الاقتصادية

هل تتحول صناعة الترفيه في عُمان إلى مسار اقتصادي واعد ؟

03 فبراير 2026
03 فبراير 2026

يشهد قطاع الترفيه في سلطنة عمان نشاطًا ملحوظًا يعكس مرحلة فرز حقيقية حيث إن عدد الفعاليات في تزايد، والطلب الجماهيري يتجاوز المعروض، والكلفة التشغيلية أصبحت جزءًا مركزيًا في كل قرار.

هنا تتكوّن المعادلة التي تتداخل فيها القيمة الثقافية مع حسابات العائد، وتُقاس فيها التجربة بقدرتها على الاستمرار بعيدًا عن الزخم الآني.

السوق يتحرك نعم، ولكن وفق إيقاع تجريبي، تقوده المبادرات الفردية أكثر مما تضبطه نماذج تشغيل مستقرة، الأمر الذي يضع شركات الإنتاج أمام مسؤولية تحويل النجاح المرحلي إلى مسار اقتصادي منظم، قابل للتكرار والنمو، وقادر على بناء صناعة ذات ملامح واضحة.

Image

فهل تتجه هذه المعادلة إلى بناء صناعة ترفيهية ذات نموذج اقتصادي مستقر، أم تبقى أسيرة التجربة والمبادرات الفردية؟

في هذا الحوار، يقدّم المعتصم البلوشي مؤسس شركة ومض للإنتاج الفني قراءة من عُمق التجربة، متناولًا كلفة الإنتاج، وحدود السوق، وأثر استقطاب العروض الخليجية في نقل الخبرة وبناء معايير مهنية أعلى، إضافة إلى تصوّره لمسار اقتصاد الترفيه خلال المرحلة المقبلة باعتباره مسارًا اقتصاديًا يحتاج إلى تنظيم، وتخطيط طويل المدى، ونموذج استدامة.

Image

كيف تولّد لديكم الشغف بالعمل في قطاع تنظيم الفعاليات الترفيهية؟

تولّد الشغف من أكثر من مسار. فكوني مصورًا وعضوًا سابقًا في جمعية التصوير الضوئي، كانت تجربتي المباشرة مع الفن والإنتاج سببًا رئيسيًا لدخولي مجال الخدمات الفنية وافتتاح شركة ومض، لتقديم حلول إنتاجية احترافية تلبي احتياجات السوق.

أما فيما يخص المسرح، فأنا منذ الصغر عاشق لهذا الفن، ومع مرور السنوات بدأت تتبلور لدي رؤية واضحة حول أهمية المسرح والفعاليات الترفيهية كصناعة قائمة بذاتها، وليس فقط كمنتج ثقافي، ومن هنا بدأتُ التخطيط منذ سنوات لبناء هذا النوع من الفعاليات، إيمانًا بدورها الاقتصادي وقدرتها على تحريك السوق وخلق قيمة مستدامة.

بناءً على تجربتك، كيف تُعرِّف مفهوم اقتصاد الترفيه من وجهة نظركم المهنية؟

اقتصاد الترفيه هو منظومة متكاملة تشمل الإنتاج الفني، وتنظيم الفعاليات، والسياحة، والإعلام، والتسويق، والتقنية، وتُسهم في خلق فرص عمل، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتعزيز جودة الحياة، وبناء صورة ذهنية إيجابية للدولة.

كيف تنظرون اليوم إلى واقع قطاع الترفيه في سلطنة عُمان؟

القطاع شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. في السابق كانت الفعاليات محدودة وموسمية، أما اليوم فنلاحظ تنوعًا أكبر، ووعيًا مجتمعيًا متزايدًا بأهمية الترفيه، إلى جانب دعم مؤسسي أوضح، رغم أن القطاع ما زال في مرحلة النمو ويحتاج إلى مزيد من التنظيم والاستدامة.

هل السوق العُماني مهيأ حاليًا لاستقبال فعاليات ترفيهية كبرى بشكل منتظم؟ ولماذا؟

نعم، السوق مهيأ إلى حد كبير، خصوصًا في المدن الرئيسية. الجمهور حاضر، وهناك تعطش واضح لفعاليات نوعية، إلا أن نجاح الاستمرارية يعتمد على حسن الجدولة، وتنوّع المحتوى بين الثقافي والفني والترفيهي، إضافة إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب بما يضمن استدامة الإقبال والنجاح الاقتصادي.

ما أبرز نقاط القوة التي يمتلكها قطاع الترفيه في سلطنة عُمان؟

من أبرز نقاط القوة وجود مجتمع شاب ومتفاعل، واستقرار أمني واجتماعي، وتنوع ثقافي، إضافة إلى موقع جغرافي وسياحي مميز يساعد على استقطاب فعاليات إقليمية ودولية.

ما أبرز التحديات أو الفجوات التي ما زالت تعيق نمو هذا القطاع؟

أبرز التحديات تتمثل في ارتفاع تكاليف التشغيل والتنظيم وارتفاع أسعار الخدمات المرتبطة بالفعاليات، إلى جانب محدودية بعض البنى الأساسية المتخصصة وغياب روزنامة وطنية سنوية واضحة للفعاليات تساعد على التخطيط طويل المدى.

وفي المقابل، يظل تعزيز الدعم، خاصة من القطاع الخاص عبر الرعايات والشراكات الاستراتيجية، عاملًا مهمًا لتسريع نمو القطاع. كما أن الفعاليات الترفيهية تسهم في تنشيط السوق المحلي من خلال توفير فرص توظيف وتعاقدات مباشرة، إذ تعتمد الفعالية الواحدة على التعاون مع ما لا يقل عن عشر شركات من قطاعات مختلفة، ما يعكس أثرها الاقتصادي الإيجابي واتساع دائرة استفادتها.

إلى أي مدى تؤثر البنية الأساسية في تطوير القطاع ؟

تلعب البنية دورًا محوريًا في نجاح الفعاليات ، حيث تتوفر مسارح وقاعات مجهزة تقنيًا وبسعات مختلفة يتيح تنوع الفعاليات، ويقلل المخاطر التشغيلية، ويجذب المنتجين والمستثمرين إلى السوق المحلي.

كيف ترون تجربتكم من خلال استضافتكم لفعاليات ترفيهية خارجية مثل المسرحيات الخليجية ؟

استضافة الفعاليات الخليجية تسهم في رفع مستوى الذائقة الفنية، وتعزيز التبادل الثقافي، ونقل الخبرات التنظيمية والفنية، إضافة إلى تحفيز المنافسة وتطوير الكفاءات المحلية في مجال الإنتاج والتنظيم.

ما المعايير التي تعتمدونها لاختيار الفعاليات الخارجية المناسبة للجمهور العُماني؟

نحرص على اختيار فعاليات تراعي الخصوصية الثقافية للمجتمع العُماني، وتتمتع بجودة إنتاج عالية، وسجل نجاح في أسواق مشابهة، إضافة إلى قابليتها للتسويق وقدرتها على جذب شرائح مختلفة من الجمهور.

كما نحرص دائمًا على زيارة الدولة المنتجة لمشاهدة العرض شخصيًا قبل التعاقد، للتأكد من أنه مناسب ثقافيًا ويلامس اهتمامات المجتمع العُماني، وهو ما يضمن تقديم تجربة ترفيهية متميزة وملائمة للجمهور المحلي.

من منظور اقتصادي، هل يمكن اعتبار الترفيه قطاعًا جاذبًا للاستثمار في عُمان اليوم؟

نعم، الترفيه قطاع واعد وجاذب للاستثمار، لكنه يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة السوق، وصبرًا في تحقيق العوائد. الاستثمار في الترفيه غالبًا ما يحقق نتائج أفضل على المدى المتوسط والطويل.

هل تعتقدون أن العائد الاقتصادي من الفعاليات الترفيهية ما زال غير واضح للبعض؟ ولماذا؟

نعم؛ لأن البعض يقيّم العائد فقط من خلال بيع التذاكر، ويتجاهل الأثر الاقتصادي الأوسع للفعاليات، مثل تنشيط السياحة، والفنادق، والمطاعم، والإعلام، وتوفير فرص عمل متنوعة، إضافة إلى تعزيز صورة سلطنة عمان كوجهة ترفيهية متميزة.

كما أن بعض الناس يظنون أن أسعار التذاكر مرتفعة بهدف الربحية فقط، بينما في الواقع ترتفع بسبب التكاليف العالية جدًا المرتبطة بالإنتاج والتنظيم والتقنيات والفريق الفني، مما يجعل العائد الحقيقي متوازنًا بين جودة الفعالية واستدامة الاستثمار.

ما التحديات التشغيلية التي تواجه شركات الإنتاج الفني في سلطنة عُمان؟

تشمل التحديات إدارة المخاطر، وتقلب الإقبال الجماهيري، وارتفاع التكاليف، وصعوبة التعاقدات الخارجية أحيانًا، إضافة إلى الحاجة لتطوير الكفاءات المحلية المتخصصة في هذا المجال.

كما يواجه القطاع محدودية البنية الأساسية المسرحية الداخلية، حيث إن معظم المسارح لا تتعدى سعتها 800 مقعد، ما يقيد إمكانية استضافة عروض كبيرة ومتنوعة ويؤثر على جدوى بعض الإنتاجات.

كيف تقيّمون البيئة التنظيمية والتشريعية المرتبطة بتنظيم الفعاليات؟

نشهد تحسنًا ملحوظًا وتعاونًا من الجهات المعنية، لكننا نطمح إلى مزيد من المرونة وسرعة الإجراءات، خاصة فيما يتعلق بالتصاريح والتنظيمات الخاصة بالفعاليات الكبرى.

إلى أي مدى يسهم استقطاب الفعاليات الخارجية في نقل الخبرة وبناء صناعة ترفيهية محلية؟

يسهم بشكل كبير في نقل المعرفة، ورفع مستوى الاحترافية، وبناء شراكات استراتيجية، وتمهيد الطريق أمام إنتاج محتوى محلي قادر على المنافسة إقليميًا.

ما توقعاتكم لمستقبل اقتصاد الترفيه في سلطنة عُمان خلال السنوات القادمة؟

أتوقع أن يشهد القطاع نموًا ملحوظًا، وأن يصبح أحد الروافد الاقتصادية المهمة، مع تنوع أكبر في المحتوى، وزيادة الاستثمارات، وظهور علامات ترفيهية عُمانية قادرة على الحضور خليجيًا.

ما الدروس التي خرجتم بها من تجربة شركة ومض في مجال الإنتاج واستضافة الفعاليات؟

أهم درس هو أن النجاح في الترفيه لا يعتمد فقط على الفكرة، بل على التخطيط السليم، والإدارة الاحترافية، وفهم الجمهور، وبناء الثقة مع الشركاء والجمهور.

ما الفعاليات التي تعتزمون إقامتها خلال الفترة القادمة؟

نستعد خلال الفترة القادمة للإعلان عن مجموعة فعاليات نوعية، تشمل عروضًا مسرحية خليجية وتجارب ترفيهية جديدة تُقدَّم لأول مرة في سلطنة عُمان، مع التركيز على الجوانب الثقافية المهمة، وحرص خاص على جودة التجربة الجماهيرية والتنظيم الاحترافي لضمان تقديم عروض ترفيهية متميزة تلبي تطلعات الجمهور المحلي.