأثيرات الصحية للسكر والدهون
تنوع الأطباق عنصر إيجابي مع الالتزام بمبدأ الاعتدال وعدم الإفراط في الاستهلاك
حين يزورنا شهر رمضان المبارك كل عام نعيد جدولة يومياتنا وترتيب نظامنا الروتيني، لأن الشهر الفضيل له خصوصيته وبالتالي يتغير إيقاع الحياة بأكملها، ويصبح لكل شيء وقت محدد. وحين نتوجه إلى مائدة الطعام نجدها تتنوع وتكبر لتشمل أصنافا قد لا نتذوقها إلا في هذا الشهر الفضيل، لتعكس تاريخا وذاكرة وهوية. الشيف علياء اليزيدية، مطبخها عامر على مدار العام، ولكن في شهر رمضان تبدأ إعدادات المائدة لديها قبل تجهيز المكونات ووضع القدور على النار، فهي تستحضر الطعام بوصفه لغة ثقافية صامتة.
تقول علياء اليزيدية: الطعام رغم صمته يروي قصصا كاملة دون أن ينطق بكلمة واحدة. مشيرة إلى أن الطعام ثقافة صامتة، لكنه ينتقل وينتشر أسرع مما نتخيل. ففي كل بيت، وفي كل مجتمع، تحمل المائدة بصمة من يعيشون حولها، وتعكس عاداتهم، وأذواقهم، وحتى رؤيتهم للحياة. وفي رمضان تحديدا، تصبح هذه الثقافة أكثر وضوحا، لأن الطعام يتعدى كونه استجابة لحاجة جسدية، ليكون جزءا من طقس اجتماعي وروحي متكامل.
مبينة أن المجتمع العماني في ثقافته الغذائية راسخ بعناصر لا يمكن تخيل المائدة الرمضانية بدونها. لذلك نجد التمر امتدادا لتقليد ديني وثقافي عميق برفقة اللبن والقهوة اللذين يمثلان لحظة انتقال من الصيام إلى الإفطار، ومن الصمت إلى الحديث، ومن الفردية إلى الجماعة. وتضيف: هذه الصورة ليست ثابتة في كل مكان، فقد تتصدر العصائر أو الحلويات أو حتى أطباق مختلفة المائدة الرمضانية، مما يعكس اختلاف الثقافات وتنوعها.
تأخذنا علياء إلى منزلها ومطبخها الخاص لتصفه بأنه مساحة مشاركة بين جميع أفراد الأسرة، حيث يملك كل فرد توجهه الخاص وذوقه المختلف، ولكنهم يجتمعون في النهاية حول هدف واحد بإقامة مائدة ترضي جميع الأذواق، مبينة أن هذه المشاركة لا تعني التخلي عن الأصالة، ولكنها تعيد اكتشافها بطرق جديدة حين تحرص دائما على الاحتفاظ بالنكهة الأصيلة للأطباق المحلية، وتؤمن بأن هذه النكهة مزيج من الذاكرة والتجربة والتاريخ.
وتتابع علياء أن إدخال لمسات حديثة لا يشكل تهديدا لهذه الأصالة المتوارثة، فالمائدة، ليست كيانا جامدا، وإنما كيان حي يتغير ويتطور. لذلك فإن مائدتها تحوي أطباقا تقليدية إلى جانب إضافات حديثة تشكل لوحة متناغمة في سفرة شهر رمضان المبارك، تساهم في دمج الذوق العماني بالوصفات الجديدة بطريقة تحافظ على روحه وتمنحه فرصة الاستمرار.
والتوازن لا نحصره في جانب تنوع الأطباق من الجانب الثقافي، لأن هذا الجانب هو جزء من عملية التنويع التي يجب أن تمتد إلى الجانب الصحي. فخلال شهر رمضان تزداد إغراءات السكر والدهون لتصبح المائدة مساحة للإفراط بدل الاعتدال، وهنا توضح الشيف علياء أن هذا التنويع يشكل تحديا، وهي تؤمن بأن الحل لا يكمن في الحرمان، بل في التوازن. لأن العديد من الأطباق التقليدية في أصلها، كانت متوازنة وصحية، والعودة إلى هذه الطرق التقليدية يمكن أن تكون جزءا من الحل.
ولكن مع توفر التقنيات الحديثة والأدوات التي تساعد على تقليل استخدام الزيوت، مثل القلاية الهوائية، والفرن، وبخاخات الزيت التي تسمح بالحفاظ على الطعم دون الإفراط في الدهون، مع توفر بدائل طبيعية للسكر، مثل العسل وسكر التمر، جميعها تصبح خيارات تساعد على تقليل الأثر السلبي للسكر دون التخلي عن الطعم الحلو الذي يرتبط بذكريات رمضان. والأهم في رأيها الاعتدال، لأن المشكلة ليست في وجود التنوع، بل الإفراط فيه.
وتستطرد علياء اليزيدية بأن الوعي لا يقتصر على الجانب الصحي العام، بل يمتد أيضا إلى مراعاة اختلاف احتياجات أفراد الأسرة، فكل مرحلة عمرية، لها احتياجاتها الخاصة، وما يناسب الطفل قد لا يناسب المراهق. وما يناسب الشاب، قد لا يناسب كبير السن. لذلك يجب ألا تكون للمائدة قائمة ثابتة، وينبغي أن يكون هناك مساحة مرنة تتكيف مع من يجلسون حولها. منوهة أن كبار السن يحتاجون إلى أطعمة أخف وأسهل هضما، بينما يبحث الشباب عن أطعمة تمنحهم طاقة أكبر.
وترى الشيف علياء أن المطبخ الرمضاني اليوم هو نتيجة تفاعل بين المطبخ العماني والمطابخ الأخرى، فالعلاقة بينهما أصبحت متوازنة ويمكن القول إن المائدة الرمضانية تتكون بنسبة متساوية من الأطباق المحلية والعالمية. مبينة أن هذا التداخل لا يمثل فقدانا للهوية، وإنما تعبيرا عن انفتاح المجتمع وقدرته على استيعاب التأثيرات المختلفة دون أن يفقد جوهره. وفي الوقت نفسه توضح أن هناك بعد آخر للطهي في رمضان لا يتعلق بالطعم أو الشكل أو الصحة. وهو استحضار نية إطعام الصائم ونية إسعاد الأسرة، ليجعل من الطهي نكهة مختلفة تحمل قيمة روحية، مؤكدة أن هذا الشعور يجعلها تنظر إلى المطبخ بوصفه مساحة للعطاء، وليس مجرد مساحة للإنتاج.
ومع مرور الوقت، بدأت أدوار الطهي تتغير أيضا، ولم يعد الطهي مسؤولية فرد واحد، بل أصبح مسؤولية مشتركة، فجميع الأفراد يتشاركون في إعداد المائدة كل بطريقته الخاصة، لتعزز هذه المشاركة الشعور بالانتماء، وتجعل المائدة تعبيرا حقيقيا عن الأسرة ككل.
وتحرص علياء على التخطيط المسبق قبل الشروع في دخول المطبخ لأن إعداد قائمة طعام لأيام رمضان يساعد على تحقيق التوازن بين الأطباق المحلية والعالمية، ويسمح بتوفير تناغم بين النكهات المختلفة، وتجربة متكاملة، حين يشعر كل فرد أن المائدة تعكس ذوقه وتلبي احتياجاته. تنتقل بعدها الشيف علياء إلى توقيت تناول الطعام في شهر رمضان المبارك موضحة أن تأخير وجبة السحور إلى وقتها الحقيقي يساعد على الحفاظ على الطاقة خلال النهار، كما أن تقليل الملح والدهون يساعد على تجنب الشعور بالإرهاق، وترى بأن اختيار الأطعمة سهلة الهضم كبعض أنواع الفواكه والتمر، يمكن أن يساعد الجسم على التكيف مع الصيام بشكل أفضل.
ورغم كل هذه الاعتبارات الصحية والتنظيمية، تبقى الذاكرة هي العنصر الأكثر حضورا في تجربة الطهي بالنسبة لعلياء، لتعود بنا إلى طفولتها، وتقول بأنها تتذكر رائحة الهيل عندما يمتزج بالسكر والحليب، تلك الرائحة التي كانت إعلانا غير رسمي عن حلول رمضان. فتلك الروائح كافية لخلق شعور لا يمكن تفسيره بالكلمات، شعور يجمع بين الترقب والراحة والانتماء. وحين تتذكر مشاهد قطع الثلج، وشراب الفيمتو، التي قد تبدو عادية ولكنها تحمل في داخلها طبقات من الذكريات.
كما تتذكر لحظات اكتشاف أطباق جديدة، حين تذوقت لأول مرة الكريم كراميل، وكيف تركت تلك التجربة أثرا لا يزال حاضرا في ذاكرتها حتى اليوم. هذه اللحظات أصبحت جزءا من هويتها، وجزءا من الطريقة التي تنظر بها إلى المطبخ حين تقف فيه اليوم. لذلك حين تعرف الشيف علياء عن نفسها ترى أنها كحلقة في سلسلة طويلة، في كل طبق تعده، يحمل في داخله أثر من سبقوها، وأثر من سيأتون بعدها. فالمطبخ مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالحاضر، وتلتقي فيها الهوية بالتجربة.
لذا فهي تجده مساحة لرواية القصص، مشيرة بأن كل طبق يحمل قصة، وكل نكهة تحمل ذكرى، وكل مائدة تحمل هوية. وبين التمر والقهوة، وبين الأطباق المحلية والعالمية، وبين الماضي والحاضر، تستمر هذه القصة في التشكل، عاما بعد عام، جيلا بعد جيل.
وربما، في هذا الاستمرار، يكمن المعنى الحقيقي للمائدة الرمضانية أنها ليست مجرد انعكاس لما نحن عليه، بل هي أيضا وسيلة لنقل ما كنا عليه، وما نأمل أن نكون عليه في المستقبل.
