No Image
ثقافة

«صالة فاكهام» : متعة الكوميديا الاجتماعية التي نفتقدها وسط ركام الأفلام

11 يناير 2026
11 يناير 2026

طاهر علوان -

في ظل زخم ما نشاهده من أفلام سينمائية وخاصة ركام الأفلام التي عرضت خلال العام الفائت 2025 فإن هنالك أنواعا فيلمية محددة استحوذت طويلا على اهتمامات الجمهور وصارت بمثابة الأنواع الأكثر شهرة وأهمية مثل أفلام الرعب وأفلام الحركة وأفلام الجريمة وأفلام المغامرات وهي التي احتلت مساحة واسعة من العرض كما نالت اهتماما جماهيريا واسعا.

بالطبع هنالك استثناءات أخرى تتعلق بأفلام الخيال العلمي وأفلام السيرة الذاتية وغيرها من الأنواع الفيلمية التي لها في الغالب جمهور محدود، إلا أننا في المقابل ومع موج التراجيديا يجري إغفال الكوميديا كنوع مهم وجدير بالاعتبار وأن نتوقف عنده بعناية.

فالكوميديا منذ الإغريق ظلت تستقطب جمهورا واسعا، ذلك الجمهور الذي يبحث عن فن الإضحاك والسخرية والاستعارات الكوميدية فضلا عن الشخصيات الكوميدية المؤثرة.

من هنا يمكننا النظر إلى هذا الفيلم للمخرج جيم أوهانلون، سيناريو ستيف داوسون، أندرو داوسون وآخرين، هذا الفيلم يعيد إلينا متعة الكوميديا الإنجليزية من خلال السخرية الفطنة من الحياة الأرستقراطية ودهاليزها وطباع ناسها المثيرة للعجب والدافعة نحو مزيد من الفضول.

ها نحن في إنجلترا عام 1931؛ حيث كانت أمة منقسمة طبقيا وتعاني من ركود اقتصادي، لكن عائلة دافنبورت، التي سكنت منزل أجدادها منذ أربعة قرون أو يزيد، لا تشعر بأي قلق من هذا القبيل وغير معنية باضطرابات العيش ولا بالفقر، فهي تعيش في قصر فخم يضم عشرات الغرف والصالات في بيئة خضراء مفتوحة وحيث ينتشر الخدم والحرّاس والطبّاخون والمساعدون في أرجاء المكان من الرجال والنساء.

هنا يخبرنا الراوي، الذي لن نتمكن من كشف هويته، إلا في النهاية؛ حيث يقول: «كانت عظمة «فاكهام هول» شاهدة على البذخ وإرث عائلي خالد. لقد عاشوا حياة مترفة ولم يبذلوا جهدا يُذكر لتحصيل قوت يومهم».

في موازاة ذلك ينقلنا المخرج وفريق السيناريو إلى منظومة اجتماعية راسخة وهي المنظومة الأرستقراطية؛ حيث زواج الأقارب هو الحل لديمومة تلك العائلات الثرية، ولهذا يتم ترشيح ابنة اللورد دافينبورت، يقوم بالدور الممثل دامين لويس لغرض الزواج من ابن عمها، واللعبة في حد ذاتها تنطوي على السخرية من خلال يوميات العائلة، ثم هروب ابنة اللورد للحاق بأحد خدم القصر وهو يعيش في فقر مدقع رافضة الزواج من ابن عمها.

في المقابل سوف يتم الزج بشخصية استثنائية سيكون ظهورها كافيا لقلب الأمور رأسا على عقب وذلك من خلال مجيء أيريك نون، يقوم بالدور الممثل بين رادكليف، إذ يكلف بحمل رسالة إلى قصر فاكهام وينطلق إلى هناك بدراجته الهوائية لتصدمه روز ابنة اللورد -تقوم بالدور الممثلة توماسين مكينزي ثم ليدخل القصر حاملا الرسالة، فيظن رئيس الخدم بأنه جاء ليتقدم إلى عمل خادم في القصر ويقبل العمل ومن هنا يبدأ فصل آخر من المفارقات.

هنا سوف يتم استخدام السخرية لإظهار طباع كثير من الشخصيات التي تعمل في القصر، فيما بقيت مسألة تزويج ابن أخ اللورد من إحدى بناته تحديا مضحكا على الدوام وصولا إلى فشل زواج الابنة الصغرى، فتضطر الكبرى إلى الزواج، هنالك بالطبع مشاهد الصيد الأكثر سخرية وكوميديا ومشاهد الحفلات العائلية التي تنطوي على كثير من السخرية أيضا وصولا إلى مقتل اللورد وبدء التحري الكوميدي وات -يقوم بالدور الممثل توم هيل فهو يجعل كل العاملين بالقصر يشكون ببعضهم ولكل واحد منهم مصلحة ما في التخلص من اللورد، هذه الأحداث التي تم خلالها المزج ما بين السخرية والفارس والكوميديا والاستعارات المضحكة وبين التحري والجريمة لم تعكر المسار الكوميدي للفيلم وصولا إلى قرار ابنة اللورد موافقتها على الزواج من ابن عمها فيما يكون أيريك نون رازحا في السجن ثم الانتقال إلى الانقلاب الدرامي الجذري عندما يثبت أن إيريك ليس إلا الشقيق الأكبر وأبن أخ اللورد الذي فقده منذ عقود وها هو يعود فجأة.

اهتم كثير من النقاد بهذا الفيلم وكانت لهم وجهات نظر متعددة نستعرض من بينها رأي الناقدة نيل مينو في موقع روجر ايبيرت التي تقول: «تكمن جاذبية هذا العمل في العناصر التي يحاول تقويضها: أجواء القصص الخيالية في منزل ريفي ضخم، وأثاث عتيق، وشخصيات جميلة ترتدي أزياء رائعة من تلك الحقبة، وتتحدث بلهجات تتراوح بين لهجة الطبقة العليا الأنيقة ولهجة عامة الشعب اللطيفة. هذا كله يجري تقويضه بأداة صارخة وهي السخرية. هذا الفيلم من نوعية الأفلام التي تُلقي بكل شيء على الشاشة، وقبل أن تُدرك انه ليس بالضرورة أن كل شيء يبدو مضحكا، ما تلبث أن تجد سيلا من النكات المتكررة، والمفارقات المضحكة، والمشاهد الكوميدية».

أما الناقد باتريك غيبس في موقع مجلة سلاغ فيقول: «إن أسهل وأسرع طريقة لإنتاج محاكاة ساخرة هي السخرية مما لا يعجبك أو لا تفهمه، ولهذا السبب فقدت المحاكاة الساخرة الواقعية في العقد الأول من الألفية الثانية شعبيتها، وقضت على هذا النوع من الأفلام بسبب بعض الأفلام الفاشلة، أما هنا فيحتوي الفيلم على كثير من النكات الذكية والمتقنة، وسيل آخر من النكات المتداولة، بعض أكثر النكات إثارة للضحك تأتي من أبسط المشاهد، مع الالتزام بمسار المرح في الأحداث أولا وقبل كل شيء. لا يجب هنا الاستهانة أبدا بقوة الضحك وأثرها على الروح الإنسانية».

لقد نجح المخرج وفريقه في نقلنا إلى أجواء العائلات الأرستقراطية ببراعة ملفتة للنظر وخاصة أجواء القصور والحياة المترفة، قصر تاريخي ضخم، وقصص حب بين أفراد الطبقة العليا وخدمهم، وملابس فاخرة تُثير الإعجاب، وجبات شهية، وأثاث فخم، وحوارات تبدو ذكية حتى وإن لم تكن كذلك، فهي مليئة بالتوريات والاستعارات والدلالات المضحكة لأنها تُلقى في بعض الأحيان بلهجات أرستقراطية راقية وبنطقٍ مُتقن يُوحي بتدريب رفيع.

في المقابل يمكن القول إن من يمكن أن اطلق عليهن «نساء فاكهام هول» كنّ هنّ بحق من أهم ركائز الفيلم: على سبيل المثال بناء شخصية روز بمزيج من الالتزام والأناقة والرومانسية وقوة الشخصية، فيما تقابلها شقيقتها الأكثر تجسيدا لفكرة المفارقة الكوميدية سواء من خلال هروبها أو من خلال عودتها نادمة ثم تكتمل الدائرة من خلال شخصيات الأم والعمة ومديرة إدارة القصر، حيث لكل واحدة منهن حضورها المختلف والمتميز.

لقد نجح المخرج في تقديم فيلم ممتع في أحداثه لم يتجه إلى التعقيد بل ركن إلى البساطة واستطاع ببراعة أن ينقلنا إلى أجواء الثلاثينيات من القرن الماضي وخلال ذلك وظف مزيجا من الكوميديا الساخرة مع التحري والجريمة ووظف الحوار بشكل متقن فضلا عن العناية الفائقة بالمكان، الديكور والأكسسوار فضلا عن الأزياء ومجمل الجوانب البصرية المكملة.

إخراج/ جيم أوهانلون

سيناريو/ ستيف داوسون، أندرو داوسون وآخرون

تمثيل/ توماسن مكينزي في دور روز، دامين لويس في دور اللورد دافينبورت، توم فيلتون في دور أرشيبالد، توم هيل في دور المحقق وات، بين رادكليف في دور أيرك نون

مدير التصوير/ فيليب بلوباتش

مونتاج / كولين فير

موسيقى/ ديفيد آرنولد