المحلل الاقتصادي بيتر هاريل: فوضوية ترامب التجارية فرصة لإقامة تحالف غربي جديد يواجه التحدي الصيني
واشنطن - "د ب أ": على مدار عامها الأول، أصبحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القوة الأكثر إثارة للاضطرابات في التجارة العالمية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وفي الوقت نفسه فإن تفكيك النظام التجاري العالمي الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، نتيجة سياسات ترامب يمكن أن يوفر فرصة ملحة لتصحيح موقف متصلب للغاية تجاه قواعد التجارة العالمية.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية يقول بيتر هاريل الباحث الزائر في معهد القانون الاقتصادي بجامعة جورج تاون الأمريكية إن رؤساء الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل التسعينيات أيدوا التجارة الحرة وشجعوا الدول الأخرى على خفض الحواجز التجارية من خلال مبادرات مثل الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) لعام 1947، التي شجعت دولا خارج الكتلة الشيوعية في ذلك الوقت، على خفض تعريفاتها الجمركية بشكل متبادل. في الوقت نفسه وازنت هذه الإدارات الأمريكية هذا التوجه بالواقعية، واتبعت نهجا مرنا في السياسة التجارية، بما يضمن حماية المصالح والصناعات الأمريكية في مواجهة المنافسة العالمية. وهذا يؤكد أن فكرة إن خضوع التجارة الدولية لمجموعة من القواعد العالمية بشكل صارم سيحقق فوائد اقتصادية وجيوسياسية لجميع الدول هي فكرة غير صحيحة تاريخيا.
ويضيف بيتر هاريل أن قواعد التجارة الشاملة والعالمية تفقد جدواها مع تسارع وتيرة التنافس بين القوى العظمى، كما هو الحال الآن بظهور الصين كقوة اقتصادية وتجارية عالمية قادرة على تحدي السيطرة الأمريكية والغربية عموما على الاقتصاد العالمي، مستفيدة من قواعد التجارة الحرة التي ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تروج لها. لذلك لم يعد من مصلحة الولايات المتحدة الدفاع عن فكرة تكافؤ الفرص والمنافسة الحرة فيما يتعلق بالصين. ففي ظل التنافس الاستراتيجي الأمريكي مع بكين في لحظة جيوسياسية حاسمة، ينبغي لواشنطن العمل على ترجيح كفة الميزان لصالحها على حساب بكين حتى لو انتكهت قواعد التجارة العادلة والحرة.
وإذا كانت سياسة ترامب التجارية تتسم بالفوضى، وقد تقوض الأهداف الاقتصادية الأمريكية، بسبب ميله الدائم إلى فرض الرسوم الجمركية وإطلاق التهديدات غير المنطقية، ومعدلات الرسوم الجمركية المفرطة التي يفرضها، فإنه بإمكان القادة الذين سيخلفونه، بل ويجب عليهم، البناء على تلك العناصر من نهجه المزعزع لنظام التجارة العالمية والتي تمثل، في الواقع، خطوات نحو سياسة تجارية أكثر واقعية وأقل تركيزا على القواعد، وهي السياسة التي سادت خلال معظم تاريخ الولايات المتحدة.
وينبغي على قادة الولايات المتحدة القادمين توسيع نطاق الاتفاقيات التي تبرمها إدارة ترامب مع اليابان والدول الأوروبية وشركاء تجاريين آخرين، لإعادة تركيزها على حل التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة. كما ينبغي عليهم الاستفادة من تجارب رؤساء سابقين مثل رونالد ريجان، الذي شجع على تجارة أكثر "حرية ونزاهة" من خلال اتباع مجموعة واسعة من السياسات. وينبغي عليهم أيضا مواصلة جهود ترامب لدمج التجارة والأمن القومي، وابتكار أدوات سياسية جديدة، مع التخلي عن أسوأ تجاوزات نظام الرسوم الجمركية الذي اتبعه.
والحقيقة هي أن تركيز السياسة التجارية الأمريكية على دعم مجموعة عالمية من القواعد الملزمة فكرة حديثة نسبيا، وربما تكون قد ظهرت لأول مرة في عام 1991، عندما ذكر التقرير الاقتصادي للرئيس - وهو مراجعة سنوية للاقتصاد الأمريكي وأولويات الرئيس - أن "التوجه الأساسي للسياسة التجارية الأمريكية هو استخدام المناقشات والمنتديات متعددة الأطراف... لتعزيز التجارة الحرة القائمة على القواعد".
ويعد الرئيس الراحل رونالد ريجان أوضح مثال حديث على رئيس انتهج نهجا عمليا في التجارة. حيث أكد أن التجارة العالمية "الحرة والنزيهة" ستخدم "قضية التقدم الاقتصادي". وخفض الرسوم الجمركية كلما أمكنه ذلك، ووقع أول اتفاقية تجارة حرة حديثة للولايات المتحدة مع إسرائيل، ودعم إطلاق جولة أوروجواي لتحرير التجارة العالمية، التي حولت في نهاية المطاف اتفاقية الجات إلى منظمة التجارة العالمية. لكنه أيضا استخدم أدوات التجارة بشكل متكرر بطريقة أكثر حمائية لفتح الأسواق الخارجية أمام الشركات الأمريكية وحمايتها من المنافسة.
وعندما تولى ريجان منصبه، كانت السيارات اليابانية قد بدأت تغمر الأسواق الأمريكية. وخلال الأشهر الأولى من ولايته، أبرم ريجان اتفاقا مع اليابان التزمت بموجبه طوكيو "طوعا" بتقييد صادراتها من السيارات إلى الولايات المتحدة مقابل تجنب فرض رسوم جمركية أعلى على سياراتها. لم تكن هذه الاتفاقية تهدف إلى وضع سابقة طويلة الأمد لكيفية دعم الدول لصناعة السيارات، كما لم تسع إلى زيادة التكلفة النسبية للسيارات اليابانية عبر الضغط لرفع معايير العمل في المصانع اليابانية. بل سعت فقط إلى منح قطاع السيارات الأمريكي الوقت الكافي لتعزيز قدرته التنافسية. وقد ساهمت حصص التصدير هذه في نهاية المطاف في دفع شركات هوندا وتويوتا وغيرها من شركات السيارات اليابانية إلى إقامة مصانع في الولايات المتحدة لتجنب أي حواجز جمركية.
في أوائل التسعينيات، تحولت واشنطن نحو نموذج أشد وضوحا قائما على القواعد. عكس هذا التغيير في النهج لحظة تاريخية محددة. ففي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، توصل الاقتصاديون والسياسيون الأمريكيون إلى إجماع: إذ اعتقد معظمهم أن الخصخصة، وإلغاء القيود، والأسواق الحرة، والحد من الدعم، وحماية حقوق الملكية الفكرية القوية هي أفضل السياسات الاقتصادية. في العقود السابقة، كانت هذه الأفكار موضع جدل على الصعيدين المحلي والدولي.
كما منحت لحظة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة صانعي السياسات الأمريكيين قدرة لا تضاهى على إقناع الحكومات الأجنبية بالموافقة على نظام من القواعد. وفي عهد الرئيس بيل كلينتون، نجحت واشنطن في إقناع دول العالم بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، التي تضمنت مجموعة قواعد أوسع بكثير من تلك التي تضمنتها اتفاقية الجات. واستخدمت الولايات المتحدة مؤسسات متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتشجيع دول العالم على تبني سياسات نيوليبرالية في الداخل.
لكن ترامب يخالف هذا النموذج بوضوح. فهو لا يسعى إلى وضع مبادئ جديدة تحكم كيفية تحديد الدول للتعريفات الجمركية، ولا يحاول وضع معايير سلامة مشتركة أو قواعد تعاونية لتنظيم قطاعات مثل الأدوية أو وسائل التواصل الاجتماعي. بل إنه يلزم دولا مثل الأرجنتين وجواتيمالا بقبول السيارات والأدوية الأمريكية، ويستخدم التهديد بالتعريفات الجمركية للضغط على أوروبا لإلغاء القيود المفروضة على شركات التكنولوجيا الأمريكية.
لا شك أن هذا النفور من النظام التجاري العالمي ينبع من شخصية ترامب. فقد كان، كرجل أعمال ثم كسياسي، يستمتع بخرق القواعد. لكن حدسه بأن نهجا أكثر واقعية وأقل اعتمادا على القواعد هو الأنسب للوضع الراهن، وهو حدس منطقي، بحسب بيتر هاريل كبير مديري إدارة الاقتصادات الدولية والتنافسية في مجلس الأمن القومي الأمريكي والمجلس الاقتصادي القومي عامي 2021 و.2022
حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من وضع قواعد تجارية عالمية، فمن غير المرجح أن تحل العديد من التحديات الكبرى في الاقتصاد العالمي اليوم - مثل الاختلالات الهيكلية الناجمة عن الفائض التجاري الهائل للصين عبر قواعد تفصيلية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حذرت مجموعة جولدمان ساكس المصرفية الأمريكية من أن حجم الفائض التجاري الضخم للصين قد يبدأ في خفض النمو الإجمالي بشكل كبير في الاقتصادات الصناعية مثل ألمانيا واليابان، حيث يفوق الضرر الذي يلحق بالصناعة التحويلية من الصادرات الصينية المزايا الاقتصادية التي كانت توفرها السلع منخفضة التكلفة للمستهلكين في تلك الدول.
وإذا كان صناع السياسات في الولايات المتحدة وحلفائها قد حاولوا لسنوات إقناع الصين بالالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية، فإن تلك الجهود لم تفشل فحسب، بل إن الولايات المتحدة وحلفاءها يواجهون الآن وضعا حتى لو التزمت فيه الصين بالقواعد، فسيكون على الولايات المتحدة وحلفائها انتهاك تلك لقواعد حتى تتمكن من منافسة الصين. فواشنطن لا تستطيع تنويع سلسلة إمدادها من المعادن الحيوية دون اللجوء إلى دعم كبير وفرض تعريفات جمركية وأدوات أخرى لسياسة التصنيع على سبيل المثال.
يمكن مواجهة الفائض التجاري الصيني بفعالية أكبر من خلال معالجة المسألة بشكل مباشر ومحدد. لقد ساهمت تعريفات ترامب الجمركية على الصين بالفعل في حماية الصناعة الأمريكية: فقد انخفضت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في عام 2025، حتى مع ارتفاعها إلى مستويات قياسية إلى الدول الآسيوية والأوروبية التي ظلت أكثر التزاما بقواعد التجارة، لذلك يقترح هاريل أن تحاول الولايات المتحدة إقناع اليابان والدول الأوروبية وغيرها من حلفاء الولايات المتحدة بفرض قيودهم الخاصة على التجارة مع الصين لتقليص الفائض التجاري للصين.
وأخيرا يرى هاريل أن معالجة الاختلالات التجارية وغيرها من مشاكل القرن الحادي والعشرين، مثل تغير المناخ، ستتطلب مرونة من ترامب والرؤساء الأمريكيين الذين سيخلفونه. وسيتعين على هؤلاء القادة استخدام مزيج من التعريفات الجمركية، والقيود على حركة رأس المال، والتهديدات، والتدخلات في أسواق العملات. وإذا تراجع صناع السياسات في واشنطن والشركاء التجاريين للولايات المتحدة عن جوانب سياسة ترامب التجارية التي تعكس براجماتية أمريكية مدروسة جيدا وتاريخيا لمجرد أن ترامب يتبناها، وأصروا على العودة إلى نظام تجاري قائم على المبادئ، فسوف يفرطون في فرصة ثمينة لتحقيق الازدهار لبلادهم.
