العرب والعالم

رمضان في القدس المحتلة.. هل سيكون ساخناً؟

17 فبراير 2026
الاحتلال حولها إلى ثكنة عسكرية والمستوطنون يتأهبون
17 فبراير 2026

رمضان شهر العبادة والطاعات في كل العالم، لكنه في فلسطين، غالباً ما يكون شهر الإنفجار، والصدام الدامي مع الكيان الإسرائيلي، بسبب ممارسات قوات الاحتلال وعربدة عصابات المستوطنين، الذين لا يراعون المعتقدات أو المناسبات الدينية.

وإن كان الانشغال فلسطينياً، بأولوية وقف الحرب بشكل كامل في قطاع غزة، من دون خروقات، فإن القراءة الأولية لممارسات الاحتلال في مدينة القدس المحتلة، عشية حلول شهر رمضان المبارك، لا تحمل بين ثاياها عناصر تفاؤل على الإطلاق، إذ حولها الاحتلال إلى ثكنة عسكرية.

في القدس المحتلة، تتنوع صور التهديد والوعيد الإسرائيلي بـ"رمضان ساخن" تارة من خلال الإعلان عن إجراءات إسرائيلية تنطوي على قيود مشددة، لدخول الفلسطينيين إلى المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك، خلال الشهر الفضيل (55 عاماً للرجال و50 للنساء) وأخرى من خلال الاستعداد لنشر قوات إضافية في المدينة المقدسة، التي عادة ما تشكل شرارة التصعيد.

وللفلسطينيين تجارب غنية وحافلة مع الكيان الإسرائيلي في شهر رمضان، تحفل بالممارسات الاستفزازية العنصرية، وغالباً ما تنتهي بمواجهات دامية، يغلب عليها الطابع الديني، لا سيما وأن عصابات المستوطنين لا يحلو لها اقتحام المسجد الأقصى إلا في شهر رمضان، بذريعة ممارسة طقوس دينية، فيما مشهد تدفق الفلسطينيين على أبواب القدس وتحت أسوارها وفي أزقتها، ووزحفهم نحو مسجدها المبارك خلال شهر رمضان، لا يروق للكيان الإسرائيلي وسياسته القائمة على تهويد أولى القبلتين.

وبدأ التصعيد المحتمل في شهر رمضان مبكراً في عموم الأراضي الفلسطينية، بارتفاع مضطرد لوتيرة القمع والضم الإسرائيلي، ما يظهر بوضوح نوايا الاحتلال المبيتة للتصعيد مع الفلسطينيين، والتي ظهرت بتجليات مختلفة، وتدلل عليها الاقتحامات شبه اليومية، والاعتقالات، وإطلاق يد المستوطنين ودعوتهم لحمل السلاح في الضفة الغربية، وحشودات جيش الاحتلال في القدس، واقتحامات المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى المبارك.

شرارة تصعيد معتادة

تاريخياً، شكلت القدس شرارة التصعيد والمواجهة الدامية بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال، وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، فكانت عملية اختطاف الطفل المقدسي محمـد أبو خضير وحرقه من قبل العصابات الاستيطانية الإجرامية، في رمضان عام 2014، الشرارة التي أفضت إلى هبة شعبية فلسطينية واسعة، لزجر تلك العصابات وكف سلوكها القائم على العربدة، فانتفضت القدس، وسرعان ما تدحرجت كرة النار إلى الضفة الغربية، وانتهت بحرب دامية في قطاع غزة، استمرت 51 يوماً، واستشهد خلالها 2100 فلسطيني.

المشهد ذاته تكرر بنسخة كربونية، في رمضان عام 2022، عندما شرعت قوات الاحتلال بحملة إخلاء لعائلات فلسطينية من منازلها في حيي سلوان والشيخ جراح بالقدس، الأمر الذي قابله المقدسيون برفض مطلق، تطور سريعاً إلى صدام دام، وامتدت الأحداث لتعم أرجاء الضفة الغربية، وأفضت أخيراً إلى حرب جديدة على قطاع غزة، خلفت 49 شهيداً.

وبلغ تمادي الكيان الإسرائيلي ومستوطنيه على المقدسيين ذروته، مع غرّة رمضان العام الماضي، عندما حاول مستوطنون متطرفون، يرافقهم ضباط كبار في الجيش ووزراء إسرائيليون، اقتحام الحرم القدسي الشريف، لإقامة صلوات دينية وشعائر تلمودية في رحابه، لينتقل المشهد إلى مواجهات حامية الوطيس بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال.

وكان "باب العامود" التاريخي، بجلساته المعهودة بسهرات المقدسيين في ليالي رمضان، محطة مهمة وعلامة فارقة في تعرية سلوك الاحتلال وإماطة اللثام عن وجهه القبيح، فمثل هذه المشاهد، المعبرة عن ارتباط المقدسيين بمدينتهم، لم ترق لجيش الدولة العبرية، الذي أخذ يعتدي على الشبان المقدسيين ويلاحقهم، ويعتقل العشرات منهم وينكل بهم، دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل، ما قاد إلى موجة تصعيد عاتية، تردد صداها في الضفة الغربية، وهكذا، سعى الاحتلال للتنغيص على المقدسيين، وتحويل رمضان الكريم من شهر للعبادة، إلى مناسبة للمواجهة الدامية.

ولا ينتظر أهل القدس من الاحتلال بجيشه ومستوطنيه في شهر رمضان، غير استمرار الممارسات الاستفزازية، وكل ما من شأنه الإبقاء على ديمومة التصعيد مشتعلة، وتعكير الأجواء الرمضانية، واغتيال طقوس الشهر الفضيل وبهجته، ولذا فمن المرجح، وفق مراقبين، استمرار عمليات اقتحام باحات المسجد الأقصى وتدنيسها خلال شهر رمضان، وبات في حكم المؤكد أن المقدسيين سيضيقون ذرعاً بهذه الاقتحامات، الأمر الذي سيدفعهم للدفاع عن قبلتهم الأولى، والإستعداد لجولة جديدة من التصعيد، لا يمكن لأي من المراقبين التنبؤ بانعكاساتها وتداعياتها.

تهويد قاس.. وناعم

وثمة إجراءات إسرائيلية في أسرلة مدينة القدس وتهويدها وتغيير هويتها ومعالمها، من خلال محاولة عزلها عن كل مدن الضفة الغربية، كما يقول نائب محافظ القدس عبد الله صيام، لافتاً إلى أن قوات الاحتلال تواصل عمليات هدم المنازل واقتحام المؤسسات المقدسية وإغلاق مقار العديد منها، غير أن الأخطر من هذا، هو سياسة "التهويد الناعم" التي تنتهجها سلطات الاحتلال، من خلال فرض القوانين العنصرية، كتغيير المناهج التعليمية، وعدم اعتماد أي شهادة غير إسرائيلية في فرص التوظيف.

ويوالي: "الخيارات التي تفرضها سلطات الاحتلال على المقدسيين أخذت تضيق، فإما القتل، وإما التهجير، ولكن أهل القدس متمسكين بأرضهم ومقدساتهم، بل إن الوعي الفلسطيني بالقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، هو مسألة قائمة منذ عقود، وتتوارثها الأجيال".

ويواصل: "الإجراءات الإسرائيلية، بتحديد عدد المصلين في المسجد الأقصى المبارك بأن لا يتجاوز 10 آلاف مصل، مع تحديد أعمار الرجال والنساء، هو انتهاك صارخ لحرية العبادة، التي كفلتها القوانين والأعراف الدولية، ومحاولة لتحويل حق ديني أصيل للفلسطينيين، إلى واقع يخضع لاشتراطات وإملاءات الاحتلال".

ولا ينفك صيام عن التحذير من القيود الممنهجة التي تحاول سلطات الاحتلال فرضها، منبهاً إلى نوايا "جماعية الهيكل" الاستيطانية المتطرفة، حشد مزيد من المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان الفضيل، منوهاً إلى إبعاد أكثر من 200 مقدسياً عن المسجد المبارك، موضحاً: "الاحتلال يستخدم سياسة الإبعاد كأداة قمعية، تهدف إلى تفريغ المسجد الأقصى من زواره، لمواصلة تهويده".

ويصف فلسطينيو الضفة الغربية، الإجراءات والتدابير الإسرائيلية المشددة، بأنها ضربة استباقية لاستعدادات الفلسطينيين لاستقبال شهر رمضان، وتقييد وصول المصلين إلى أولى القبلتين، ما ينذر بـ"رمضان ملتهب" تحت الحراب الإسرائيلية.