المعادن الحرجة .. جبهة جديدة في الجغرافيا الاقتصادية للطاقة
13 يناير 2026
13 يناير 2026
رحمة الكلبانية -
تتجه الأنظار اليوم إلى أسواق المعادن الحرجة بوصفها جبهة جديدة في الجغرافيا الاقتصادية للطاقة، وذلك مع تسارع الطلب العالمي وكونها تسهم في إعادة تشكيل أنماط التجارة، وأولويات الاستثمار، والعلاقات بين المنتجين والمستهلكين، كما يأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه أهمية هذه المعادن بوصفها مدخلًا أساسيًا للتحول في قطاع الطاقة.
ويُقصد بالمعادن الحرجة هنا تلك المعادن التي تُعد ضرورية للتقنيات الحديثة والتحول في قطاع الطاقة، وفي الوقت ذاته تعاني سلاسل إمدادها من درجة عالية من التركز أو الهشاشة، سواء بسبب محدودية عدد المنتجين أو تعقيدات التكرير أو المخاطر الجيوسياسية والتجارية، ولا تُعرف «حرجية» هذه المعادن بكونها نادرة جيولوجيًا فحسب، بل بمدى تأثير تعطل إمداداتها في أمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد، وقدرة الدول على تنفيذ استراتيجياتها الصناعية والمناخية.
ويستكشف تقرير «مستقبل الطاقة بالاعتماد على المعادن الحرجة» الصادر عن منتدى الطاقة الدولي (IEF)حجم التحديات القائمة والفرص المتاحة لتعزيز مرونة أسواق المعادن الحرجة من خلال تنويع مصادر الإمداد وإعادة التدوير وحلول الاقتصاد الدائري والابتكار إلى جانب بناء أسواق أكثر شفافية وقابلية للتنبؤ وتستند إلى قواعد واضحة. كما يوضح كيف يمكن للحوار المستدام بين المنتجين والمستهلكين المدعوم ببيانات أفضل وتحليل مشترك أن يقلل الاحتكاكات، ويعزز الثقة في الأسواق ويدعم بناء مستقبل طاقي عادل وآمن وشامل قائم على إتاحة المعادن الحرجة.
وفي هذا السياق، يؤكد جاسم الشيراوي، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي على هامش التقرير أن المعادن الحرجة لم تعد قضية هامشية على أطراف التحول في قطاع الطاقة، بل أصبحت اليوم في صميم أمن الطاقة والتنافسية الاقتصادية ومصداقية الاستراتيجيات المناخية الوطنية، ومن دون سلاسل إمداد معدنية آمنة وشفافة وقادرة على الصمود فإن التحول في الطاقة نفسه سيكون عرضة للخطر.
المعادن في منظومة الطاقة والتكنولوجيا
ترتبط المعادن الحرجة بتقنيات الطاقة المتقدمة وأسواق الطاقة العالمية اليوم ارتباطًا وثيقًا، إذ تشكل هذه المعادن الأساس الذي تقوم عليه الابتكارات التكنولوجية الدافعة للنمو الاقتصادي وأمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد وتعزيز تنافسية الصناعات النظيفة الناشئة، ومع تصاعد الطلب تبرز الحاجة إلى أطر سياسات استشرافية تضمن بقاء الأسس المادية لعمليات التحول في الطاقة متينة بقدر طموحاتها التكنولوجية.
ولا يقتصر تحدي سلاسل إمداد المعادن على توفر الموارد والأسواق فحسب، إذ يُعد الوصول إلى المعرفة والموارد البشرية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية، فالتوسع في الإنتاج والتخفيف من اختناقات الإمداد يعتمدان كذلك على إتاحة البيانات ونقل الخبرات في مجالي التعدين والتكرير. وفي الوقت الراهن تتركز هذه القدرات في عدد محدود من الدول بينما لا تزال الكفاءات البشرية الماهرة القادرة على معالجة هذه المعادن واستخدامها في التصنيع المتقدم نادرة ما يجعل بناء القدرات العالمية مرهونًا بالاستثمار في تطوير الأفراد والمعرفة، إلى جانب تأمين الرواسب والوصول إلى الأسواق.
ومرة أخرى نقول إن صفة «الحرجية» في المعادن لا تنبع من المعادن ذاتها بل تعكس الهياكل الصناعية الوطنية واعتمادات سلاسل الإمداد، إذ تختلف الدول في تعريفها للمعادن الحرجة وفق أولوياتها الصناعية والسياسية، ومخاطر الإمداد واحتياجاتها التكنولوجية، وفي هذا الإطار يمكن لاختلاف المزايا النسبية بين الدول أن يفتح فرصًا لتنويع المورّدين، ويساعد الدول على ترسيخ مواقع أكثر استراتيجية ضمن سلاسل القيمة العالمية.
ويُعد النحاس مثالًا بارزًا على تصاعد الطلب المرتبط بالتحول في قطاع الطاقة إذ يرتفع الطلب عليه من نحو 0.2 مليون طن في عام 2020 إلى قرابة 3.4 مليون طن بحلول عام 2035، مدفوعًا بتوسع استخدام المركبات الكهربائية، وبين عامي 2025 و2035 تقود هذه المركبات نمو الطلب على النحاس بمعدل يقارب 14٪ سنويًا، وعلى الرغم من الدور المحوري للنحاس في تحولات الطاقة يتميز بانخفاض نسبي في تركّز التجارة عبر مرحلتي التعدين والتكرير ما يشير إلى هيكل إمداد عالمي متنوع.
الحوار بين المنتجين والمستهلكين
يُلبى أكثر من 60٪ من الطلب العالمي على المعادن الحرجة عبر التجارة الدولية، مما يخلق درجة عالية من الاعتماد المتبادل بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك، ومع تسارع الطلب بفعل التحول في قطاع الطاقة تصبح هذه الدرجة من التكامل التجاري عنصرًا أساسيًا في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد في ظل ما قد تسببه أي اضطرابات من تأثيرات متتابعة تطال قطاعات الطاقة النظيفة والنقل والتصنيع المتقدم.
ويبرز الحوار بين المنتجين والمستهلكين بوصفه عنصرًا أساسيًا لضمان الأداء الموثوق لأسواق المعادن الحرجة كم أظهرت تجربة منتدى الطاقة الدولي أن الحوار المنظم والمستدام القائم على بيانات موثوقة وشفافية عالية يسهم في تقليص حالة عدم اليقين وتعزيز القدرة على التنبؤ ودعم استقرار الأسواق، كما يساعد على مواءمة التوقعات المتعلقة بالعرض والطلب والاستثمار مع تسارع نمو الطلب.
السياسات والذكاء الاصطناعي ومرونة الأسواق
وقد شهدت سياسات المعادن الحرجة بعد عام 2020 تضاعفًا شبه كامل في حجمها مقارنة بالعقدين السابقين ما يعكس تسارعًا واضحًا في انخراط الحكومات، وبينما يظل التخطيط الاستراتيجي محور هذه السياسات تتوسع الأولويات لتشمل التجارة الدولية وضوابط التصدير في بعض الحالات على حساب الاعتبارات البيئية والاستدامة، ويسهم تبسيط إجراءات الترخيص وتعزيز قدرات المعالجة ضمن أطر سياسات متماسكة في تقليص هشاشة سلاسل الإمداد.
في الوقت ذاته، تُحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولًا في استكشاف المعادن من خلال تحسين كفاءة الاكتشاف ودقته عبر دمج مجموعات ضخمة من البيانات الجغرافية المكانية والجيوفيزيائية والتاريخية بما يدعم تعزيز الإمدادات المحلية وأمن أسواق المعادن الحرجة. ورغم أهمية الأسواق التي تعمل بكفاءة فإنها لا تستطيع وحدها معالجة جميع تحديات العرض والطلب مما يجعل الحوار المستدام بين المنتجين والمستهلكين إلى جانب التعاون الدولي شرطًا أساسيًا لضمان أمن هذه الأسواق ومرونتها، كما تظل مرونة الأسواق المدعومة باستراتيجيات فعّالة لإدارة المخاطر وتبادل البيانات وتنويع الأسواق عنصرًا حاسمًا لضمان تدفق مستقر للمعادن اللازمة لبناء مستقبل طاقي يعتمد على المعادن الحرجة.
