إسرائيل تفرض العراقيل
د. حكمت المصري
رغم إعادة فتح معبر رفح البري منذ اكثر من اسبوعين، لا تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض عراقيل جوهرية أمام بدء عمل اللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة قطاع غزة، عبر منع أعضائها من دخول القطاع، في خطوة تُعد خرقًا صريحًا لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة واضحة لإفراغ المرحلة الثانية من الهدنة من مضمونها السياسي والإداري.
وبينما يقيم جميع أعضاء اللجنة حاليًا في جمهورية مصر العربية بانتظار السماح لهم بالدخول، يخيّم الغموض على موعد مباشرتهم مهامهم، في وقتٍ يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا منذ بدء الحرب.
-رفح مفتوح، لكن القرار بيد الاحتلال
على الأرض، يبدو المشهد متناقضًا: معبر رفح مفتوح شكليًا، لكن حركة العبورتقتصر على أعداد محدودة جدًا من المرضى والحالات الإنسانية، وسط إجراءات معقّدة وقوائم انتظار طويلة، فيما يُمنع دخول شخصيات مدنية يفترض أن تتسلم
إدارة الشأن العام في القطاع.
مصادر فلسطينية مطلعة أكدت أن تأخير بدء عمل اللجنة يعود بالدرجة الأولى إلى رفض إسرائيل السماح بدخول أعضائها، رغم أن الاتفاق نصّ بوضوح على تسهيل مهامها، باعتبارها لجنة مهنية غير فصائلية، هدفها إدارة الخدمات المدنية
والملفات الإنسانية خلال مرحلة التهدئة.
-جدل الشعار، ذريعة سياسية جديدة
وأثار الشعار الذي نشرته اللجنة الوطنية لإدارة غزة جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، بذريعة تشابهه مع شعار السلطة الفلسطينية، ما دفع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى التنصل من أي التزام يسمح بعودة رمزية للسلطة إلى القطاع، مؤكدًا أن غزة لن تُدار من قبل السلطة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن هذا الجدل ليس سوى ذريعة سياسية لعرقلة المسار الإداري،وإبقاء غزة في حالة فراغ مقصود، يسمح للاحتلال بالتحكم بمصير الهدنة والضغط في أي لحظة نحو التصعيد.
-انتظار مُرهق
في شوارع غزة المدمّرة، لا يقرأ الناس البيانات السياسية بقدر ما يقرأون الواقع هنا، حيث الخيام تحلّ محل البيوت، والقلق يسبق النوم، تبدو فكرة إدارةمدنية بارقة أمل هشة.
أبو أحمد سليم (54 عامًا)، نازح من بيت حانون إلى دير البلح، يقول: "نحن لا نطلب معجزات فقط نريد جهة تتحمّل مسؤولية الناس، لا بيوت، لا كهرباء، لا
ماء، لا دواء، وكل يوم نسمع عن لجنة ستأتي، ثم لا تأتي. هذا الانتظار يقتلنا ببطء، والخوف الأكبر أن تعود الحرب فجأة ونحن بلا أي حماية، الواقع مرير
وحياتنا اشبه بالجحيم”أم عمران الذيب (42 عامًا)، أم لخمسة أطفال تقيم في خيمة قرب خان يونس،
فتعبّر عن قلق مضاعف: "فتحوا معبر رفح؟ نعم، لكن لمن؟ أختي مريضة فشل كلوى ولم يُسمح لها بالخروج. يقولون قوائم وأسماء. إذا كانت اللجنة نفسها لا تستطيع الدخول، فكيف سيحمون الناس؟ نشعر أن الهدنة مؤقتة، وأننا نعيش فوق برميل بارود، اخشى ان تعود المجاعه، الاحتلال الاسرائيلي ما زال يمارس القتل علينا.”
-رفح بوابة النجاة المؤجلة
يرى كثير من الغزيين أن محدودية أعداد المغادرين عبر معبر رفح مؤشر خطير، يعكس نية إبقاء القطاع في حالة نصف حياة.
الشاب الجامعي خالد ممدوح (21 عامًا) يقول: "المعبر مفتوح إعلاميًا فقط. من يخرج؟ العشرات، بينما آلاف ينتظرون. إذا لم تدخل لجنة إدارة غزة، فهذا يعني أن الاحتلال لا يريد استقرارًا، بل هدنة يمكن كسرها في أي لحظة."
ام مالك جمال (44 عامًا) ام لطفلين تعيش داخل مركز ايواء بمدينة خانيونس تقول: " أنا احمل الجنسيه المصرية منذ بداية الحرب وأنا انتظر الخروج من معبر رفح برفقه أطفالي الى مصر ولكن حتى اللحظه لم أتمكن من الخروج اطفالي يعانون من أمراض يحتاجون الى علاج ولكن إغلاق معبر رفح سبب لهم مشاكل اخرى أعيش وحدي لان زوجي يعيش في بلد آخر أخشى من تواجدي هنا وقد ناشدته جميع المؤسسات من أجل
المساعدة في خروجي واجلائي الى بلدي مصر ولكن دون جدوى".
-المرحلة الثانية من الهدنة: عراقيل مقصودة؟
تتزايد المخاوف الشعبية في غزة من أن تكون العراقيل الإسرائيلية جزءًا من سياسة ممنهجة لإفشال المرحلة الثانية من الهدنة، والتي يُفترض أن تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء عملية إعادة الإعمار، وتنظيم الإدارة المدنية.
في هذا السياق، يقول المواطن سميح العطار (47 عامًا): "كل ما نراه يوحي بأن الاحتلال يهيئ الأرضية للعودة إلى الحرب. لا لجنة، لا إدارة، لا إعادة إعمار حقيقية. كأنهم يريدون غزة معلّقة بين الحياة والموت."
- إسرائيل تريد إدارة بلا سيادة
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور سفيان صيام، إن منع لجنة إدارةغزة من الدخول "ليس إجراءً أمنيًا كما تدّعي إسرائيل، بل قرار سياسي بامتياز.
ويضيف:"إسرائيل لا تريد أي كيان إداري فلسطيني منظم في غزة، حتى لو كان تكنوقراطيًا. هي تريد إدارة خدمات بلا قرار، وهدنة بلا أفق سياسي، لتبقى اليد العليا لها في التحكم بالتصعيد أو التهدئة."
ويحذّر صيام من أن استمرار هذا التعطيل سيؤدي إلى انفجار إنساني وأمني:
"القطاع يعيش ضغطًا غير مسبوق: نقص حاد في الأدوية، انهيار المنظومة الصحية،وخطر المجاعة لا يزال قائمًا. التحذيرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة ليست بروتوكولية، بل إنذارات حقيقية."
كيف يرى المرحلة القادمة؟
وحول توقعاته للمرحلة المقبلة، يقول الدكتور صيام: "إذا استمرت إسرائيل في وضع العراقيل، فنحن أمام ثلاثة سيناريوهات: إما تمديد هشّ للهدنة، أو انفجار جزئي محدود، أو عودة شاملة للحرب. وكل ذلك مرتبط بمدى قدرة الوسطاء على الضغط
الحقيقي، وليس الاكتفاء بالبيانات."
-غزة بين هدنة معلّقة ومصير غامض في غزة اليوم، لا أحد يملك ترف التفاؤل الكامل ولا رفاهية اليأس التام. الناس يعيشون على حافة الانتظار، يراقبون معبر رفح، ويعدّون الأيام، ويخشون أن يكون منع لجنة إدارة غزة مجرد فصل جديد في مسلسل الإبقاء على القطاع رهينة للحسابات
الإسرائيلية.
بين خيمة وأخرى، وبين معبر مفتوح وقطاع مغلق سياسيًا، يبقى السؤال الأكبرحاضرًا في أذهان الغزيين: هل هذه هدنة للحياة أم استراحة قبل جولة جديدة من الحرب؟
