«يكلمني كنان» .. ضوء على شهادة وحبر
28 يناير 2026
28 يناير 2026
طلعت قديح -
يعد كتاب «يكلمني كنان» الصادر عن المؤسسة العربية للتوزيع والنشر؛ كتاب نشرات متحركة عن طفل رحل بعيدا عن حضن أم أبعدها القدر عن فلذات كبدها، فتراءت لها تلك المشاهدات الحية. كنان الطفل الشهيد، تكتبه أمه الشاعرة الفلسطينية الغزّية آلاء القطراوي ذات صوت ذائع في عالم الشعر العربي. تتكون أوراق الكتاب من منمنمات حركية ابتدأت في الصفحة السابعة من عدد صفحات الكتاب 176 بعنوان قد يكون تذكيرا بتراثيات التغريبة الفلسطينية، منذ النكبة الأولى حتى النكبة الكبرى عام 2023 والتي تتوشحها الملهاة الإنسانية!
ثم تقاطرت التنويهات التوضيحية، قبل البدء، وإلى كنان ليست رسالة أخيرة، فمفتتح وإهداء أول وثان. اختير للكتاب تجنيس مجازي، انفلت من قائمة التجنيس المتعارف عليها، فلا هو بالشعر وإن أحاط به رونق شعري، وما هو بالقصة، وإن كان الفحوى يقترب منها.
إنني أشبهه بهايكو ممتد عبر توليفة من خمسة عناوين، أراها انتقالات ذات جذور كان العنوان «يكلمني كنان» هو المنطلق لها.
(1)
الجذر الأول عُنون بـ«من فوق الكون بينما أنظر إلى الأرض»:
كان التصويب لهذا الجذر متناسقا مع استشراق العلو بمشاهدات دنيوية، لذا كان العنوان الفرعي «رأيت الكنعانية» بداية لمفتتح نصوص حية تكون ولادتها بـ«رأيت»، وفعل «رأيت» لا يقصد به الفعل الماضي بل الشهادة على وقوع حدث مرئي مشاهَد متكرر، ربما لا يكون بنفس زاوية الرؤية، بل بكينونة الحال والوجع والقهر.
النسق الكتابي للمعنى «رأيت» منح للقارئ أفقا لمعرفة حال حدث في ملامح معاناة أخرى، قد تكون في مكان وزمان آخرين، لكنه أصبح في غزة طريقة حياة، مجرد حياة، بعد تدميرها، وكأنها باتت طوق نجاة لحال أقل من موت وأكبر من معاناة، تُهشم الروح بفقدان الأمان في فصل الشتاء، فابن غزة حاف، وابن غزة لا بيت له، حطبه من مقاعد دراسته! يحتال كي يأخذ خيمة تسمى «قُبَّة» ويهرب مما سواها! وبين خيمتين تمسك آلاء القطراوي بغسيل عمرها متسائلة: هل يجف هذا الغسيل لألبسه!
حين قلت لها يوم حفل استذكار أبنائها الأربعة المهيب: «في كل مرة كنت تتحدثين عن أبنائك؛ كنت أحبس أنفاسي؛ هل ستتوقف وتبكي؟ أجابتني: لن أبكي عليهم لأنهم أحياء!
هذه الإجابة تختصر العمق الإنساني في تركيبة المرأة الغزّية، امرأة تلوّنت بألوان التراب والدماء والخراب.
آلاء القطراوي في جذر الكتاب الأول تختصر نشرات الأخبار وتحليلات المطلعين والصحفيين بمقتطف خاطف، يُري القارئ وجع غزة في عين امرأة تمتلك حرفا لامعا وذاكرة مؤلمة، وحياة أتمنى أن تمضي بسلام خارج غزة، أحادث نفسي: لمن ستبقى آلاء!
- «رأيت مسنا يرقص بظهره المحني وعكازه المهترئة!
-ربما سمع أغنية ففعل هذا.
-أخبره أحدهم أنه سيحصل
على ربطة خبز!»
مقتطف لاختيار حالة الجوع التي عاشتها غزة، في رمزية عالية في اختيار جنس المرحلة العمرية، كان من الممكن اختيار حالة الرؤية لامرأة أو طفل، لكن اختيار المسن رَمز للوطن الذي شاخ حتى ابيضت عيناه من الموت!
« -رأيت المستوطنين يرقصون في مستوطنات غلاف غزة.
-هل يشغلون الأغاني؟
-لا.
-وعلى ماذا تتمايل أجسادهم؟
-على صوت القصف في غزة». وأحسب أن مفردة «المستوطنين» هي مفردة مختصرة لعموم من كان يرقص على صوت القصف في غزة في هذا الكون ولا يحرك ساكنا، وإنما جاءت المفردة تورية خجولة لتواطئ من خذلوا أهل غزة.
وفي آخر مقتطف من الجذر الأول تومض آلاء عن نفسها، وكأنها توصي نفسها على لسان طفلها:
«لا تتوقفي عن الكتابة،
إنك تحولين نزيفك إلى آيات نصر وحرية،
فلسطين كلها تحب كل كلمة تكتبينها،
وكذلك أنا».
(2)
في جذر الكتاب الثاني جاء دور كنان ليبوح بطفولته عن أسئلة كونه «من وسط قلبكِ
أسألكِ؟»
تنتقل آلاء إلى لسان طفلها كنان بعد كاميرا عينها البانورامية، تنزل من عليائها لتصعد في علياء كنان وهو منها.
«-هل يتحول الدم إلى وردة جورية؟»
-حدث هذا في إحدى الأساطير اليونانية، حين تحول دم نرسيس إلى وردة نرجس.
وقد حدث هذا في غزة أيضا.
البارحة رأيت رجلا حين دفن طفله (حسن).
غنّى فوق قبره:
(قتلوا الوردة الحورية..)
قد تكون هذا الرمزية مجرد التفاتة لحالة كبرياء رجل، فكيف يمكن لرجل أن يغني ودم ابنه ما زال على ملابسه! وقد ينصدم القارئ حين يعلم أن هذه القصة المختصرة هي حقيقة ماثلة حدثت في غزة، وموجودة على «اليوتيوب»، صورة حية على التحدي القائم وسط الموت والدماء!
ربما أرادت آلاء أن تقول: وأنا مثله وأكثر، فإن كان هناك حَسن، فلدي أربع كحسن.
في المقتطف الآتي حين قرأته تراءت لي آية من القرآن الكريم: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها»:
«- ما أكثر صوت تحبينه؟
صوتك وأنت تقول لي:
«بحبك يا ماما».
إذن هو الحب الذي يوقد من الخذلان إسنادا ومن الضعف قوة ومن الضياع حنينا.
الرمزية التي تبوح بها آلاء، رمزيات ذات رسالة كونية، إشعاعها فلسطيني، وفي إكساب البعد الإنساني للحال الفلسطيني خصوصية قادرة على إنتاج مسارات أخرى رغم الحال المزري، ليست حالة معنوية فقط يراد بها التطاول وتفعيل مصطلح «معجزة» بل هو واقع معاش، فأن يهدم بيتك وينتزع منك روحك وترمى للمجهول، وتظل في مكانك، مالكا عقلك ولو بدرجة متفاوتة يحفظ ماء العين والعقل.
«-ما هو العطش؟
-أن أجد الماء وكأسك الأخضر المفضل
ولا أسمع صوتكَ تقول لي:
صُبّي لي!»
تفصيلة قد تبدو للبعض ساذجة، لكنها تحمل بين الثنايا لقطات متعددة من الفلاش باك في حياة الأم آلاء وطفلها كنان، لم تكن الإجابة في شهقة واحدة، وإنما تتمة لصوت كنان: صبي لي! وفيه اكتفاء لحظي بإجابة عن سؤال: ماهو العطش؟ ترى هل تنقص الإجابة إن لم يقل كنان: صبي لي! هذه التفصيلة الصغيرة لسعة لاذعة في تفكير أمه، كم مرة تأتي الإجابة وآلاء تشرب الماء!
إجابة كبيرة عن عالم يريدنا صغارا.
«-ماذا لو لم تكن بلادنا محتلّة؟
لن أكون لاجئة..»
طرقت آلاء القطراوي خزّان الذاكرة عبر أيديولوجية تجاذب عكسي، فعدم وجود لاجئ يعني أن فلسطين ليست محتلة، وكونها غير محتلة، فليس هناك لاجئون، هذا النمط الفلسفي ذو النفس القصير يمنحنا أداة تمتلكها آلاء وهي أداة الحذف، مع اتساع أفق التأمل، وكما يقول النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، وإني أرى هذا بشكل مقارب في تأويل حال قولها؛ كلما ضاقت العبارة اتسع المعنى!
هل تعي آلاء أنها لا تترك تفصيلة ضمن مهالك الحرب المغلفة بالحياة وهي طريق للموت!
«-ماهي شاحنات المساعدات؟
-صيغة مبتكرة من أجل قتلنا،
مفادها
(نعطيك الطحين
ليصير كفنك).
لب ما كُتب هو الشعور الحقيقي بتعريف يُعري الشاحنات المتحركة، ويقترب من تعريتها تماما بوصف تداعيات عملها بأنها طريقة لقتل الفلسطيني. فاختارت آلاء لونين للنتيجة؛ اللون الأبيض وهو لون الطحين، ولون مغلف بلون آخر، فالدم أحمر مغلف بكفن أبيض، فسَتر الموت في غلاف الحياة ليوهم الرائي أن القصد هو الحياة لا الموت والقصد معلوم في باطن الأبيض (الموت).
فكان هذا تأصيلا لفكرة التورية والتقية في مجال فك أزمة اللغة باجتهاد التأمل وليس احتكارا للمعنى.
(3)
أتمنى ..
لو..
في جذر ثالث تتكون أسئلة خاصة من كنان في شكل أمنيات، ويمتاز هذا الجذر برهافة الحس كمنطلق فكري بشعور طفل وسمت هانئ.
«-أتمنى لو
تتحول الصواريخ عندما تنفجر فوقنا إلى فراشات.
-ستكون مدينتنا أكثر مدينة في العالم
تسكنها الفراشات». تمكنت آلاء في هذا المقتطف من تسميد تربة المعنى لإفساح المجال لكنان ليتخيل بأفق الطفل ما يريد، وكان المحرك الفطري هو «أتمنى لو» دون إجهاد في قول أو تحرك، فالأصل معنوي للوصول إلى المادية التأملية!
«-أتمنى لو
يتحول البحر إلى إنسان
-لماذا؟
-أريد أن أحضنه بقوة، ولكنني أخاف أن أغرق!»
في هذه الالتقاطة التأملية؛ تكتسب نوعا من البناء المائي بمادة «الفيكوبيلينات»، في مقابلة بين التحول إلى إنسان، والعودة إلى حالة الغرق بكثير الاحتضان.
هذا المقتطف يمتد من تأمل التحول إلى تأمل نتيجة التحول «الغرق» بتفاعله «الحضن بقوة» إلى مسير إنفاذ التمني.
(4)
نلج عالم آلاء القطراوي في جذر الكتاب الرابع:
«أغمضي عينيك يا ماما
وتخيّلي .. (بعيدا عن الإبادة)
ماذا يعني لكِ»
توقيعات فلسفية خاصة أرادت آلاء تعبئة سلالنا بفلسفتها الخضراء، نزوحا إلى رسائل فكرية أسمتها «أجوبة آلائية».
-الفاكهة
«شكل من أشكال محبة الله لنا على الأرض».
أكانت تفاحة آدم بعيدا عن هذا القول، وما القصد بالفاكهة!
-الفساتين
-تدليل الكون للنساء.
وفي الدلال إظهار للمفاتن وإرفاق ذلك بما يلفت النظر.
-الأريكة
-منتصف نهار متعب، ولكنه ما زال قادرا على منحك الاسترخاء.
الفكرة الواضحة في هذا القول إن الأريكة ليست للنوم، واختيار منتصف نهار يأتي بعد مجهود، ودلّت على ذلك مفردة «متعب»، ومناط الفكرة لكل شيء يُجلس عليه هو الاسترخاء بعد وقوف أو حركة مستمرة.
-الليل
-غار المواقيت، متى دخلته خالعا عنك نفسك، وجدت الله فيه.
وحال الليل إحكام حال للسماء، وفيه ترفع الأكف للدعاء، وهذا ما أبصرت حروف آلاء بمفردتي «غار» «خالعا» لتحصل النتيجة نحو «الله».
-المسبحة
-إذا دارت بين أصابعك، ولم تشعر بأن طينك يتلاشى وروحك تطير، سراحها منك، لا تطيق المسبحة حبسها في يد معتمة، فقد جبلت على الاختراق لا على الانغلاق».
هذا القول المناجي تترقرق منه الحروف لتقف عارية من التشكيل والفواصل والنقاط الساكتة.
وبين الإخلاص وعدمه، تكون تفاعلات النفس وخلجات كثيرات، والشعور الحقيقي من الروح يواصل الاحتراق ثم الاختراق، فإن محله الانفتاح لأفق واسع.
(5)
وفي تأمل آخر عنون بـ«ماذا لو ...»
افتح عينيكَ يا كنان
وأخبرني.
-ماذا لو كنت بائع خبز؟
-لا أريد أن أكون كذلك،
لأنني لن أستطيع توفير الخبز للناس في الحرب،
لا أريد مهنة تشعرني حين أنظر إلى عيون الجائعين بأنني قاتل.
تقمص حال طفل ليس سهلا، ماذا لو كان طفلك، وماذا لو فقدته في حرب لم ترحم ميتا أو حيا، وإذكاء هذا التقمص بقضية كبرى وهي الخبز، وما أدراك ما الخبز؟ وما حدث لغزة من مجاعة كان أغلى ما فيها الخبز، وأبخس ما فيها الإنسان!
-ماذا لو كنت طائرا؟
سأراقب القناصين حتى إذا استعدوا لإطلاق النار،
صرخت:
أيها الناس: أحفظوا رؤوسكم، واختبئوا.
الخيال هنا خيال إيثار لا خيال إخبار أو إرشاد، وخلف هذه الكلمات دراما داخلية متشابكة فيمن من حلقه ماء.
-ماذا لو كنت ممحاة؟
-سأمحو الطائرات الحربية من سمائنا.
كم سنمحو من المقتلة؟ ومن سنمحو!
التفاتات الأجوبة في قراءات الشاعرة آلاء توخز الفكر، وتضع القارئ أمام قفزات الكلمات التي أسمتها نصوصا حية.
في خاتمة الكتاب، نثرت الأم آلاء رسالة خاصة لكنان، لعلها كانت زبدة شعور لم تستطع أن تتجاوزه بذاكرة أم وطفل!
ثم كانت رسالة كنان لكل طفل: لا تتركوا فلسطين وحدها.
أيها القارئ:
حين تصل لبريد كنان؛ اعلم أن أمه أرادت لهذا الكتاب نمطا جديدا من الحضور، حضور يكتب القارئ فيه ما يريد بعد أن يسدل عينيه عن قراءة كتاب طفل شهيد.
«يكلمني كنان»
ليس كتاب وفاء أم لابنها الشهيد، فالشهيد الابن لا يحتاج في الشعور الإنساني للوفاء الذي نعرفه فيما بيننا، هو قطعة منها، اختاره الله ليكون إلى جواره.
لا تسطر آلاء القطراوي كلماتها لتحفظ اسم كنان في موسوعة الكتب المنشورة، ولا تحتاج لتعدَه للنشر ضمن منشورات دار نشر، ولا تفعل ما تفعل كي لا يضيع الاسم أو الحال؛ هي تفعل ذلك كي لا ننسى فلسطين، وكي لا يأتي يوم سيقال فيه: كانت فلسطين!
طلعت قديح كاتب فلسطيني من غزة
