No Image
عمان اليوم

6 سنوات تستحق التحية

10 يناير 2026
10 يناير 2026

صباح 11 يناير

من حق العمانيين أن يفرحوا، فهذا اليوم يذكرهم ببداية عهد جديد من عهود عُمان المزدهرة.

من حقهم أن يفرحوا بسلطانهم، هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - فقد تحققت أمامه الكثير من الرؤى التي كانت تعبر خياله وكأنها الأحلام البعيدة وهو يراجع المسودة الأولى لـ«رؤية عُمان 2040». يلتقي كل يوم مع الآمال التي كثيرا ما بشّر بها وهو يدير جلسات «الرؤية»، أو وهو يتحدث في اجتماعات مجلس الوزراء عنها أو وهو يحولها في خطاباته التأسيسية إلى خريطة طريق واضحة المعالم، أو وهو يحدّث العالم عنها وعن سقف طموحاتها الكبير.

وها هي اليوم -وفي الذكرى السادسة لتولي جلالته مقاليد الحكم- تتحول الواحدة بعد الأخرى إلى واقع معاش، رغم أن الطريق ما زال طويلا والأحلام ما زالت كبيرة.. وعُمان وشعبها يستحقون كل ذلك.

ما أصعب الطريق إلى هذا اليوم! وما أثقل الملفات التي مرت أمامه، منذ ملف الوضع المالي في الأيام الأولى، ومرورا بملف الجائحة وإلى حلم الرخاء والرفاه الاجتماعي.. وإلى ملف الأمن الإقليمي والوطني في عالم يعيش جاهليته الحديثة وتتحطم فيه القيم والمبادئ والقواعد.

كان يفتتح مصفاة نفط ويضع في الوقت نفسه حجر الأساس لمجمع ثقافي. يفتتح أكاديمية إدارية ثم يفتتح متحفا لتاريخ عُمان. يعلن عن إنشاء مركز عُمان المالي العالمي وفي اللحظة نفسها يكلف مجلس وزرائه بدراسة القضايا المجتمعية وتأثير «العولمة» على المجتمع. يا لهذا القائد الذي لا يرى عُمان في سياقها الجغرافي إنما في سياقها الحضاري.. ينظر لمستقبلها من فوق صلابة تاريخها.

كيف كان رابط الجأش ومتمسكا بمبادئ عُمان واستقلالها السياسي في لحظة وصلت فيها أسعار النفط إلى أقل من سعر تكلفة الإنتاج! وكيف كان يتمسك بالأمل واليقين وجائحة كورونا تصل إلى ذروتها والحياة تنذر بالفناء.

وكيف كان يناقش التمسك بالمبادئ والقيم والحفاظ على «السمت» العماني فيما كان العالم منشغلا عن كل ذلك بماديته وبالبحث عن طيف مشروع استثماري أو يراجع حالة استقطاب كبرى!

لا تبدو القصة قصة إنجازات ولا قائمة مشروعات، القصة أعمق من ذلك إنها قيادة، وإيمان بعُمان وحفظ للأمانة التاريخية التي أخذها جلالة السلطان على عاتقه وهو يتسنم عرش عُمان العظيم. لكن هذه القيادة ليست قيادة إدارة، إنها قيادة حضارة. كل خطوة يخطوها من أجل عُمان هي في سياق حضارتها وفي سياق امتدادها العريق.

نفرح لك من قلوبنا

لقد أتاحت لك المقادير أن تكون جزءا من عظمة عُمان، وأن تضيف لها كما فعل أجدادك وأسلافك من العمانيين الذين بنوا من أجل عظمة هذه اللحظة.. لقد أتاحت لك المقادير أن ترى ما حلمت به ذات «رؤية» على أرض الواقع.

لكن الرؤى لا تُقاس إلا بما يثبت منها في البنية العميقة للدولة. والرؤية حين تصير نظام عمل، تصبح «مؤسسة» وتصير مدرسة في إدارة الزمن لا في إدارة اللحظة. ولذلك فإن ما يُدهش في السنوات الست هو طبيعة ما تغيّر في طريقة التفكير نفسها: انتقال عُمان إلى منطق المبادرة، ومن توازنات الضرورة إلى توازنات الاختيار.

أصعب ما واجهتهُ لم يكن أن تُعلن - أيدك الله - الطريق، بل أن تمشيه دون أن تتنازل عن روح عُمان. كثيرون ينجحون في أن يربحوا معركة مالية ويخسروا أخلاق الدولة. وكثيرون ينجحون في أن يرفعوا مؤشرات ويخفضوا ثقة الناس. أمّا أن تمسك بالخيطين معا؛ أن توازن بين الإصلاح والإنصاف، وبين الانضباط والحسّ الاجتماعي، وبين الاقتصاد ومعناه الإنساني.. فذلك النجاح الكبير الذي لا يتسنى للكثيرين في هذا العالم.

في كل لحظة من هذا المسار كان الإنسان حاضرا بوصفه رأس المال الحضاري. وما زلتَ تخوض به معركة الوعي. معركة أن يصبح المواطن أقدر على المنافسة، وأقدر على إنتاج المعنى من عمله، وأقدر على أن يرى في ذاته شريكا في المشروع الوطني لا متلقيا له. وما أوسع الفارق بين دولة تُشيّد الجدران ودولة تُشيّد الوعي.

نقرأ السنوات الست كما يقرأ المؤرخون البدايات الكبيرة: بدايات لا تعِد بالكمال، لكنها تُقيم الاتجاه. والمهم في الاتجاه أنه يخلق لغة جديدة للتخطيط، والقياس، والمراجعة، وتصحيح المسار. ثم يخلق من ذلك كله تقليدا إداريا جديدا تكون الدولة فيه قادرة على أن تتعلم من أخطائها دون أن تخجل، وأن تُغيّر دون أن تتعالى، وأن تصر دون أن تتصلب.

ستتطلب السنوات القادمة أكثر بكثير مما طلبته السنوات الماضية. ستطلب توازنا أدق بين السرعة والعمق، وبين الطموح والإنصاف، وبين الاقتصاد ومعناه الاجتماعي. لكنها، في الوقت نفسه، ستجد أمامها أساسا أقوى مما كان، أساسا بُني في سنوات صعبة ولذلك سيبقى أكثر رسوخا وصلابة.

تحية لك.. لأن كل شيء وضع في مساره.

تحية لك.. لأن قيادتك قيادة بناء زمن وحضارة.

تحية لك.. لأن عُمان، في العام السادس من حكمك، تبدو أكثر قدرة على أن تمضي إلى ما تريد.

وأكثر قدرة على فهم قوتها وقوة تاريخها.

ومن حق العُمانيين أن يفرحوا..

لكن من واجبهم أيضا أن يحموا هذا الفرح بالعمل، وأن يجعلوا من هذه السنوات درسا لا ذكرى. والمجد لا يأتي هدية.. ينتزع بالصبر واليقين.

بوركت وبورك طريق المجد الذي تسير، وبناء الحضارة الذي تبني.

رئيس التحرير