مخاطر الضغوط الأمريكية لنزع سلاح حزب الله
10 فبراير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
10 فبراير 2026
هيمنت مسألة نزع السلاح الكامل لحزب الله، التي تطالب بها إسرائيل والولايات المتحدة، على الحياة السياسية اللبنانية لأكثر من عام.
غير أن التوترات تصاعدت بصورة حادة منذ مطلع يناير، كاشفةً عن شرخ بين الرئيس جوزيف عون وحزب الله.
فقد شدّد عون من خطابه تجاه حزب الله، مبتعدًا بوضوح عن الموقف الحذر والمتوازن الذي كان يتبناه سابقًا إزاء القضية شديدة الحساسية المتعلقة بسلاح الحزب.
وقد أعلنت السلطات اللبنانية رسميًا أن حزب الله لم يعد يحتفظ بأي وجود عسكري بين نهر الليطاني والمنطقة الحدودية؛ غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعدّان ذلك غير كافٍ، وتواصلان المطالبة بنزع سلاح الحزب في عموم البلاد.
وفي يوم الخميس، عقب اجتماع عاصف مع رودولف هيكل، قائد الجيش اللبناني، أكد السناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام، وهو داعم قوي لإسرائيل وكان قد اعتبر سابقًا أن قتل مدنيين لبنانيين «أضرار جانبية ضرورية»، أن الجيش اللبناني «ليس شريكًا يمكن الاعتماد عليه».
وعلى الرغم من أن موقف غراهام يعكس رأيًا مؤثرًا لدى بعض دوائر المؤسسة السياسية الأمريكية، فإن القرارات المتعلقة بالعلاقات مع الجيش اللبناني لا يتخذها أعضاء مجلس الشيوخ بل وزارة الدفاع الأمريكية.
ولم تحترم إسرائيل بالكامل اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 الذي أنهى حربًا استمرت 66 يومًا مع حزب الله. فمنذ ذلك الحين نفذت مئات الغارات الجوية وعشرات التوغلات البرية، فدمّرت منازل ومباني أخرى، وأسفرت الهجمات عن مقتل نحو 400 شخص وإصابة العشرات.
وفي 2 من فبراير، قصفت الطائرات الإسرائيلية والطائرات المسيّرة مناطق مدنية في مواقع عدة من جنوب لبنان، فدمّرت عشرات الشقق السكنية في قريتي كفر تبنيت وعين قانا.
وفي مقابلة متلفزة بتاريخ 11 من يناير مع صحفي معروف بعدائه لحزب الله، وصف عون سلاح الحركة بأنه «عبء على لبنان».
وفي حديثه بمناسبة الذكرى الأولى لانتخابه رئيسًا، قال: إن الظروف التي برّرت تسليح الحزب «لم تعد قائمة»، داعيًا إلى «الحكمة وسيادة الدولة».
وبعد أسبوع كرّر الرئيس موقفه في تصريحات لدبلوماسيين أجانب في لبنان، مؤكدًا أن الجيش نفّذ عمليات واسعة «لتطهير مساحات شاسعة من جميع الأسلحة غير الشرعية، بغض النظر عن طبيعتها أو انتمائها، رغم الاستفزازات والاعتداءات المستمرة وحملات التشويه». وأضاف: «سنواصل هذا المسار خلال العام الثاني من ولايتي بحيث تخضع كامل الأراضي لسلطة الدولة». مثّلت هذه التصريحات قطيعة واضحة مع النبرة الأكثر اعتدالًا التي اتبعها عون خلال عامه الأول في المنصب، حين ربط التقدم في ملف نزع السلاح بانسحاب إسرائيل من خمسة مواقع تحتلها في الجنوب وبوقف انتهاكات السيادة اللبنانية.
وكان عون قد اتهم إسرائيل سابقًا بعرقلة انتشار الجيش في الجنوب، وهدد بتعليق خطة نزع السلاح التي أقرها مجلس الوزراء رسميًا في 5 سبتمبر.
وبحسب تقارير، بلغ الاستياء من هذا الموقف في واشنطن حدًا أدى إلى إلغاء زيارة كانت مقررة لهيكل بصورة مفاجئة في أواخر سبتمبر.
لقد شكّل التحول الأخير في خطاب عون نقطة الانفجار. ففي 16 يناير شن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم هجومًا لاذعًا على وزير الخارجية داعيًا إلى إقالته.
وانتقد قاسم الأحزاب والمسؤولين الذين وصفهم بأنهم «خاضعون للوصاية الأمريكية ويشجعون العدوان الإسرائيلي»، واتهم وزير الخارجية يوسف رجّي، المقرب من حزب القوات اللبنانية المسيحي، «بالتماهي مع الموقف الإسرائيلي والسعي إلى جر لبنان إلى حرب أهلية».
وحذّر قائلًا: «المساس باستقرار لبنان وبالمقاومة، وهي مكوّن أساسي في البلاد، سيطال الجميع ولن يُستثنى أحد».
وسرعان ما انتقلت المواجهة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اندلعت سجالات حادة بين أنصار المعسكرات المختلفة ومعارضيها. وتصاعد التوتر عندما استُدعي صحفي بارز من قبل المدعي العام بتهمة «إهانة رئيس الجمهورية».
وجاء هذا التصعيد السياسي قبل أيام من زيارة هيكل إلى واشنطن حيث التقى أعضاء في الكونغرس ومسؤولين في وزارة الدفاع.
وتزامنت الرحلة مع توقع إعلان الجيش اللبناني في منتصف فبراير المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح حزب الله، التي تشمل المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي شمال صيدا.
ورغم أن الخطة تتضمن خمس مراحل، لم يُحدّد جدول زمني لتنفيذها.
وشابت زيارة الجنرال هيكل أجواء متوترة إثر سجال مع السناتور غراهام، بعدما رفض وصف حزب الله منظمة إرهابية ردًا على سؤال منه. وبعد الاجتماع كتب غراهام على منصة إكس أنه «أنهى» اجتماعًا «قصيرًا جدًا» مع هيكل بسبب رفضه هذا الوصف، مضيفًا: «لا أرى الجيش اللبناني شريكًا يمكن الاعتماد عليه».
ووفق مصادر مطلعة، لم يستغرق الاجتماع سوى 5 دقائق، وغادر قائد الجيش من دون الإدلاء بتصريح علني.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجّهها سياسيون ومعلّقون من شتى الأطياف السياسية لموقف غراهام، فقد لقي ترحيبًا من بعض الجهات، ومنها حزب القوات اللبنانية.
وأفادت مصادر حكومية لبنانية لصحيفة كيدل إيست آي أن «برنامج الزيارة جرى كما خُطط له، وأن «اجتماعًا مثمرًا عُقد بين الجنرال هيكل ونظيره الأميركي، رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين».
ووسط هذا الاضطراب، يقول مسؤولون في حزب الله إنهم لم يفاجؤوا بتحول موقف عون. فقد نقل قيادي بارز في الحزب قوله: إن «الرئيس بلغ حدود ما يمكنه تحمله من ضغوط، مضيفًا أن هامش المناورة الضيق أصلًا تقلص أكثر وأن الأمريكيين يطالبون بنتائج سريعة.
ووصف وزير سابق مقرب من عون الوضع بأنه «ابتزاز بغيض»، قائلًا: إن الخيار المطروح يتمثل في المضي بنزع السلاح من دون أي تنازلات إسرائيلية أو تعليق المساعدات العسكرية للجيش وتجميد الدعم المالي الدولي.
ودعا بعض المقربين من حزب الله، بينهم النائب جميل السيد، إلى تهدئة الخطاب لتجنب «دفع الرئيس نهائيًا إلى أحضان الأمريكيين».
وفي منشور بتاريخ 23 يناير، قال السيد: إن عون سعى منذ توليه المنصب إلى الحفاظ على موقف موضوعي تجاه المقاومة في الجنوب، واختتم بدعوة إلى ضبط النفس مؤكدًا أن المصلحة الوطنية تقتضي تجاوز الجرح المعنوي والمادي العميق الذي أحدثته تصريحات الرئيس. كما تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري، أحد حلفاء الحزب المتبقين داخل الدولة، لتهدئة التوتر، فالتقى عون في 23 من يناير لإعادة فتح قنوات الحوار.
وبدت جهود خفض التصعيد ناجحة؛ ففي 4 من فبراير استقبل عون محمد رعد، رئيس كتلة حزب الله النيابية، الذي دعا بعد اللقاء إلى «الحوار والعقل»، وهي العبارات ذاتها التي استخدمها عون في مقابلته التلفزيونية.
غير أن النهج التصالحي الذي تتبعه قيادة الحزب لا يحظى بإجماع داخلي.
فقد قبل مجلس الشورى، أعلى هيئة قرار في حزب الله، استقالة وفيق صفا، الرئيس السابق لوحدة الارتباط والتنسيق، وهي الجهة المسؤولة عن التنسيق الداخلي والعلاقات مع القوى السياسية والتواصل مع السلطات والأجهزة الأمنية.
وكان صفا، المقرب من الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، يُنظر إليه بوصفه من ممثلي التيار الأكثر تشددًا والأقل ميلًا إلى تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية.
ويبدو أن الجدل الداخلي داخل الحزب لم يحسم بعد المسار الذي سيتبناه في المرحلة المقبلة.
