اللامركزية الاقتصادية للمحافظات.. بين توازن المتطلبات والقدرة المالية
لم يعد تحقيق التنمية اللامركزية الاقتصادية للمحافظات خيارا تنمويا، وإنما ضرورة لضمان الاستدامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وعلى مدى السنوات الماضية واجهت المحافظات تحديات متباينة، من اختلاف مؤشر النمو الاقتصادي للأنشطة غير النفطية بالمحافظات، والحاجة إلى دعم نموها، ومحدودية الفرص الاستثمارية، وآليات الوصول إلى تحقيق التمويل الذاتي للمحافظات من خلال تعزيز إيراداتها، ونقل المزيد من الصلاحيات الاقتصادية والمالية للمحافظات لتسريع اتخاذ القرار المحلي، وتجاوز التحديات الإدارية والبيروقراطية، إلى جانب بناء قدرات المحافظات وتطوير التشريعات الداعمة للامركزية.
واستجابت خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة لهذه التحديات عبر الهدف الاستراتيجي الثالث "تعزيز اللامركزية الاقتصادية للمحافظات"؛ حيث وضعته كهدف استراتيجي في صدارة أولوياتها، من خلال مسار عملي مدعوم بالأهداف والبرامج والتمويل، وخصصت الخطة توجهات عبر عدد من السياسات والتدابير لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للأولوية، وذلك من خلال دعم القطاع الخاص المحلي وتعزيز دوره في التنمية، وتطوير التنمية الاقتصادية المحلية، وتحسين جودة الخدمات والبنية الأساسية، ورفع قدرات القيادات المحلية والإدارة اللامركزية، إضافة إلى تمكين المحافظات لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية.
وانطلاقا من مواكبة ما يشهده العالم من تطورات متسارعة وتغيرات متلاحقة في فترات زمنية قصيرة، وبما يتماشى مع "رؤية عُمان 2040"، تم تصميم الخطة وفق مسار زمني ومسار تخطيطي وتكاملي يضمن تحقيق الأهداف بكفاءة واستدامة. لذا وضعت الخطة الخمسية الحادية عشرة 34 برنامجا استراتيجيا يحقق هذا الهدف لغايات دعم التنمية المتوازنة بين المحافظات، وتعزيز المزايا التنافسية لكل محافظة، وتحقيق تنمية محلية شاملة ومستدامة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين مختلف المحافظات.
القرارات الاقتصادية والتنموية
وترتكز اللامركزية الاقتصادية في الخطة على حزمة من المسارات والمجالات الرئيسية، أبرزها تعزيز التنمية الاقتصادية المحلية، وذلك بتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تلبي الاحتياجات الفعلية للمحافظات، واستثمار المزايا النسبية والتنافسية لكل محافظة للمساهمة في تنمية مواردها وبناء اقتصاد محلي مستدام، وتحسين دخل الأسرة في مختلف المحافظات.
والعمل على رفع قدرات القيادات المحلية والإدارة اللامركزية عبر تطوير قدرات الإدارات المحلية وتعزيز دورها في تحقيق التنمية المتوازنة، ودعم استقلالية المحافظات في اتخاذ القرارات الاقتصادية والتنموية، بما يعزز كفاءة وفاعلية الإدارة المحلية. وتحسين جودة الخدمات والبنية الأساسية من خلال رفع كفاءة البنية الأساسية والمرافق العامة لاستيعاب النمو السكاني المتزايد، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات. بالإضافة إلى دعم القطاع الخاص المحلي بتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ليكون شريكا رئيسيا في تنمية الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتحفيز النمو الاقتصادي في المحافظات.
حلول ومبادرات
ومن الحلول التي طرحتها الحكومة خلال السنوات الماضية لتحقيق تنمية متوازنة في جميع المحافظات، والتركيز على تعزيز الاقتصاد الوطني وضمان استقراره، عبر دعم اللامركزية واستكمال بناء الإطار التشريعي وتعزيز الفرص الاقتصادية والاجتماعية؛ لضمان توزيع عادل لمقومات التنمية وتحقيق نمو مستدام في جميع المحافظات.
كما ترجمت الحكومة توجهاتها في تحفيز التنمية المحلية بتخصيص مصروفات أساسية في الميزانية العامة للدولة لدعم تنفيذ المشروعات ذات الأثر التنموي التي لها تأثير مباشر على تحسين حياة المواطنين في جميع المحافظات وتحقيق التنمية المتوازنة. إلى جانب ذلك جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم - حفظه الله ورعاه - بتخصيص 20 مليون ريال عُماني لكل محافظة خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة (2021 - 2025م).
كما يعد برنامج تنمية المحافظات من المبادرات التي تبنتها الحكومة لتنمية العديد من المجالات والقطاعات في المحافظات؛ حيث أظهر نتائج إيجابية في الولايات، إذ بلغ عدد المشاريع المنفذة والجاري تنفيذها ببرنامج تنمية المحافظات حتى نهاية مارس 2025م نحو 1132 مشروعا في مختلف المحافظات، وبلغ حجم إنفاق البرنامج ما يقارب 102.7 مليون ريال عُماني.
كما أسهم البرنامج في دعم الجوانب التنموية الحيوية، وشملت مجالات اقتصادية واجتماعية وخدمية، أهمها تحفيز النشاط الاقتصادي، فقد أسهمت استثمارات البرنامج في تطوير المواقع السياحية والمخططات الصناعية والتجارية والأسواق، مما جذب المستثمرين ودفع رواد الأعمال لإقامة مشروعات جديدة.
وسعى البرنامج إلى تنشيط السياحة من خلال المهرجانات التي تم تنظيمها وإنعاش السياحة، وزيادة الحركة الشرائية في الأسواق، وزيادة العوائد المباشرة للأسر المنتجة، وفتح فرص عمل مؤقتة للباحثين عن عمل.
كما تم إسناد العديد من المشاريع إلى شركات محلية تعمل في المحافظات، ما أدى إلى نقل وظائف جديدة إليها، وتقليل الهجرة إلى العاصمة مسقط، واستقرار الأهالي في محافظاتهم.
وقدرت وزارة الاقتصاد عدد الوظائف المباشرة المرتبطة بالإنفاق ضمن برنامج تنمية المحافظات بنحو 1427 وظيفة مباشرة، و428 وظيفة غير مباشرة، بإجمالي 1855 وظيفة جديدة. أما بالنسبة لتعزيز المحتوى المحلي، فقد أسهمت مشاريع البرنامج في تنشيط محلات بيع مواد البناء، ومصانع المنتجات الإسمنتية، والورش، وأصحاب المعدات الثقيلة والخفيفة، ومركبات النقل، مما عزز المحتوى المحلي.
وساهم أيضا في تحسين البنية الأساسية من خلال إسهام أعمال التحسين والصيانة، والمماشي الصحية التي أُنجزت من خلال البرنامج، في إضفاء طابع عصري أكثر جاذبية للمواقع والمخططات، وجعلها أكثر مواءمة لاحتياجات المجتمع، إلى جانب تعزيز المشاركة المجتمعية عبر مساهمة المجالس البلدية واللجان الأهلية في المحافظات في اختيار المشاريع وتحديد أولوياتها.
