عمان العلمي

اتفاقية أرتميس ومستقبل الفضاء في سلطنة عُمان

18 فبراير 2026
د. اسحاق بن يحيى الشعيلي
18 فبراير 2026

Image

لم يكن المشهد المتسارع الذي نعيشه هذه الأيام في استكشاف الفضاء وإرسال المهمات التجارية معهودا مع بدايات القرن المنصرم، فالتنافس الذي كان محصورا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في فترة الحرب الباردة والذي بدأ فعليا مع إرسال أول إنسان إلى الفضاء عام 1961 وصولا إلى الخطوات الأولى لرائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونج على سطح القمر عام 1969. ورغم أن هذا التنافس بين المعسكرين كان يركز في مقامه الأول على الوصول إلى اختراق كبير في هذا المجال إلا أنه كان لابد من تأطيره ضمن إطار قانوني دولي يضمن سلامة المهمات الفضائية ويحول دون عسكرة الفضاء، وهو ما تجسّد في اعتماد معاهدة الأمم المتحدة للفضاء الخارجي عام 1967، التي أرست مبدأ إتاحة الفضاء الخارجي للاستخدام السلمي لصالح البشرية، بحيث يضمن سلامة المهمات الخارجية وجعل الفضاء الخارجي متاحا للجميع، مع التأكيد على أن الفضاء الخارجي ملكية مشتركة للبشرية ويمنع التملك لجميع دول العالم لأي جرم كوني، مع تعزيز الشفافية والبحث العلمي وتبادل البيانات والخبرات في هذا المجال بعيدا عن الصراعات وبما يحفظ حق الأجيال القادمة في الموارد الكونية. هذا المشهد انتقل اليوم بعد أكثر من نصف قرن تقريبا إلى مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها «خصخصة الفضاء» مع دخول فاعلين تجاريين إلى هذا المجال وبروز حاجة ملحة لدى الدول النامية للدخول في شراكات إقليمية ودولية وسن قوانين محلية وأطر تنظيمية للاستفادة من التقنيات الفضائية المتاحة، وفي هذا السياق يأتي انضمام سلطنة عمان إلى اتفاقية أرتميس في 26 يناير 2026 على هامش مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء لتصبح العضو الحادي والستين في هذه الاتفاقية، غير أن التوقيع على هذه الاتفاقية يطرح العديد من التساؤلات ما إذا كانت الاتفاقية ستخلق شراكة فاعلة في هذا المجال أم أنها لا تتعدى الإطار التنظيمي والتوافق التشغيلي دون وجود شراكة فاعلة ومكاسب تقنية تعود بالفائدة المرجوة لسلطنة عمان، والوصول إلى تفعيل أكبر لاقتصاد المعرفة والابتكار الفضائي ضمن «رؤية عُمان 2040»؟ وكيف يمكن لسلطنة عمان التغلب على الفارق التقني الذي يضعها في موقع المستهلك أكثر من المنتج أو المبتكر في هذا المجال؟ وكيف يمكن تأهيل الكادر الوطني للمساهمة بشكل فعّال للتغلب على عدم التكافؤ الابتكاري بين سلطنة عمان والدول المتقدمة؟ 

ما هي اتفاقية أرتميس؟ 

اتفاقية أرتميس هي اتفاقية غير ملزمة اقترحتها الولايات المتحدة ممثلة في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وتستند إلى معاهدة الأمم المتحدة للفضاء الخارجي لعام 1967، وتحتوي على العديد من المبادئ والتوجيهات بما في ذلك القواعد التجارية التي تنظم العمل السلمي في الفضاء الخارجي، وقد تم التوقيع على هذه المعاهدة في عام 2020 بين الولايات المتحدة وسبع دول أخرى، وانضمت إليها العديد من الدول، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 61 دولة، وهي في واقع الأمر أقرب إلى أن توصف بأنها بروتوكول تعاون دولي أو خارطة طريق لتنظيم العمل في الفضاء الخارجي؛ إذ لا تحتوي الاتفاقية على أي بنود ملزمة للأطراف الموقعة عليها، كما أنها لا تتضمن أي قوانين يُحل من خلالها النزاعات بين هذه الدول عند حدوثها، وقد ينظر إليها البعض من أبعاد جيوسياسية تقوده الدول المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة والدول الأخرى لمواجهة النفوذ المتزايد للصين ورغبتها في الوصول إلى القمر وبناء محطة قمرية دولية بالشراكة مع دول أخرى مثل روسيا. وهذا ما يجعل من اتفاقية أرتميس في بعض جوانبها وكأنها تفرض قيودا تقنية لم نشارك الدول في صياغتها، مما يجعل دور المشاركين في الاتفاقية مجرد مشغل ملتزم بالاتفاقية أكثر منه من يكون شريكا مساهما في رسم السياسة العالمية للفضاء. 

واقع قطاع الفضاء في سلطنة عمان من خلال قراء سريعة لواقع قطاع الفضاء في سلطنة عمان (بناء على المخطط المرفق) يمكن أن نلاحظ أن التركيز إلى حد الآن يتمثل في الشق السفلي للقطاع (Downstream) وبالأخص في مجالات التشغيل الأرضي، وهنا يمكن تصنيف الشركات العاملة في هذا القطاع إلى: 

- قطاع الاتصالات: مثل عمانتل وتقنيات الاتصالات الفضائية. 

- تطبيقات الاستشعار عن بعد والدرونات: وهذه الفئة الأكثر من حيث عدد الشركات (NORTHSYS وTerraMaps وبيانات الاستشارات الجغرافية)، وغيرها من الشركات التي تعمل في المسح الجغرافي والزراعي وخدمات الدرون. 

- الاستشارات والتدريب: وهي المختصة في مجالات تدريب محدودة في قطاع الفضاء كمصنع الابتكار وأكنات وأكاديمية البرمجة. 

ورغم أن هذا القطاع ساهم بشكل كبير في خلق فرص واسعة للشباب العماني، ألا أنه من الجانب التقني يتبين لنا أن هناك فجوة كبيرة بين الواقع المعتمد على تقديم الخدمات والتدريب والطموح في الوصول إلى الريادة التقنية، فهذه الفجوة لا تزال كبيرة في هذا القطاع مع الدول المتقدمة، وبالتالي فالتحول من النظم التشغيلية إلى المشاركة الفاعلة تستلزم تحول الشركات العمانية إلى جوانب مبتكرة كقطاع تحليل البيانات أو البرمجيات المتعلقة بتقنيات الفضاء وصولا إلى الأمن السيبراني في مجال الفضاء، والتنوع في التعاون الدولي مع دول العالم المختلفة دون التركيز على جهة محددة تحتكر هذا القطاع دون السماح بالاستفادة المعرفية ونقل التقنية وتوطينها محليا، إذ يجب علينا الوصول إلى مرحلة الانخراط في مجال التصنيع حتى في المدى الطويل كهدف يمكن تحقيقه، وهذا أيضا ما يمكن قوله حول ميناء الدقم الفضائي الذي يمكن اعتباره ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء، فرغم أن الفترات الماضية شهدت محاولات إطلاق ناجحة وأثبتت أن الموقع الاستراتيجي لسلطنة عمان يسمح بمرونة عالية في جدولة التجارب وبالتالي مهمات الإطلاق لاحقا، كما أن تجربة الميناء يتوقع أن تشهد تحولا نوعيا في المهام خلال الفترات القادمة واستثمارات كبيرة من قبل الشركات العالمية؛ إلا أن الواقع والمأمول سيتحقق في رأينا إذا تم دمج الكادر الوطني بشكل كبير في عمليات التصميم الهندسي والتقني للمهمات الفضائية، وهو ما تهدف إليه السياسة الوطنية لقطاع الفضاء 2023-2033 من خلال بناء القدرات وتفعيل دور الشباب العماني في هذا المجال، وهو ما سينقل ميناء الدقم الفضائي من مجرد بنية تحتية جاذبة للاستثمار الأجنبي من خلال «تأجير المنصة»، إلى بناء مختبرات فضائية وتوطين هذه الصناعة على المدى المتوسط والبعيد، وهذا يفتح لنا أفقا جديدا في المنافسة في هذا الجانب ليس من خلال رفض التعاون الدولي أو عدم الاستفادة من التقنيات المستوردة ولكن من خلال بناء تخصصات نوعية قادرة على إيجاد تميز في هذا المجال بالتوازي مع دمج هذه الكوادر عند الدخول في شراكات عالمية؛ لكي يتسنى لنا الوصول إلى مرحلة هندسة المعايير وصياغة النظم والقوانين دون الاكتفاء فقط بالتشغيل، وهنا أيضا يبرز دور الجامعات الوطنية التي يجب أن تؤسس لتخصصات في مجال الفلك والفضاء تتوافق والمرحلة القادمة مع الطموح نحو التميز في هذا المجال وتشجيع البحث العلمي والابتكار في مختلف مجالات علوم الفلك والفضاء. 

إن التجارب المختلفة للعديد من الدول وخاصة النامية منها للدخول إلى هذا القطاع تعد مصدر إلهام في العديد من الحالات، ويمكن لنا الاستفادة منها والبناء على ما تم تحقيقه وتم الوصول إليه، ولكن يجب دراسة هذه التجارب بصورة محايدة تستلزم تناول الجوانب المختلفة لهذه التجارب من حيث إن النجاح الذي يتم التسويق له إعلاميا هل هو حقيقي ومستدام؟ بمعنى آخر أنه هل تم تصنيعه ولو بشكل جزئي محليا أم أن النجاح بكامل تفاصيله مستورد حتى في قطاع التشغيل دون إشراك العنصر المحلي مشاركة حقيقة، والمشاركة الحقيقة تتركز هنا في الدور الذي يقوم به الكادر الوطني الفعلي في هذا النجاح، وهو ما نسعى إليه في رؤيتنا الوطنية في قطاع الفضاء؛ إذ أن الديمومة تكون فقط إذا ما تم إشراك العنصر الوطني في أوسع نطاق من رسم السياسات وصولا إلى مرحلة التصنيع والتنفيذ. 

إن تجنب «فخ التسويق» وإدارة التوجه نحو الاستثمار في هذا المجال يستلزم منا بناء صورة واقعية لحال القطاع في سلطنة عمان، نرسم من خلالها خارطة طريق ننتقل من خلالها من المشاركة العامة والتشغيلية في هذا القطاع إلى بناء قدرات وطنية قادرة على بناء مجسات وأنظمة تحكم في مختبرات محلية، وهذا يتأتى فقط من خلال التكامل بين القطاعات المختلفة من بناء النظم والتشريعات والتعاون بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية وصولا إلى قطاع التصنيع والاستثمارات العالمية في سلطنة عمان. 

إن الاندماج في المنظومة العالمية لقطاع الفضاء يستلزم منا الدخول في اتفاقيات وشراكات متعددة، وهذا ما تسعى إليه سلطنة عمان من خلال التوقيع على اتفاقية أرتميس التي تفتح آفاقا للتعاون الدولي، وبالنظر إلى قطاع واعد يمتلك مقومات عديدة في سلطنة عمان فإن حجم الاستثمارات تضاعف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، كما أنه وفر العديد من فرص التوظيف للشباب العماني وساهم في بناء اقتصاد المعرفة، غير أن الوصول إلى ريادة الفضاء يحتاج إلى تظافر الكثير من الجهود والسعي إلى تنويع الشراكات العالمية وتأهيل الكادر الوطني في قطاعات لا يزال التنافس فيها محدود، وتحفيز الجامعات والمؤسسات على الاستثمار في البحث والتأهيل؛ فالوصول إلى التميز يستوجب منا العمل الشاق والتركيز بشكل أكبر على النظرة الواقعية لتحقيق الأهداف المنشودة. 

د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء