في رمضان الماضي.. كانوا معنا!
اقبل رمضان، ولنا فيه وقفات وفيض من المشاعر المضطربة ما بين غبطة وحضور وانصهار وتمني أن يعود من ذهب. أتى إلينا رمضان محملاً بذكريات من كان بالأمس يعيش معنا، ولم يعد هذا اليوم يقف بجانبنا. هذا ليس رثاءً لما قد سبق فقده أو رغبةً في انفلاق القلوب بمعول الوجد الذي لا يفارق القلوب، بل هو حزن عميق يتجدد كل لحظة.
الحزن يعمد إلى تمزيق ثوب الصبر الذي نحاول أن نتمسك به بعد أن فقدنا أشياء "لا تعوض" من أرواحنا. هذه الذكرى، عندما تهب نسائمها، تزلزل أركان الوجع النائم منذ زمن، فيستفيق المكلوم على جرح غائر لا يريد أن يبرأ أو يزول بسهولة.
في رمضان اليوم، نقف على ناصية إحدى زوايا الذاكرة نتفقد وجوهًا كانت يومًا حاضرة معنا، فكتب الله عليها الفناء فرحلت نحو البعيد. طويت صحائفهم، فتركوا لنا شيئًا مؤلمًا من ذكرياتهم القديمة. أخبرنا الفراق بأنهم أصبحوا وجوهًا غائبة، لكنها ستظل "مشهدًا" من قصة حب لا تنتهي.
المكان فارغ من أصواتهم التي اشتقنا لسماعها، وحركاتهم أفرغت من بؤرة العين فلم تعد تفاصيل الأحياء تبصرهم. لقد ضمتهم حُجُور الأرض عنا، ورتحلوا كضيف نزل ديارنا، ثم غادر عائدًا إلى دياره التي خرج منها. فمع كل طرق لأبواب القلب نحس بأنهم باقون في صدورنا، بل يخبرنا ذلك النبض الذي نحس به يجري في عروقنا بأنهم "أحياء عند ربهم يرزقون".
كانوا ينتظرون، كغيرهم من الأحياء، قدوم شهر رمضان بشوق للياليه المضيئة ونفحاته الجميلة، لكن الموت الذي يفر منه البشر "عاجلهم"، فكان الفناء أقرب إليهم من بلوغ مقاصدهم. فرُتّ قدمهم من على البسيطة، ونزلت أجسادهم نحو مساكن الموتى فستقروا فيها. برحيلهم انتهت معهم حكاية الأمل في الحضور، وأُستبدل ذهابهم بالغياب الأبدي.
حقًا يصدق كل من قال: "الوجع ليس محصورًا في أيام الفقد الأولى، بل حين تأتي الأيام الجميلة المباركة فتجد من كنت تشاركه عمق الفرحة قد رحل وغطاه الثرى". ويصدق الشاعر الكبير محمود درويش عندما يخبرنا بأن: "الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء".
وهناك شاعر يقول:
وتضمهم تلك القبورُ بليلهم
يا وحشةَ الأحياء للأمواتِ
مكسورةٌ منا العيون لفقدهم
صبرًا سننسى الفقدَ في الجناتِ
من فقدناه قريبًا، رمضان هذا العام جاء مختلفًا، هناك مقاعد فارغة على مائدة الإفطار والسحور أشعرتنا بالفقد، وأيضًا وجوه مألوفة ستفقد في صفوف المساجد. فرحم الله قلوبًا موجوعة ستظل معلقة بمن رحل عنها نحو خالقها، لكن هذه الأرواح لن تفارقنا بسهولة، بل ستظل بداخلنا إلى الأبد. لكنها سنة الحياة: "من نحبهم بشدة يختارهم الغياب بدقة".
إذا كان رمضان كما يقال دائمًا يغادرنا ثم يعود إلينا في كل عام، فإن من كانوا معنا وبقربنا ورحلوا فإنهم "لن يعودوا إلينا مرة ثانية" يلتفون حولنا. كانوا مثلنا ينتظرون هلال رمضان، يصلون ويصومون ويرفعون أيديهم إلى عنان السماء بالدعاء وطلب الغفران، وأن يشهدوا أيام رمضان المباركة، واليوم هم يتوسدون أماكنهم تحت التراب، رحلوا كغيرهم من الأحبة، ولم يبقَ لنا سوى الدعاء لهم بالرحمة والسكنى والمغفرة.
يقول الله تعالى:
"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ" صدق الله العظيم.
الفقد هو الذي يعلمنا الكثير من الحقائق المجهولة عن قيمة الحياة الدنيا. فكلما كان الفقد مؤلمًا، كلما أحسسنا بأننا نعيش مع الوهم الكاذب، ندقق في تفاصيله الكثيرة لكن لا نعي صدقها إلا عندما ينحرنا الوقت بمدية جزار محترف.
في رمضان اليوم، أشياء كثيرة افتقدناها، كما يفتقدها الملايين من البشر. رحيل من نحب مؤلم جدًا: صورهم، خيالاتهم، همساتهم، ضحكاتهم، كل تفاصيلهم تشعرنا بأننا سنعيش قصة طويلة مع ألم الفقد. نتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء لنخبرهم بأننا نحبهم، ونموت ملايين المرات وهم بعيدون عنا.
يقول الشاعر العباسي أبو العتاهية:
وقمة البؤس أن تبكيك ذاكرة
بمنزل كنت دومًا فيه تبتسم..
أعلل النفس عل العين تلمحهم
والنفس تدري يقينًا أنهم رحلوا..
مازال عهدي وثيقة في محبتهم
ولن يواريه في داخلي بدل.
لا تعذلوا العين إن فاضت مدامعها،
إن الفراق على من ذاقه.. جللُ.
بموت الأحبة تصبح الأيام باهتة، لم تعد كما كانت منذ زمن. كل شيء قد تغير، هم رحلوا عنا نحو البعيد، لكن قلوبنا لا تزال معلقة بكل الذكريات القديمة.
لم نشعر يومًا بإحساس الفقد إلا عندما أدركنا بأن جزءًا مهمًا في حياتنا قد اختفى ولن يعود للظهور مرة أخرى. هذه المناسبات وغيرها هي ذكريات نخرجها من صناديق الزمن المفقود، نحاول أن نتجلد ونتماسك، لكن رغبتنا في البكاء ربما تخفف عن قلوبنا المكسورة شيئًا من الوجع الداخلي. سنظل ندعو لهم حتى نلقاهم.
