هل يمكن أن يستمر الأداء الباهر للأسواق الناشئة
18 فبراير 2026
18 فبراير 2026
الإيكونومست - ترجمة قاسم مكي
خلال معظم السنوات العشرين الماضية بدا أن الأسواق الناشئة محكوم عليها بألا «تنشأ» أبدا. فالاقتصادات الواعدة كان من المفترض أن تقدم للمستثمرين المندفعين الذين لا يهابون المخاطر فرصة اقتناص عائدات ضخمة من النمو الفائق لبلدان الدخل المتوسط مع تقدمها للحاق بالبلدان الغنية.
حقا ذلك؛ فحسب تقديرات صندوق النقد الدولي زادت اقتصادات البلدان الناشئة والنامية في المتوسط إنتاجها بوتيرة أسرع من اقتصادات البلدان المتقدمة في كل عام خلال هذا القرن، وكثيرا ما كان ذلك بعدة نقاط مئوية.
مع ذلك، بعد نمو ضخم في العشرية الأولى سجلت أسواقها المالية حتى وقت قريب عائدات بائسة. ولم يستعد مؤشر مورجان ستانلي لأسهم الأسواق الناشئة ذروته منذ عام 2007 إلا في عام 2021. ولكن فقط ليتراجع مرة أخرى بأكثر من 40%. (حسب موسوعة إنفستوبيديا، يقيس هذا المؤشر أداء أسهم الشركات الكبيرة والمتوسطة في 25 بلدا سريع النمو حول العالم- المترجم).
الآن تصعد أسهم الأسواق الناشئة مرة أخرى؛ فقد ارتفع مؤشر مورجان ستانلي الذي يتعقبها بنسبة 34% في عام 2025 مقارنة بنسبة 21% لنظيره الخاص بالأسواق المتقدمة.
وفي هذا العام ارتفع مؤشر الأسواق الناشئة بنسبة 9% أخرى، وارتفعت قيمة العملات من البيزو المكسيكي إلى الرينجيت الماليزي مقابل الدولار. وتفوقت عائدات سندات الأسواق الناشئة المقومة بالدولار على سندات الدين الأمريكي والأوروبي عالية العائدات والمخاطر.
السؤال: هل يمكن أن يستمر هذا النمو الباهر؟ جزء كبير من الإجابة يعتمد على ما سيحدث مع الدولار.
منذ أواخر ستينيات القرن الماضي عندما بدأ نظام الصرف الثابت لاتفاقية بريتون وودز في التداعي مرت العملة الأمريكية بأربعة فترات هبوط رئيسية. وفي كل مرة من هذه المرات، كما يذكر المحللون بمصرف «بانك أوف أمريكا»، صعدت الأسواق الناشئة بقوة.
جاء نجاحها الأخير، مرة أخرى، مع اضمحلال قوة الدولار. فقيمته حتى الآن قياسا بسلة من نظائره في العالم الغني أقل بنسبة 11% فقط من الذروة التي بلغها في عام 2025. وهذا انخفاض طفيف مقارنة بهبوطه بنسبة 41% في الفترة بين 2002 و2008.
إذا استمر المتعاملون في التخلص من الدولار ستحقق الأسواق الناشئة الكثير من المكاسب.
وعلى الرغم من تزايد اقتراض حكومات بلدان الاقتصادات الناشئة بعملاتها الوطنية خصوصا في آسيا إلا أن الكثير منها لا يزال لديه ديون كبيرة جدا مقومة بالدولار. وضعف الدولار يجعل خدمتها وتسديدها أرخص.
إذا تساوت كل العوامل المؤثرة الأخرى، يلزم أيضا أن تعزز التجارة الدولية المُسعرة بالدولار كالصادرات السلعية. وينبغي أن تنساب التدفقات الدولارية الخارجة من أمريكا إلى مكان ما.
يقترب متوسط تخصيص المحافظ الاستثمارية بواسطة مديري الصناديق النشطة لأسهم الأسواق الناشئة من أدنى مستوى له خلال عقدين مما يجعل مثل هذه الأصول خيارا واضحا لأولئك الذين يبحثون عن تنويع استثماراتهم. (يقرر مديرو الصناديق النشطة بأنفسهم وحسب تقديراتهم الذاتية مكان الاستثمار، خلافا للصناديق السلبية التي تتبع مؤشرا وتستثمر تلقائيا (المترجم).
مع ذلك، الوضع «الصعودي» للأسواق الناشئة لا يرتكز على استمرار التخلص من الأصول الأمريكية فقط.
لتفسير ذلك، علينا أن ننظر في ثلاثة أسباب يجب أن يهتم بها المستثمر الأشد حماسا لمبدأ أمريكا أولا (شراء الأصول الأمريكية). هذه الأسباب هي رخص الأسهم في الأسواق الناشئة ومرونتها وإمكانية استفادتها من النمو العالمي.
الرخص هو العامل الجاذب الأكثر وضوحا. حقا أسهم الأسواق الناشئة تبدو أغلى مقارنة بأسعارها في الماضي؛ فنادرا ما بلغت الأسهم «مضاعف الربحية» المتوقع للعام القادم والذي يساوي 13 مرة، وهو سعر مرتفع؛ مع ذلك يمثل هذا التقييم انخفاضا بنسبة 40% مقارنة بمؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم الأمريكية.
من الممكن جدا أن تحقق شركات التقنية العملاقة في الولايات المتحدة أرباحا غير عادية من الذكاء الاصطناعي، لكن أيضا الشركات في الصين وكوريا الجنوبية وتايوان. ويمكن للمستثمرين الذين يشترون سلة واسعة من أسهم الأسواق الناشئة الرهان على الاتجاه نفسه بسعر أقل إلى حد بعيد وبمزيد من التنويع تحسبا لعدم تحقيق الذكاء الاصطناعي الأرباح المرجوة منه.
ما هو أكثر من ذلك إذا أخلت صدمة بتوازن اقتصاد العالم ستكون الأسواق الناشئة في وضع أفضل بكثير مما كانت في السابق لتدبير أمرها.
لقد أنفقت بلدان الدخل المتوسط في أمريكا اللاتينية وآسيا عقودا من السنين في بناء مؤسسات قوية وتكديس احتياطيات النقد الأجنبي وتمكين بنوكها المركزية.
وكانت مرونتها في كامل تجليها عندما ارتفعت الأسعار عالميا في عام 2022. فقد رفعت بلدان عديدة من بينها أسعار الفائدة قبل فترة من بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي ونجحت في خفض التضخم.
تظل مخاطر في الاستثمار في الأسواق المالية أكبر من الرهان على الاقتصادات المتقدمة. لكنها أقل إلى حد بعيد مما كانت في السابق.
في الحقيقة تبدو الخلفية الاقتصادية العالمية في أفضل وضع «مثالي» ممكن للأسواق الناشئة.
ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي باطراد في عام 2026 ولو أن ذلك سيكون ببطء أشد مع تخطي الأسواق الناشئة الاقتصادات الغنية بحوالي 2.4 نقطة مئوية.
ويستعد بنك الاحتياطي الفيدرالي لمزيد من الخفض في أسعار الفائدة؛ لكنْ قليلون من يخشون حدوث انكماش اقتصادي.
بكلمات أخرى، تبدو الأشياء معتدلة، وهذا وضع مثالي لتشجيع المستثمرين على توظيف رأس المال في أماكن بها مخاطر أكبر قليلا، لكنها ربما ستنمو بوتيرة أسرع قليلا وتحقق عائدات أعلى. وسيكون من المفيد حقا إذا قدم دونالد ترامب للمستثمرين مزيدا من الأسباب لتحاشي الأصول الأمريكية.
لكن على أي حال، ربما الاتجاه الصعودي للأسواق الناشئة في بداياته فقط.
