No Image
عمان العلمي

ماذا لو كان في منازلنا روبوت متعدد المهام؟

21 يناير 2026
21 يناير 2026

د. معمر بن علي التوبي -

خطر في بالي منذ فترة البحث عن فرصة لاقتناء روبوت متقدّم أخصصه للمهام المنزلية، بمواصفات قد تبدو أقرب إلى الخيال لو عدنا بضع سنوات إلى الوراء. كنت أتخيّل روبوتا قادرا على أداء أعمال منزلية متعددة ومهام متنوعة، مثل الطبخ، والغسيل، والتنظيف، والمراقبة، وإرسال الإشعارات والتنبيهات عند الحاجة. إضافة إلى ذلك، راودتني فكرة وجود روبوت آخر مخصص للزراعة المنزلية خارج نطاق البيت، يتولى تنفيذ المهام الزراعية المختلفة، مثل التقليم، وريّ النباتات، وتزويدها بالعناصر الغذائية الأساسية، إلى جانب مهام أخرى كالتنظيف والمراقبة وإرسال البلاغات.

في البداية، لم أكن أظن أن الأمر يتجاوز حدود الخيال، لكن بدافع الفضول والرغبة في معرفة حجم التقدّم الحقيقي الذي تحقق، انطلقتُ في رحلة بحث جادة، خصوصا في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية الذكية؛ ففي السابق، كنا نتعامل مع أنظمة آلية تعمل وفق منطق البرمجة التقليدية التي تعتمد على لغات برمجة محددة. أما اليوم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى هذا المجال، أصبح الأمر أكثر يسرا، وأصبحت الروبوتات تمتلك قدرات أعلى على التعلّم والتكيّف وأداء المهام المعقّدة بكفاءة أكبر.

أؤكدُ أن حقل الروبوتات تجاوز إطار الفضول العلمي أو البحث النظري؛ فانتقل إلى مستوى عملي يتمثل في محاولة العثور على أنظمة روبوتية متعددة المهام، يمكن اقتناؤها واستعمالها في الحياة اليومية. من هنا، قررتُ أن أشارك القارئ هذه التجربة ببعض تفاصيلها الرئيسة، وأن أنقل له ما توصلت إليه في رحلة البحث: هل نجحت فعلاً في الوصول إلى روبوت يمتلك هذه القدرات المتعددة؟ أم أن الأمر ما زال في طور التطوير والتجريب؟ سأحاول أن أعرض أهم ما وجدته، وما وصلت إليه، بكل وضوح وموضوعية.

بدايةً، أطلعكم على ما خلصتُ إليه من نتائج أولية؛ إذ تبيّن لي أنه لا يوجد في السوق -حتى الآن- روبوت واحد متكامل بالمفهوم الذي أحب أن أطلق عليه «الروبوت الشامل» أو «الروبوت متعدد المهام» كما تخيلته، وما هو موجود فعليا يتمثل في روبوتات مخصصة للأعمال المنزلية، ولكنها في الغالب ذات مهام محدودة، أو أقرب إلى كونها أحادية الوظيفة، وليست متعددة بالمعنى الكامل. على سبيل المثال، نجد المكانس الروبوتية التي تعتمد جزئيا على الذكاء الاصطناعي في بعض مكوّناتها التقنية، والتي تعتمد على الاتصال بالإنترنت، ومشاركة البيانات مع صاحب المنزل، وتلقّي التحديثات والمعلومات. كذلك يمكن للمستخدم الوصول إلى بيانات مختلفة عن طريق هذه الأجهزة، سواء عبر مراقبة أدائها أو التحكم بها والتفاعل معها. هذه الفئة من الروبوتات موجودة منذ سنوات طويلة، وأصبحت مألوفة في كثير من المنازل، كما أن أسعارها باتت في متناول شريحة واسعة من المستخدمين، وتشهد انخفاضا تدريجيا مع مرور الوقت نتيجة التطور التقني وكثرة الشركات المنتجة والمنافسة في هذا المجال.

كذلك توجد روبوتات مخصصة للطبخ دون مستوى الروبوتات المستقلة بحد ذاتها؛ فتكون جزءا من منظومة «المطبخ الذكي». بمعنى أدق، يكون المطبخ بأكمله مصمما وفق نظام آلي متكامل يعتمد على الأتمتة في معظم تفاصيله، من إعداد المكونات إلى الطهي والتنظيف. يتطلب هذا النوع من التوظيف الروبوتي مساحات كبيرة وتجهيزات معقدة، ويكون مرتفعَ التكلفة بشكل واضح، نظرا لما يتضمنه من تفاصيل تقنية دقيقة وتعقيدات هندسية وتشغيلية، الأمر الذي يجعل اقتناءه صعبا وغير متاح للجميع.

كذلك تتوفر روبوتات مخصصة للمراقبة داخل المنزل؛ حيث يمكن وضعها لتتجول في أرجاء البيت، وتراقب الأطفال، أو الحيوانات الأليفة، أو الأنظمة الكهربائية وأنظمة المياه، وكل ما يتعلق بالبنية التشغيلية للمنزل. تقوم هذه الروبوتات بإرسال إشعارات وتنبيهات مستمرة إلى صاحب البيت عبر الاتصال بالإنترنت، حتى وإن كان بعيدا عن المنزل بمسافات طويلة. يمكن النظر إلى هذا النوع من الروبوتات باعتباره شكلا متطورا من أنظمة المراقبة المنزلية، ويتميز بقدرة عالية على التتبع والتحليل، ورغم فائدته الكبيرة، لكنه يظل محدود المهام ومحصورا في نطاق وظيفي معيّن.

أما فيما يتعلق بالحدائق المنزلية؛ فتوجد روبوتات وأنظمة ذكية تعمل في مجال العناية بالعشب أو تنفيذ بعض المهام الزراعية البسيطة. إذا وسّعنا المفهوم قليلا ليشمل جميع الأنظمة الذكية ذات الطابع الآلي؛ فنجد أيضا أنظمة أرضية ذكية، وأدوات تعمل وفق حساسات متقدمة وتوازنات دقيقة، ولكنها في النهاية لا ترقى إلى مستوى «الروبوت المتكامل» الذي ننشده. يمكننا اعتبار بعض هذه الحلول أنظمةً ذكيةً متقدمة، ويمكن أن نضعها مجازا في خانة الروبوتات، ولكنها تظل أقرب إلى أدوات ذكية متخصصة منها إلى روبوتات متعددة القدرات والوظائف كما هو متخيل في الوعي العام أو في أدبيات الخيال العلمي.

عندما اتجهتُ إلى البحث عن نماذج روبوتية متعددة المهام، أو ما يُعرف بالروبوتات الشبيهة بالإنسان، وجدتُ أن هناك بالفعل عددا من هذه النماذج في الأسواق أو في مراحل العرض والتجريب، غير أن معظمها لا يزال ضمن حدود معينة، سواء من حيث القدرات أو نوعية المهام التي يمكنه تنفيذها. لذلك، يصعب أن نصنّفها روبوتات مكتملة ومتعددة المهام، وإن كانت تُعد مقبولة إلى حد ما، ومتقدمة نسبيا مقارنة بما كان متاحا في السابق. من بين هذه النماذج التي وجدتها، الروبوت الذي طورته شركة «Figure AI»، والمعروف باسم «Figure 03»، وهو روبوت موجّه لأداء بعض المهام المنزلية، ووفقًا لما تذكره الشركة في موقعها الرسمي، يمتلك هذا الروبوت القدرة على تنفيذ عدد من الأعمال البسيطة، مثل طيّ الملابس أو وضع الأواني في غسالة الصحون، ولكن -وبإقرار من الشركة المصنّعة- لا تزال هذه المهام تُنجز تحت إشراف بشري مباشر، أو على الأقل بمساعدة بشرية جزئية. كذلك توجد شركة أخرى تُدعى 1X، تقدّم روبوتا يُعرف باسم «NEO»، والذي يُسوَّق أيضا على أنه روبوت منزلي. غير أن الشركة تؤكد صراحة أن هذا الروبوت لا يعمل إلا تحت إشراف بشري عن بُعد، خاصة عند التعامل مع المهام المعقّدة التي لم يتقنها بعد، وهنا نرى بعضا من الغموض فيما يتعلق بطبيعة المهام التي يمكن للروبوت إنجازها بشكل مستقل، مقابل تلك التي تتطلب تدخلا بشريا مباشرا. أما شركة «تسلا»؛ فأعلنت بدورها عن روبوت يُعرف باسم «Optimus»، وتروّج له بوصفه روبوتا متعدد المهام يمتلك قدرات واسعة على العمل داخل المنزل وخارجه، ولكن ما تزال هذه الادعاءات -حتى الآن- في إطار العروض التشويقية والتصريحات الإعلامية، ولم تتضح بعد بصورة واقعية يمكن أن تعكس تجارب عملية واسعة أو استعمالا فعليا في البيئات المنزلية.

لكن على مستوى الأبحاث والدراسات والاختبارات التقنية، ولا سيما تلك التي تقودها الشركات والجامعات المتقدمة، توجد بالفعل أعمال كثيرة منشورة تتناول تطوير روبوتات متعددة المهام وشبيهة بالإنسان، ويبدو أن هذا المجال يتقدم ويتطور بسرعة، خصوصا مع التحسّن الكبير في خوارزميات الذكاء الاصطناعي وقدراتها على التعلّم والإدراك واتخاذ القرار.

في سياق ما استعرضناه من مستجدات وتحديات، ماذا يمكنني أن أفعل، حال أنني لا أستطيع -حتى هذه اللحظة- العثور على روبوت متعدد المهام يجمع بين الطبخ والغسيل والتنظيف والمراقبة؟ فمثل هذا الروبوت غير موجود فعليا في السوق، وإن وُجد في المستقبل القريب -على افتراض ذلك- فمن المرجّح أن يكون مرتفع التكلفة إلى حد كبير، بحيث لا يجعله خيارا عمليا أو متاحا على نطاق واسع. لكن لنجتهد في تبسيط المهمة وتصميم خطواتها، ونبدأ بالروبوتات الخارجية الخاصة بالزراعة؛ إذ الصورة تبدو أكثر واقعية وأقل تعقيدا مقارنة بالروبوتات المنزلية خصوصا في حالة المزارع المنزلية غير المعقّدة؛ فإن الحلول البديلة متاحة وفعّالة إلى حد ما؛ فيمكن الاعتماد على أنظمة ري ذكية متطورة قادرة على قياس درجات الحرارة، ورصد مستويات الرطوبة، ثم تعديل كميات الري وتوقيته تلقائيا سواء على أساس يومي أو كل عدة أيام. كذلك تستطيع هذه الأنظمة التفاعل مع تغيّرات الطقس والتربة، ورصد التغييرات في التربة وتحديدها، ومراقبة العوامل البيئية التي قد تؤثر في جودة التربة ونمو النباتات. إلى جانب ذلك، يمكن تركيب أنظمة مراقبة متخصصة تعتمد على كاميرات ذكية ترصد حالة الأشجار والنباتات، وتكشف التغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها، بما في ذلك ظهور الآفات أو الأمراض، وتُرسل هذه الصور -بصفتها بيانات خارجية- إلى نماذج ذكاء اصطناعي لتعمل على تحليلها وتحديد نوع المشكلة، واقتراح التدخل المناسب.

أما فيما يخص الروبوت المنزلي متعدد المهام، فيبدو الأمر أكثر تعقيدا، ولكنه في الوقت ذاته آيل إلى التحقق على المدى القريب، لا سيما مع وجود شركات متخصصة تعمل بالفعل على تطوير هذا النوع من الروبوتات، وكما أشرنا سابقا، فإن هذه الحلول -في مراحلها الأولى على الأقل- ستكون موجّهة غالبا لأصحاب المنازل الكبيرة وأصحاب الدخل العالي، أو لكبار السن، أو لمن لا يرغب في وجود عمالة منزلية داخل بيته لأي سبب كان. نطمح إلى أن يكون هذا النوع من الروبوتات قادرا على القيام بأعمال منزلية متنوعة في آن واحد مثل: الطبخ، وحمل الأشياء، ونقل الملابس إلى غسالة الملابس وإخراجها بعد الانتهاء، ثم تجفيفها سواء داخل الغسالة أو خارجها، إضافة إلى أعمال التنظيف والمراقبة، ولكي يتحقق ذلك، فإن أول متطلب أساسي هو أن يمتلك الروبوت قدرة متقدّمة على الرؤية؛ فيكون قادرا على رؤية الأشياء، والتقاطها، وتصنيفها، وربطها بالمهمة المطلوبة، ويستلزم هذا تدريبه على خوارزميات رؤية حاسوبية متطورة، تعتمد على كاميرات أو حساسات بصرية مشابهة، تتيح له التقاط المشهد، ثم تحليله بسرعة، وتصنيف العناصر الموجودة فيه، وربط كل عنصر بالوظيفة المرتبطة به.

على سبيل المثال، عند دخول الروبوت إلى المطبخ، ينبغي أن يكون هذا المطبخ مهيأ ومصمما بطريقة ذكية؛ بحيث يسمح للروبوت بالتحرك بأمان، والوصول إلى الأدوات، والإمساك بها، والتعامل معها بسلاسة ودون مخاطر، وهنا لا بد من مراعاة جوانب السلامة والأمن سواء للروبوت نفسه أو لأصحاب المنزل ومن فيه. أما من حيث الحركة والتنقل، فتؤكد لنا التقنية الحديثة قدرة الروبوت على حفظ خريطة المنزل والتدرّب عليها، كما نراها متاحة بالفعل في روبوتات المكانس والتنظيف الذكية المنتشرة حاليا؛ فتستطيع الأجهزة بعد مرحلة التعلم الأولى حفظ مخطط المنزل والتنقل بين الغرف وضبط المسارات والتحكم بها عن بُعد عبر الهاتف، حال أنها كانت متصلة بالإنترنت، وتعمل بكفاءة عالية ما لم تواجه معوقات غير متوقعة أو تغييرات مانعة في البيئة المنزلية، وهذا المفهوم ذاته يمكن توسيعه وتطبيقه على الروبوت المنزلي متعدد المهام. لكن لا تزال التحديات موجودة خصوصا المتعلقة بالبيئة المنزلية؛ إذ إن معظم البيوت بأنماطها التقليدية ونظامها غير المستقّر، تكون غير مهيأة لمثل هذا الروبوت. لذلك، يصبح من الضروري تهيئة البيئة قبل كل شيء؛ فكما ذكرنا في مثال المطبخ، يحتاج أن يشمل هذه التهيئة أيضا الممرات والغرف وبقية المساحات؛ ليكون الروبوت قادرا على حفظ أماكن الأشياء، وفهم توزيعها، والتعامل معها بثبات. كذلك يُستحسن تقليل التغييرات المتكررة في ترتيب الأثاث أو الأدوات، حتى لا يحدث خلل في النموذج الإدراكي الذي يعتمد عليه الروبوت في التنقل واتخاذ القرار. ينطبق الأمر نفسه على قدرته في حمل الأشياء، ومعرفة وجهتها، وتحديد نوع المهمة المرتبطة بكل عنصر؛ فترتبط كل هذه العمليات ارتباطا شاملا بقدرة الروبوت على الحركة الدقيقة، والرؤية، والتحليل، وربط البيانات بالسياق العملي، ومن وجهة نظري، لا أتصور هذا الأمر مستحيلا أو بالغ التعقيد -على الأقل من حيث المبدأ العلمي-، ومن يدري؟ لعل الشركات التي ذكرناها سابقا، أو غيرها، تعمل بالفعل على تجميع هذه القدرات المتفرقة، ودمجها في روبوت واحد شبيه بالإنسان، يؤدي هذه المهام بشكل متكامل.

أملي الشخصي أن أرى قريبا مثل هذا «العامل الآلي» داخل المنزل وأن أقتنيه؛ ليقوم بالمهام الروتينية التي نطمح بتفويضها إلى التقنيات، وليمنحنا -أو يمنح أفراد الأسرة- وقتا وطاقة أكبر للتفرغ لأعمال إبداعية، أو فكرية، أو إنسانية أكثر قيمة ومعنى.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني