عمان اليوم

متحف القرية ..مقتنيات ثمينة تحكي قصة تراث عريق أمام جمهور ليالي مسقط

15 يناير 2026
15 يناير 2026

بينما كنت أشاهد الالعاب النارية في موعدها بمتنزه العامرات ضمن فعاليات ليالي مسقط، لمحت متحف القرية القابع في القرية التراثية، اتجهت إليه، وتجولت قليلاً بداخله وسألت عن صاحبة وهو مرهون بن خليفة البسامي، القادم من ولاية الرستاق، عرفته بنفسي، فأخذ بيدي وجلسنا على مقربة من أرفف مليئة بالخناجر والسيوف، وأدوات المطبخ القديمة، والفخاريات التي تحكي تاريخ العمانيين.

حيث أشار إلى أن لديه مخازن خاصة يضع فيها مقتنياته التراثية، ويحرص دائماً على المشاركة في المهرجانات والفعاليات، مبينًا أن مشاركاته في المهرجان مستمرة منذ ما يقارب 16 عاماً، قبل أن يكون بمسماه الجديد "ليالي مسقط"، بهدف تعريف الجمهور بالتراث والموروث الحقيقي ومبينًا أن فئة الشباب يبدون اهتمامًا واضحًا، أثناء زيارتهم للمكان حيث يطرحون الأسئلة ويتفاعلون مع المعروضات، ويؤكدون أن بعض هذه الأدوات كانوا يشاهدونها في الكتب فقط ،لكنهم يشاهدوا بعضها هنا على الطبيعة.

وبدأ مرهون يروي قصة كل قطعة من القطع التي جمعها لتكون جزء من متحفه المتنقل وبين لي البسامي أن المتحف يضم جميع وسائل حياة الماضي، ويشمل أسلحة تقليدية يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، من بينها خناجر وسيوف نادرة وقديمة وحراب، موضحًا أن بعض هذه القطع يرجع تاريخها إلى أكثر من 200 عام.

وكان من ضمن المعروضات دلال القهوة النحاسية بمختلف أنواعها، وبين البسامي أنها قديمة جدًا، إضافة إلى الفضيات، وملبوسات المرأة من مختلف الأنواع ، وأدوات المطبخ العُماني القديم، مثل القدور القديمة والصواني القديمة، بالاضافة إلى أدوات زراعية متعددة الأنواع، شملت المنجور والدلو والمحراث، مصفوفة كلها بعناية لتروي قصة حياة أجدادنا.

ويضم متحف القرية أدوات موسيقية قديمة، مثل البشتخته وعملات متنوعة، منها القرش الفرنسي، والبيسة، وعملات تعود إلى عهد السلطان تركي بن فيصل، والسلطان فيصل بن تركي، والسلطان برغش .

كل مافي المتحف كان جاذباً وملفتاً للزوار، إلا أن الشباب يقضون وقتاً أطول أمام الخناجر القديمة والأسلحة التقليدية التي بدأو يلمسونها ويتفحصونها.

وسألته عن كيفية حصوله على كل هذه الكنوز، قال البسامي أنه بدأ في جمع هذه المقتنيات منذ أكثر من 30 عامًا، بجهد شخصي، حيث كان يحرص على اقتناء أي قطعة تراثية يصادفها، وأن كثيرًا من هذه القطع قد اشتراها، عندما كانت متوفرة في الماضي بأسعار بسيطة، بينما أصبح العثور عليها اليوم أمرًا نادرًا، مؤكدًا أنه قام بصيانة عدد من القطع، ويحرص على حفظ كل قطعة في مكان مخصص لها.

وأشار إلى أن أغلى المقتنيات لديه ليست الفضيات، وإنما السيوف والبنادق والخناجر، ولديه سيوف يعود تاريخها إلى عهد دولة اليعاربة، وسيوف الجوهر من عهد سلاطين زنجبار، وغيرها، وأوضح أن السيوف تتنوع، منها سيف أبو كتاف، وسيف أبو فلج ويشير سيف أبو فلج إلى وجود خط في منتصف السيف، وسيف أبو ثلاث مسائل مبينًا أن مصطلح أبو ثلاث مسائل يشير إلى وجود ثلاثة خطوط مميزة في السيف، وهي مسميات معروفة لدى العُمانيين، وأوضح أن بعض السيوف النادرة قد تصل قيمتها إلى ما بين 1000 و1500 ريال، مبينًا أن سيفًا من عهد دولة البوسعيد، يعرف بسيف أبو أكتاف، تقدرقيمته بحوالي 1500 ريال نظرًا لقيمته التاريخية.

كما تتضمن مقتنياته بنادق قديمة يعود تاريخها بحسب قوله إلى عام 1809، من صناعة الصانع الإنجليزي هنري مارتيني، وأن العُمانيين أضافوا عليها الفضة والخشب، وأطلقوا عليها مسميات متداولة بينهم، ومن بين هذه المسميات سلطانة أبو شجرة، وسلطانة أبو شجرتين، مبينًا أن الفرق بينها يكون في الطول والحجم، حيث توجد بنادق يصل طول بعضها إلى مترين، مثل أبو مترين سادة، وأبو أم مركب، وأبو مركب يسار، وأبو مركبين سادة، وسواحلي، وبين أن القيمة السوقية لبعض البنادق قد تصل بحسب تقديره إلى نحو 1000 ريال، مؤكدًا أن البنادق .

وأشار إلى أن الخناجر تُعد من أبرز المقتنيات، موضحًا أن لديه خناجر من أنواع متعددة، منها الخنجر السعيدي، وخنجر أبو سبع حلق، والخنجر الزراف، إضافة إلى خناجر القرن الإفريقي، وبين أن من بين أغلى الخناجر لديه خنجر بو زراف أصلي، تصل قيمته بحسب قوله إلى ما بين 3000 و4000 ريال.

وأشار إلى أن الأسعار المذكورة تعكس القيمة السوقية الحالية، موضحًا أنه اشترى هذه القطع في الماضي بأسعار بسيطة، عندما كانت متوفرة في المنازل والأسواق، بينما أصبح اليوم العثور عليها أمر صعب للغاية.

وأكد البسامي أن جميع هذه المقتنيات غير معروضة للبيع، موضحًا أنه تلقى عروضًا مالية كبيرة، إلا أنه رفضها، مشيراً إلى أنه لو قام بالبيع لما تمكن من إنشاء متحف، وأن هدفه هو الجمع والحفاظ على التراث.

كان المتحف صغيرًا، لكنني شعرت أنه كبير جدًا، ليس بمساحته، بل بكمية التاريخ الذي يحتويه، فكل زاوية تروي قصة، وكل قطعة تحكي عن أسلوب حياة وأدوات وطرق تفكيرالاباء والاجداد القدامى.

سألته عن أحلامه المستقبلية: "هل تفكر في توسيع المتحف أو جعله رسميًا؟" ابتسم البسامي بحزن وبين أنه يتطلع إلى إنشاء متحف دائم يضم هذه المقتنيات، موضحًا أنه طالب بالحصول على قطعة أرض فقط لإقامة المتحف، دون طلب أي دعم مالي آخر، مؤكدًا أن عدم توفر الأرض لا يزال عائقًا أمام تحقيق هذا المشروع، مؤكدًا أن هذا المشروع يمثل حلم شخصي بالنسبة له للحفاظ على التراث العماني الذي جمعه ليبقى للأجيال القادمة، موضحاً أن حجم المقتنيات كبير، لدرجة أن المخزن الذي يخزن فيه لا يتسع لها بالكامل، ما يضطره إلى حفظ جزء منها داخل الكراتين، مؤكدًا أن جميع هذه القطع موثقة ومحفوظة بعناية.

وبدأ مرهون يصف كيف يقوم بترتيب القطع وصيانتها بعناية، من دون أن يترك أي شيء معرض للتلف، فالحفاظ على التراث يراه مسؤولية تتطلب الصبر والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، ليؤكد لنا مرهون انه يحمل كل قطعة في قلبه ويعطيها حياة من جديد في كل مشاركه من مشاركاته.

شعرت أن المتحف أكثر من مجرد مكان للعرض؛ إنه رحلة عبر الزمن، ومساحة لنتلاقى فيها مع الماضي ومع مرهون الذي يحكي حكاية كل قطعة.