No Image
بريد القراء

الإعجاز البياني

19 فبراير 2026
علي بن سالم الرواحي
19 فبراير 2026

القرآن الكريم غني عن التعريف، فهو كلام الله الخالد، وكتابه السارد، ودستوره القائد إلى خير هدى ورشاد، هو الرسالة والمعجزة في آن واحد. فكل آية، بل كل جزء منه، يعتبر معجزة بحد ذاتها، إذ خرق عادة العرب في كلامهم، فلا هو مما عرفوه وألفوه من شعر ونثر. إعجازه يزداد يومًا بعد يوم، حسب ما يتوصل إليه الإنسان من علومه وأخباره، وأسرار تشريعاته وهداياته، وعجائب لغته وبيانه. لذلك جاء معجزة من جميع الوجوه: كاللغوية، والعلمية، والتشريعية، والتاريخية، والإنبائية، ونحوها.. وقد اهتدى بإعجازه كثير من علماء الشرق والغرب، وشهدوا بسموه ورقيه، وأنه لا ينبغي إلا أن يكون من عند الله العليم الحكيم الخبير. سنتناول في هذه السلسلة، أخي القارئ، طرفًا من إعجازات هذا الكتاب العظيم المبين.

ومعنى المعجزة لغةً: اسم فاعل من فعل (أعجز)، الذي مصدره (إعجاز)، ولحقت بها الهاء للمبالغة كما في كلمة (علّامة).

وأصل (العجز) هو التأخر عن الشيء كأنه حصل عند مؤخره كالدبر، لذلك يُسمّى الدبر عجزًا، و(عجز عجزًا) إذا غُلِب وسُبِق ولم يقدر، أو بمعنى القصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة (الراغب، 1996، ص322). ويدل عليه قوله تعالى:

(قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي) (المائدة: 31)

والمعجزة اصطلاحًا، كما في كتاب (الإتقان) للسيوطي، هي: «أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة» (السيوطي، 1996، ص3)، فهي تقترن بالتحدي الذي يكون: بلسان المقال أو بلسان الحال. أما الإعجاز اصطلاحًا فهو عدم قدرة الثقلين على الإتيان بمثل المعجزة الربانية لكونها خارقة للعادة رغم تحديهم بها. وقد عرفه العلامة أحمد الخليلي بأنه: «الغلبة من جهة لأخرى حتى تصير الجهة المغلوبة عاجزة عما قدرت عليه الغالبة» (الخليلي، 1984، ص45)، وبتعبير آخر، هو إثبات عدم قدرة الخصم في الإتيان بالمعجزة.

ولما كان الإعجاز البياني هو موضوع تحدي العرب أثناء تنزل القرآن، كان من المهم تناوله، إذ إن إعجاز القرآن في نظمه وبيانه سارٍ في جميع آياته، فلا ينفك عنه أبدًا، ولا تختص به طائفة من الآيات دون أخرى، كما هو الحال في الإعجاز العلمي أو التشريعي أو الإنبائي الغيبي. لذلك بُدئ به قديمًا، فكان له نصيب وافر من بحوث العلماء، ونظّروا فيه نظريات بعضها انحرفت عن الحقيقة كنظرية الصدفة التي ابتدعها النظام، وتبعه فيها نفر من المتعالمين، وجاءت نظريات أخرى لانتقادها وبيان الوجوه الإعجازية الصحيحة، كنظرية النظم القرآني لعبد القاهر الجرجاني.

والمراد بالإعجاز البياني تفوق القرآن الكريم لغويًا وبلاغيًا، حيث يتميز بوضوح المعنى، وفصاحة الألفاظ، ودقة التركيب، وبلاغة التعبير لدرجة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.

فعلى سبيل المثال، ورد في القرآن الكريم كلمة (ضيزى) وهي كلمة قبيحة، لكن الاستعمال القرآني جعلها كلمة جميلة تؤدي معنى مفيدًا، فقد ركّبها المولى عز وجل في قوله:

(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)) (النجم)

لاحظ الإيقاع الموسيقي الجميل لها المتناغم مع فواصل الآيات المتجاورة، ثم معناها الدقيق، أي أنكم أيها المشركون جعلتم الآلهة الإناث بنات الله، وجعلتم لأنفسكم الذكور، فكانت هذه القسمة قسمة ظالمة لا عدل فيها.

كما ورد في قوله تعالى:

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)) (الليل)

استُعمل الفعل المضارع (يغشى) مع (الليل)، والفعل الماضي (تجلّى) مع (النهار) في سياق واحد. لماذا؟ إن الليل يأتي تدريجيًا عندما تنسحب الشمس من الأرض، بدءًا من العصر وحتى المغرب، وهي فترة طويلة نسبيًا، فناسبها الفعل المضارع (يغشى) الذي يدل على الاستمرار. بينما النهار يتجلى بمجرد شروق الشمس، وهي فترة قصيرة سرعان ما تنقضي، فناسبها الفعل الماضي (تجلّى) الذي يفيد الانقضاء. والملحوظ أن الفعلين مرتبطان بـ(إذا) الظرفية الزمنية، فوقت الغشي أطول من وقت التجلي، والله أعلم.