بعد اتفاقية باريس: السياسة البيئية في عالم مترابط
26 يناير 2026
26 يناير 2026
ترجمة: نهى مصطفى
بعد مرور عقد على اتفاقية باريس للمناخ، التي نجحت في انتزاع التزامات حكومية للحد من ارتفاع متوسط حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين، بدأت موجة جديدة من التأكيد على السيادة الوطنية تعيد تشكيل الأهداف البيئية العالمية وأولوياتها.
ومع تصاعد القلق حيال تباطؤ النمو الاقتصادي، واحتدام الاستقطاب الاجتماعي، وتفاقم التوترات الجيوسياسية، باتت السياسات البيئية تُصاغ ضمن أطر أشد ارتباطًا بتوسيع دور الدولة في توجيه الاقتصادات والصناعات والتقنيات، على حساب الطموحات البيئية العابرة للحدود.
يرى البعض في هذه التوجهات تراجعًا عن التفاؤل الذي ساد عام 2015. إلا أن طموحات السياسات البيئية لا تتراجع. بل على العكس، فحيثما ينظر إلى مبادرات تغير المناخ على أنها تتيح فرصًا ملموسة للنمو الوطني والابتكار والقدرة على الصمود، فإنها باتت أكثر ترجيحًا للنجاح. ومن المفارقات أن قدرة العالم على تحقيق الأهداف المشتركة - بما في ذلك إبقاء الاحتباس الحراري العالمي دون درجتين مئويتين ووقف فقدان الموائل الطبيعية وعكس مساره - باتت تعتمد على مدى فعالية دمج هذه الأهداف في الأجندات الوطنية للأمن والتنافسية والقوة الصناعية.
يمثل هذا الواقع تحديًا وفرصة في آنٍ واحد للمنظمات والتحالفات الدولية. إذ يجب عليها ضمان بقاء الاستقلالية متصلة لا منعزلة، وذلك من خلال تعزيز الحوار والثقة، وتيسير الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، ودعم البنى التحتية العالمية للتغلب على المفاضلات المعقدة بمسؤولية وشفافية وتنسيق.
لطالما شكلت العلاقة المتشابكة بين المصلحة الوطنية والهدف الجماعي جوهر العمل البيئي الدولي، ومن ثم فإن إعادة تأكيد مفهوم الاستقلال اليوم لا تمثل قطيعة بقدر ما تعكس استمرارية تاريخية. فقد انطلق مؤتمر ستوكهولم عام 1972، الذي أرسى أسس الحوكمة البيئية الحديثة، من مقاربة مزدوجة تجمع بين الإقرار بالحق الإنساني الشامل في بيئة سليمة والتأكيد المتزامن على السيادة الوطنية للدول في استغلال مواردها.
وجاء بروتوكول مونتريال بعد خمسة عشر عامًا ليجسد حالة نادرة من التوافق شبه الكامل بين الطموحات الدولية والمصالح الوطنية، ما أفضى إلى القضاء شبه التام على المواد المستنزِفة لطبقة الأوزون.
أما المبادرات اللاحقة، فقد اتجهت نحو نماذج أكثر مركزية، دون أن تحقق النتائج المرجوة؛ إذ فرض بروتوكول كيوتو عام 1997 التزامات قانونية لخفض الانبعاثات، لكنه اقتصر على الدول المتقدمة، ومع انسحاب عدد منها تقلص نطاقه تدريجيًا ليغطي نسبة محدودة من الانبعاثات العالمية. ولم تنجح محاولة استبداله عام 2009 باتفاق عالمي شامل في تجاوز هذه الإشكالات.
وتكمن قوة اتفاقية باريس، بقدر ما تكمن هشاشتها، في اعترافها بأن التعاون المستدام يفترض قدرًا من الاستقلالية؛ إذ التزمت الغالبية الساحقة من الدول بإطار يتيح لكل دولة تحديد «مساهمتها المحددة وطنيًا» من دون آليات إنفاذ صارمة، مكتفيًا بعمليات تقييم دورية كل خمس سنوات. ورغم أن منحنى الانبعاثات العالمية بدأ في الانخفاض منذ ذلك الحين، فإنه لا يزال بعيدًا عن المسار المطلوب لتحقيق أهداف الاتفاق.
شهد النظام البيئي للعمل المناخي اتساعًا وتنوعًا، مع بروز المدن والشركات والمستثمرين والهيئات التنظيمية كفاعلين مؤثرين إلى جانب الدول، يسهمون في توجيه النتائج البيئية عبر التنسيق الطوعي وآليات السوق. وأفضت هذه التحولات إلى نشوء بنية مؤسسية أكثر مرونة وأقل هرمية، تقوم على شبكات مترابطة من الجهات الفاعلة التي تنسق من خلال المعايير والحوافز وتدفق المعلومات، بما يجعل الفعالية ناتجة عن التفاعل بين مؤسسات مستقلة ومترابطة بدلًا من سلطة مركزية واحدة.
يتمحور التحدي الراهن حول ما إذا كانت الجهود الوطنية المتوازية في مجالات التنافسية والأمن والتكنولوجيا قادرة على تحقيق تقدم جماعي في مواجهة تغير المناخ. إذ تُجسّد القدرة على التكيف نقطة التقاء حاسمة بين العمل الوطني والترابط العالمي، حيث تضطر الحكومات إلى حماية مواطنيها من مخاطر عابرة للحدود مثل موجات الحر والفيضانات والجفاف، عبر تحويل المخاطر الكوكبية إلى سياسات محلية فعّالة مدعومة بتبادل البيانات وأفضل الممارسات.
وتُبرز تجربة هولندا، ولا سيما برنامج «مساحة للنهر»، كيف يمكن للتكيف أن يقوم على التعايش مع المخاطر لا مجرد مقاومتها، بينما أتاحت تقنيات التنبؤ بالأقمار الصناعية وآليات التمويل المسبق، مثل مبادرة بريدجتاون والدرع العالمي ضد مخاطر المناخ، استجابات أسرع وأكثر كفاءة للكوارث.
في المقابل، يختبر التحول الأخضر قدرة الدول على تحقيق الازدهار، إذ تسعى حكومات عديدة إلى توظيف العمل المناخي كمحرك للتجديد الصناعي والنمو وخلق الوظائف. ويجسد هذا التوجه كل من الصفقة الخضراء الأوروبية، وقانون خفض التضخم الأمريكي، واستثمارات الصين الواسعة في البنية التحتية الكهربائية، إلى جانب مبادرات مماثلة في الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وقد بات الاقتصاد الأخضر ثاني أسرع القطاعات نموًا عالميًا، بقيمة تتجاوز 5 تريليونات دولار سنويًا، مع توقعات بنمو يقارب6% سنويًا، كما يمكن خفض أكثر من50% من الانبعاثات العالمية باستخدام حلول منخفضة التكلفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية.
ورغم دور قوى السوق، يظل الاستثمار العام والتنظيم طويل الأجل ضروريين، إذ تعتمد السياسة الصناعية الخضراء، حتى عندما تُصاغ بمنطق الاستقلال، على سلاسل توريد مترابطة ومعايير مشتركة وتدفقات استثمار عابرة للحدود. وسيحدد الحفاظ على «تنافس تعاوني» ما إذا كان هذا التحول سيقود إلى ازدهار مشترك أو إلى توترات جيوسياسية جديدة.
ويُظهر التلوث بوضوح حدود العمل الوطني المنفرد؛ إذ يسهم في وفاة واحد من كل ستة أشخاص عالميًا، ويكبّد الاقتصاد العالمي خسائر تعادل نحو6% من الناتج المحلي الإجمالي. ففي حين يحقق كل دولار استُثمر في قانون الهواء النظيف بالولايات المتحدة نحو30 دولارًا من الفوائد الصحية والإنتاجية، تقع قرابة90% من الوفيات المرتبطة بالتلوث في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
وتُمثل أزمة البلاستيك مثالًا صارخًا، حيث يدخل نحو11 مليون طن من النفايات البلاستيكية إلى المحيطات سنويًا، ما يهدد التنوع البيولوجي والاقتصادات الساحلية. وقد أظهرت الشراكات غير المركزية، مثل الشراكة العالمية للعمل بشأن البلاستيك التي تشمل 25 شراكة وطنية، كيف يمكن لأفضل الممارسات أن تنتشر أفقيًا عبر البيانات والمعايير المشتركة. وبالمثل، تُبرز جهود الحفاظ على الطبيعة الترابط بين السياسات الوطنية والنتائج العالمية، إذ التزمت نحو200 دولة في إطار كونمينج- مونتريال بحماية 30% من أراضي وبحار العالم بحلول 2030، إلى جانب توسيع الحوكمة إلى أعالي البحار. وتعزز مبادرات مثل 1t.org ومرفق «الغابات الاستوائية إلى الأبد» هذا المسار عبر تمويل مشترك ومعايير وإشراف تعاوني، بما يظهر كيف يمكن للاستقلال الوطني أن يتعزز، لا أن يتقوّض، من خلال الترابط الدولي.
يعد التمويل والتكنولوجيا المتغيرين الأكثر حسمًا في تحديد ما إذا كان العمل البيئي الوطني سيرتبط ويتوسع عبر الحدود، وكيفية ذلك. أما المتغير الثالث فهو بنية شبكية متطورة من المعايير والمنصات والبروتوكولات، تُمكّن مختلف الجهات الفاعلة من بناء الثقة ودعم الآليات المركزية والعالمية، أو التعويض عن غيابها.
بالنسبة لمعظم الحكومات، يعد التمويل العامل الأبرز الذي يظهر حدود استقلالية السياسات البيئية. تستطيع الدول سن القوانين والتخطيط، لكن التنفيذ يعتمد على حشد رأس المال.
نادرًا ما تتوافق الطموحات مع القدرة المالية، والفجوة بينهما هي التي تحدد مدى سرعة ونطاق التحول الأخضر. ويجسد تعهد إندونيسيا في باريس هذا الترابط، إذ وعدت بخفض الانبعاثات بنسبة 32% دون شروط، مع توقع أن يأتي ما يصل إلى 43% من التمويل المطلوب من مصادر دولية. وبالنسبة للعديد من الاقتصادات النامية، فإن الاستقلالية الفعالة في سياسات المناخ تعتمد على توفر رأس المال بأسعار معقولة بقدر اعتمادها على الإرادة المحلية.
قبل كل شيء، سيُحدد التطور التكنولوجي التوازن المستقبلي بين الاستقلالية والترابط. فالابتكار يوسع نطاق ما يمكن للحكومات تحقيقه، مما يتيح طاقة أنظف، ورصدًا أكثر ذكاءً للتلوث، وزراعة أكثر مرونة. لكن العامل الحاسم لم يعد الاختراع وحده، بل سرعة انتشار التقنيات، وتكييفها مع الظروف المحلية، ودمجها في القدرات الوطنية.
وتستلزم هذه الفوائد ترابطًا في البيانات، والملكية الفكرية، والبنية التحتية الرقمية، وكلها تعزز الحاجة إلى التعاون حتى في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى تحقيق الاستقلال التكنولوجي.
يشهد الابتكار الأخضر نموًا متسارعًا: ففي عام 2025، ارتفعت طلبات براءات الاختراع الخضراء بنحو 20% على مستوى العالم. ومع ذلك، تتركز معظم براءات الاختراع في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة. ولذا، تعد قنوات النشر بالغة الأهمية: فقد مول مركز وشبكة تكنولوجيا المناخ التابعان للأمم المتحدة ما يقارب 400 مشروع للمساعدة التقنية في أكثر من 100 دولة نامية، كما يربط برنامج GREEN التابع للمنظمة العالمية للملكية الفكرية بين مقدمي تقنيات الاستدامة والعملاء الراغبين في تبنّيها.
إلى جانب البنية التحتية للطاقة النظيفة، يعد الرصد الرقمي الفوري من أقوى التقنيات البيئية، إذ يغير بشكل جذري إمكانيات العمل البيئي والحوكمة.
تستخدم منصات مثل Climate TRACE و Global Forest Watch و Global Fishing Watch بيانات الأقمار الصناعية العالمية والذكاء الاصطناعي لتتبع الانبعاثات وإزالة الغابات والنشاط البحري في الوقت الفعلي تقريبًا، مما يمنح الحكومات مستويات من الشفافية لم تكن لتخطر على بال قبل عقد من الزمن.
تظهر هذه الأنظمة كيف يُمكن للانفتاح والتعاون أن يُعزّزا الاستقلالية بدلًا من تقويضها.
يتبوأ رواد الأعمال مكانةً رائدةً في تحويل هذا الانتشار إلى إجراءات عملية تعزز ترابط استقلالية الدول. فمن خلال تطبيق تقنيات مثبتة على التحديات المحلية - بدءًا من استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الري وصولًا إلى بناء أنظمة تصنيع دائرية - يستفيد رواد الأعمال من المعرفة العالمية لتعزيز قدرة الدول على الصمود ومشاركة تجاربهم الناجحة.
وتتيح منصات مثل «أب لينك»، التي تُعنى بتحديد ودعم الابتكارات المركزة على الاستدامة، لهؤلاء الفاعلين تبادل الأفكار، وجذب الاستثمارات، والتواصل مع شركاء من جميع أنحاء العالم.
يقوم منطق مماثل على مراكز الثورة الصناعية الرابعة التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي تساعد الحكومات والشركات على تطبيق التقنيات الجديدة بمسؤولية وتعاون.
فعلى سبيل المثال، تربط مبادرة الذكاء الاصطناعي للابتكار الزراعي البنية التحتية للبيانات، والشركاء من القطاعين العام والخاص، والمشاريع التجريبية الإقليمية للسياسات، مما يمكن المزارعين في بلدان متعددة من تبني ممارسات ذكية مناخيًا بوتيرة أسرع بكثير مما يمكن أن تحققه البرامج الوطنية المنعزلة.
وتحول مبادرات كهذه انتشار التكنولوجيا إلى شكل من أشكال الاستقلالية المتصلة، مما يعزز القدرات المحلية من خلال ربطها بالخبرات العالمية.
يتمثل عامل ثالث لتمكين الاستقلالية المتصلة في تطور البنية المؤسسية الشبكية.
إذ يُسهم جيل ناضج من المنصات والبروتوكولات والمعايير في تعزيز قابلية التشغيل البيني والثقة عبر الحدود.
لا تشرع هذه الأطر ولا تحشد ولا تمول ولا تبتكر التقنيات، بل تحدد كيفية توزيع المعلومات ورأس المال والمساءلة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. تُساهم هذه البنى اللامركزية أيضًا في ظهور أسواق خضراء جديدة، حيث تساعد التحالفات الهجينة على توسيع نطاق التقنيات التي لا تستطيع أي حكومة أو شركة بمفردها تطويرها.
في مختلف القطاعات، يتضح النمط جليًا: عندما يرتبط العمل الحكومي عبر بنى مشتركة توسع نطاق الوصول إلى التمويل، وتسرع من انتشار التكنولوجيا، وتعزز المساءلة والشفافية، فإن الطموح يترجم إلى نتائج ملموسة.
أصبح الاستقلال المترابط، حيث تتضافر جهود الدول من خلال شبكات الثقة والبيانات والمعايير المشتركة، محركًا جديدًا للتقدم البيئي في عالم متشرذم سياسيًا ولكنه مترابط ترابطًا وثيقًا.
يتمثل دور المنظمات والتحالفات الدولية في ضمان استمرار التعاون بين مختلف الأطراف بدلاً من عزلتها، وذلك من خلال مواءمة الحوافز، وتعبئة رؤوس الأموال، ونشر التقنيات، وتعزيز الثقة بأن الإجراءات المتنوعة تؤدي إلى نتائج جماعية.
اليوم، سيقاس النجاح بقدر ما تستطيع مراكز العمل العالمية المختلفة التحرك بتناغم نحو تحقيق ازدهار مشترك، بدلاً من الاتفاقات الكبرى.
