"صلصال" لهشام مقدادي.. قصص عن هشاشة الكائن البشريّ
عمّان "العُمانية": تكشف مجموعة "صلصال" القصصية للكاتب الأردني هشام مقدادي عن عالم سردي غني، يتقاطع فيه المادي بالروحي، واليومي بالوجودي.
وتتضمن المجموعة التي فازت بجائزة الدولة الأردنية التشجيعية، قصصاً قصيرة تبدو للوهلة الأولى هادئة ومألوفة، لكنها سرعان ما تكشف عن توترات داخلية عميقة لهشاشة الكائن البشريّ الذي يتشكّل ويُعاد تشكيله كما الطين (الصلصال) في يد الصانع؛ وتدور الأحداث المحورية للمجموعة حول هذه الفكرة المركزية.
وتتجلى ثيمة الهشاشة في القصص، لا بوصفها ضعفاً وحسب، بل بوصفها شرطاً إنسانياً أصيلاً، حيث الشخصيات هنا ليست كاملة ولا تدعي ذلك، بل تظهر في لحظات انكسارها القصوى: فقد الأم، الخوف، الحرمان، القلق الوجودي، والرغبة المكبوتة، ويمكن تلمس ذلك في قصة "قداس"؛ حيث يتحرك السرد بين طقسين دينيين، في بناء رمزيّ يشي بوحدة الألم الإنساني وتجاوزه للهويات الضيقة، فالبطل، وهو يقود سيارته نحو القدّاس، يواجه احتمال الموت، فيستحضر صورة الأم بوصفها ملاذاً أخيراً.
وللجسد في قصص المجموعة حضور مركزي بوصفه حاضناً للذاكرة وللرغبات والألم، وهذا الجسد المادي يرتبط بالجانب الروحي، ففي قصة "صلصال" يتماهى الجسد بالطين، وتصبح عملية التشكيل الفني فعلاً روحياً: "مَن ظنّ أني حِرفيّ من حرفيّي سوق الصنائعِ، فقد جانب الصوابَ.
يقولُ سيدي العارف: الطينُ هو عجينةُ اللهِ التي خلقَ منها أجسادنا البالية. وإذ أُمسكهُ بكلتا يديَّ، أشعرُ بتلك الرهبةِ التي تضعني أمام نشأتي الأولى، لذا أُمسكُ كتلةَ الطينِ برفقٍ، فلربما حوت رفاةَ أجسادٍ اختلطت من تراكمِ الموتى". هذا الربط بين قصة الخلق وصناعة الفخار منحَ النص بعداً صوفياً؛ إذ تحوّل العمل اليدوي إلى ضربٍ من الذكْر، وفعل للمعرفة.
ويتضح هذا الجانب الصوفي في لغة مقدادي المشحونة بالصور والاستعارات والقادرة على توصيف الحالة النفسية للشخصيات، ولهذا كثرت في القصص الأفعال الحسية التي منحتها الحيوية، ففي قصة "تك تاك تك تك"، تحوّل صوت الساعة إلى معادل زمنيّ لنبض القلب، وللخوف من الفقد.
كما وتحضر المرأة في قصص مقدادي ككيان فاعل ومستقل، ففي قصة "طرف المعادلة" يتابع السرد شخصية أنثوية تختار الرحيل وتحقيق الذات، رغم شعورها بالذنب والحنين، وتتحول الهجرة هنا من جغرافية مكانية، إلى هجرة داخلية عميقة: "سأكون مايا دون رتوش، دون أي هواجسٍ، أو تحسبٍ لفهم المجتمعِ القاصرِ عن تقبُّلي كفردٍ رافضٍ، وقادرٍ على إيجادِ عوالمهِ، وصياغة أسئلتهِ، بعيداً عن القوالبِ الجاهزةِ والتقاليد البالية".
فهذه القصة تطرح سؤال الحرية الفردية في مواجهة البنى الاجتماعية، دون إصدار أحكام أخلاقية مباشرة، وتترك للقارئ مساحة للتأمل والتفكير.
وتتميز مجموعة "صلصال" أيضاً بقدرتها على سرد اليومي؛ إعداد الشاي، كيّ القميص، انقطاع الكهرباء، لعب الظلّ على الجدار، وبالتالي تحويل هذا السرد إلى مفاتيح لكشف معاني من الفقد والوحدة والحرمان والحب، بمعنى أنها تلتقط العادي وتصيغ منه ما هو مدهش.
