د. إبراهيم الأغبري: العلماء كانوا صمّام أمان الهوية الدينية والاجتماعية في عُمان
01 يناير 2026
حوار: ماجد بن حمدان الندابي
01 يناير 2026
التجربة العُمانية قدّمت نموذجا مبكرا للشورى والاستقلال السياسي -
يمثل التاريخ العُماني أحد المرتكزات العميقة في بناء الهوية الوطنية والإسلامية، بوصفه تاريخا تَشكّل في تفاعل دائم بين الدين والسياسة والمجتمع، وراكم عبر القرون تجربة حضارية متفردة حافظت على خصوصيتها داخل الفضاء الإسلامي العام. فمنذ دخول العُمانيين المبكر في الإسلام طواعية، تبلورت ملامح وعي ديني وسياسي اتسم بالاستقلال والشورى والالتزام بالقيم الأخلاقية، وأسهم في صياغة شخصية عُمانية حاضرة في ميادين العلم والدعوة والملاحة والتجارة وبناء الدول.
وفي هذا السياق، يأتي هذا الحوار مع الدكتور إبراهيم بن يوسف الأغبري أستاذ التاريخ بكلية العلوم الشرعية، ليقدم قراءة علمية معمقة في موقع التاريخ العُماني ضمن منظومة التاريخ الإسلامي، وما يحمله من أبعاد هوياتية لا تنفصل عن مسار الأمة. ويتناول الحوار إشكالية حضور التاريخ العُماني في الوعي الإسلامي العام، ودور العلماء والفقهاء في حفظ الهوية الدينية والاجتماعية، وتجربة الإمامة بوصفها نموذجا سياسيا عبّر عن تلازم الدين والسياسة، وأسهم في ترسيخ قيم العدل والشورى والمسؤولية.
كما يضيء الحوار الأبعاد الحضارية والدعوية للدور العُماني خارج حدوده الجغرافية، حيث شكلت رحلات العمانيين إلى شرق إفريقيا وبلاد آسيا امتدادا للهوية الإسلامية العمانية، وحملت معها قيم الإسلام في التسامح والتعايش واحترام الإنسان، فغدا الحضور العُماني نموذجا مشرقا للدعوة بالفعل قبل القول. ولا يغفل الحوار التحديات المنهجية التي تواجه الباحثين في كتابة التاريخ، والحاجة الملحة لإعادة تقديم التاريخ العُماني بلغة معاصرة تحفظ أصالته، وتقربه من وجدان الأجيال الجديدة، بوصفه عنصرا فاعلا في بناء الوعي الوطني وترسيخ الهُوية الإسلامية.
كيف تنظرون إلى موقع التاريخ العُماني ضمن منظومة التاريخ الإسلامي العام؟ وما العوامل التي جعلته متفردا في هذا السياق؟
يعد التاريخ العُماني مكونا أساسيا في منظومة التاريخ الإسلامي، إذ جاء كجزء أصيل في مجريات الأحداث العامة، وورد متداخلا في كل السياقات السياسية والعلمية والاقتصادية والجغرافية. كما دلت المصادر التاريخية العربية والإسلامية على حضور واضح للتاريخ العماني، حيث شكل أبوابا مهمة في رسم صورة التاريخ الإسلامي، مثل ما جاء عند الطبري في «الأمم والملوك»، وابن الأثير في «الكامل»، وابن كثير في «البداية والنهاية»، وغيرها، بحيث لا يكاد يخلو مصدر تاريخي، سواء متقدما أو متأخرا، من ذكر عُمان، وهو ما يعكس فاعليتها واستمرارية حضورها في الأحداث التاريخية الإسلامية.
ويرجع حضور التاريخ العُماني في المنظومة التاريخية الإسلامية إلى مجموعة عوامل، أبرزها الامتداد الزمني الذي يعود بعُمان إلى عصور ما قبل الميلاد، فقد شكل عمقا حضاريا منح تاريخ عُمان طابعا تراكميا مستمرا حافظ على هويتها الثقافية والسياسية. كما مثل العامل الجغرافي دورا مهما في الحضور العُماني، فقد كان لموقع عُمان على مدخل الخليج وارتباطها بالبحار والمحيطات أثره في الانفتاح على العالم الخارجي، واتصالها بالحضارات الإنسانية في الهند والصين وسواحل شرق إفريقيا وغيرها عبر النشاط البحري، مما أتاح لها حضورا مبكرا ودورا فعّالا في التجارة الإسلامية والعالمية على حد سواء.
وللنظام السياسي الذي ساد عُمان على امتداد تاريخها أثر كبير في بروز التاريخ العُماني، ذلك أن عُمان تبنت نظام الإمامة القائم على الاختيار والشورى، لا الوراثة كما ساد في المجتمعات الأخرى، لا سيما في عصر الدولتين الأموية والعباسية. وقد منح هذا النظام التجربة السياسية العُمانية طابعا خاصا، وأسهم في ترسيخ مفهوم المشاركة والشرعية الدينية في الحكم، بالإضافة إلى منحها استقلالا سياسيا وفكريا مغايرا، ما جعل التاريخ العُماني ذا خصوصية واضحة ضمن منظومة التاريخ الإسلامي.
ولا ننسى المرجعية المذهبية الإباضية في عُمان، التي شكلت إطارا فكريا واجتماعيا خاصا، وتركت أثرا عميقا في التنظيم السياسي والقضائي والاجتماعي، وفي طبيعة الإنتاج العلمي والتأليف، مما جعله جزءا لا يتجزأ من منظومة التاريخ الإسلامي، ومتفاعلا مع قضايا المجتمعات الإسلامية المختلفة عبر العصور.
هل يمكن القول إن التاريخ العُماني ظل حاضرا في الوعي الإسلامي العام، أم أنه تعرض للتهميش؟
نعم يمكن القول إن التاريخ العُماني لم يكن حاضرا في الوعي الإسلامي العام، وظل حضوره مقتصرا بشكل غير مباشر في كتب التاريخ والتراجم، والفقه، والأنساب، وأخبار البحر والتجارة، وغاب أغلبه عن الوعي الإسلامي، وذلك بسبب الاختلال في مناهج التدوين التاريخي، حيث تركّزت أغلب المصنفات التاريخية الإسلامية على رصد الوقائع في مراكز الخلافة في المدينة، ودمشق، وبغداد، بوصفها مراكز القرار في الدولة الإسلامية، مما ساهم في إقصاء الأقاليم البعيدة عنها جغرافيا، ومنها عُمان، لا سيما مع غلبة النظام السياسي في التاريخ الإسلامي المتمثل في الخلافة الإسلامية الشرعية التي سادت بلاد الإسلام قاطبة، وهو ما قلل من الاهتمام بالتجربة السياسية المستقلة في عُمان والمتمثلة في الإمامة العُمانية، إذ عدت خارجة عن النطاق العام الذي رسمه نظام الحكم في العالم الإسلامي، كما ضعف تداول المصادر التاريخية والفقهية العُمانية خارج النطاق الجغرافي والمذهبي العُماني، مقارنة بالمصنفات التاريخية الإسلامية الأخرى، بيد أن الدراسات الحديثة أسهمت إسهاما واضحا في إعادة تشكيل الوعي الإسلامي حول التاريخ العُماني من خلال مراجعة وفحص الكتابات التقليدية، وتوسيع أفق فهم التاريخ الإسلامي بوصفه تاريخا متعدّد المراكز والتجارب، لا مسارا واحدا، فبرزت على إثر ذلك دراسات تاريخية قام بها باحثون خارج النطاق الجغرافي والمذهبي لعُمان، منها الصراع الداخلي في عُمان خلال القرن العشرين لإبراهيم محمد شهداد، وعُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث لحسين عبيد غانم غباش، ودولة اليعاربة في عُمان وشرق إفريقيا 1624-1741م لعائشة السيار، وغيرها، وقد اعتمدت الدراسات المعاصرة على مصادر عُمانية متنوعة في التاريخ والفقه، والسير، والرسائل، وكتب الأنساب، والمراسلات العلمية، فوسعت بذلك مفهوم المصدر التاريخي في الوعي الإسلامي، ودخل التاريخ العُماني بداية الاندماج مع مكونات الفكر الإسلامي، الذي نأمل أن يساعد في إعادة قراءة تاريخ عُمان بوجه جديد.
كيف أثر دخول العُمانيين المبكر في الإسلام على مسارهم التاريخي اللاحق؟
لقد أسس الدخول المبكر للعُمانيين في الإسلام لمسار تاريخي مهم تمثل في رسوخ التدين واستمراريته في الوسط العُماني. فقد اعتنق العُمانيون الإسلام طواعية منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان لقبول الملكين عبد وجيفر للدعوة النبوية وتثبيت حكمهم في عُمان أثره في ترسيخ الشعور بالانتماء للإسلام ودولته من جهة، وتعزيز موقع عُمان السياسي بالنسبة لمراكز الدولة الإسلامية من جهة أخرى.
ومهد هذا السياق لاحقا لظهور نظام الإمامة وتبلور تقاليد الحكم والشورى في وقت مبكر مقارنة بغيرها من الأقاليم، بما ارتبط بهذه التجربة من نشاط علمي واسع، وتوسع حركة التأليف في إطار الفكر الإباضي والنظام السياسي المستقل، ما أسفر عن وعي ديني متزن، يتميز بالوسطية والعملية، ويقدّم أخلاقا وسلوكا رفيعا. وقد أسهم ذلك في نشوء فقه واقعي مرتبط بحياة الناس اليومية، وهو ما ميّز التجربة الفقهية والسياسية العُمانية.
كما سمح هذا الدخول المبكر للاندماج السريع في المنظومة الإسلامية، والمشاركة في الدفاع عن الدولة الإسلامية ونشر الإسلام عبر الفتوحات والدعوة. وقد دفع ذلك العُمانيين لاحقا لمواصلة الجهود الدعوية، فقاموا بنشر الدعوة في الهند ومناطق جنوب شرق آسيا، والصين، وشرق إفريقيا، مستفيدين من موقع بلادهم المميز ونشاطهم البحري الواسع. وهكذا أصبح العُمانيون جزءا فاعلا من الحركة الإسلامية الكبرى في مجالات الملاحة والتجارة، والعلوم والدعوة، والسياسة والحكم.
ما أبرز ملامح التفاعل بين الدين والسياسة في التجربة العُمانية؟
تعد التجربة العُمانية من أغنى التجارب الإسلامية في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة على امتداد التاريخ الإسلامي، وتبرز ملامح هذا التفاعل في جوانب متعددة، أهمها نظام الإمامة بوصفه الإطار الذي يجمع بين الدين والسياسة. فهو يجسد طبيعة الشراكة بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية، حيث يشارك العلماء في اختيار الإمام وفق ضوابط وشروط محددة للشخصية المناسبة، وترتبط سلطة الإمام بالمسؤولية الدينية داخل المجتمع.
ويتجلى التفاعل أيضا في دور العلماء السياسي، إذ يمثل العلماء في التجربة العُمانية ركيزة أساسية في حياة المجتمع، فهم يراقبون أداء السلطة، ويوجهونها للالتزام بأحكام الشريعة، ومراعاة مصالح الناس، مما أسهم في منع طغيان أو استبداد السلطة. كما أن القرار السياسي في التعيين أو العزل كان يتم توجيهه من قِبل العلماء، وهو ما أكدت عليه المصادر التاريخية في مواقف عدة، مثل قيام الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي بعزل الإمام محمد بن أبي عفان ومبايعة الإمام الوارث بن كعب الخروصي عام 179هـ.
ويبرز التفاعل أيضا في حالات ضعف نظام الإمامة أو سقوطه، حيث يحرص العلماء على منع الفوضى الفكرية والسياسية، والسعي نحو إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والسياسة، وقبول المصالحة والتسويات بما يحفظ الاستقرار داخل المجتمع العُماني.
ما الدور الذي لعبه العلماء والفقهاء في حفظ الهُوية الدينية والاجتماعية لعُمان عبر العصور؟
قام العلماء بدور محوري في حفظ الهُوية الدينية والاجتماعية على امتداد التاريخ العُماني، يتمثل في البداية في ترسيخ المرجعية الدينية الإباضية، وذلك ضمن نظام الإمامة الذي جمع بين الدين والسياسة، ونظّم حياة المجتمع من خلال تطبيق مبادئ الشورى، والعدل، والمساواة. أسهم هذا التنظيم في بناء وعي سياسي وأخلاقي حافظ على تماسك المجتمع، وجعل الهُوية الدينية عامل استقرار في حياة الناس.
وشكل ارتباط الناس بالعلماء والفقهاء في عُمان جانبا مهمّا في حفظ الهُوية الدينية والاجتماعية، إذ اندمج العلماء مع الناس وارتبطوا بحياتهم اليومية من خلال مجالس الإفتاء، والعمل القضائي، وحلقات التعليم، ومواطن حل النزاعات. هذا الحضور العملي جعل الدين جزءا حيّا من السلوك الاجتماعي، وأسهم في توحيد القيم وضبط العلاقات المجتمعية.
كما كانت المؤلفات أداة مركزية في حفظ الهُوية الدينية والاجتماعية، حيث وثقت المؤلفات الشرعية والتاريخية والأجوبة الفقهية الأعراف المحلية وعادات الناس وتقاليدهم، ونظّمت شؤون المجتمع وربطت بين النص الشرعي والواقع المعيشي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: كتاب بيان الشرع للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، وكتاب المصنف للشيخ أحمد بن عبدالله الكندي، وغيرهما.
ما الأبعاد الحضارية والدعوية التي تركها العُمانيون أثناء رحلاتهم التجارية والعلمية لشرق إفريقيا وبلاد آسيا؟
لقد شكلت الرحلات التجارية العُمانية إلى بلاد آسيا وشرق إفريقيا أبعادا حضارية ودعوية تجاوزت الجانب الاقتصادي، وأسهمت في تشكيل شبكة علاقات ممتدة بين عُمان وشعوب هذه البلدان. ففي الجانب الحضاري، ساهمت هذه الرحلات في خلق تواصل مستمر، نقلت عبره العادات والتقاليد وأساليب العيش العُمانية، ومظاهر الحياة الاجتماعية مثل الأعياد والملابس والممارسات اليومية، وفتحت آفاقا جديدة للتبادل الثقافي بين الشعوب، وقد امتزجت اللغة العربية بلغات الشعوب المحلية، ما أتاح نشوء خطاب لغوي متنوع ومركب؛ ففي بعض بلاد آسيا مثل الهند وسيرلانكا أصبح الخطاب مزيجا بين السندي والعربي، فيما في شرق إفريقيا ظهرت اللغة السواحلية التي جمعت بين العربية ولغة البانتو، وغدت لغة التجارة والحياة اليومية، وسرعان ما انتشرت في غرب ووسط إفريقيا بحكم غناها ومرونتها، حاملة معها الثقافة الإسلامية والقيم الحضارية المرتبطة بها.
ولم تقتصر هذه التأثيرات على اللغة والثقافة اليومية، بل شملت تنظيم المدن والموانئ وبناء الأسواق والمساجد والمراكز التعليمية، مما أسهم في نشر نمط حياة حضاري متكامل. كما تركت الرحلات أثرا في الفن والمعمار، فانتشرت الأساليب العُمانية في تصميم المباني والحرف التقليدية، مما أسهم في تشكيل هُوية حضرية مشتركة بين المجتمعات الساحلية. وعلى الصعيد الدعوي، كانت الرحلات العُمانية وسيلة لنشر القيم الإسلامية الأصيلة، إذ أسهم العُمانيون في تعليم القرآن ومبادئ الدين وتأسيس حلقات العلم، ما ساعد في تخريج دعاة محليين ساهموا بدور فاعل في ترسيخ الإسلام بين الشعوب المتنوعة.
ونتج عن هذه الرحلات والهجرات التجارية العُمانية نشوء موانئ مزدهرة ومراكز حضرية، حيث شارك العُمانيون في بناء الأسواق والمرافئ والقلاع والحصون، فضلا عن إنشاء المساجد والأحياء، وتخطيط المدن وفق النمط السائد في عُمان. وأصبح البناء والتنظيم العمراني بذلك شاهدا حيا على الحضور الإسلامي العُماني في بلاد آسيا وإفريقيا.
أما الأبعاد الدعوية، فتتمثل في انتشار الإسلام في المدن الساحلية التي وصلها العُمانيون، ولم تقتصر جهودهم على الساحل فقط، بل امتدت إلى المدن الداخلية. ففي إفريقيا، ساهم العُمانيون في نشر الإسلام إلى وسط وغرب القارة، واخترقوا الأدغال والغابات. وبرز من بينهم دعاة بارزون، مثل حميد بن محمد المرجبي ووكيله محمد بن خلفان البرواني، اللذين أسسا إمارة عمانية في أعالي الكونغو، وجذبا العديد من التجار الأفارقة الذين ساهموا في نشر الإسلام داخليا، وظل تأثيرهم قائما حتى وفاة المرجبي عام 1905م، كما وصل التأثير العماني إلى أوغندا، حيث نجح الداعية العماني أحمد بن إبراهيم العامري في تحويل قبائل البانتو إلى الإسلام.
وعن التعليم والدعوة، اهتم العمانيون بإنشاء حلقات علمية في المساجد ومراكز التعليم، بهدف تعليم مبادئ الإسلام واللغة العربية. وأسهمت هذه الجهود في تخريج دعاة محليين قاموا بدور واسع في نشر الدين وترسيخه، بما يعكس الأبعاد الحضارية والدعوية العميقة لتاريخ عُمان البحري والتجاري.
إلى أي مدى استطاعت عُمان أن تمثل وجها مشرقا للإسلام في تعاملها مع الشعوب الأخرى؟
لقد وفّق العمانيون في نقل قيم الإسلام الأصيلة في تعاملهم مع الشعوب الأخرى، إذ تأسس حضورهم منذ البداية على التواضع وعدم التعالي على الناس، فبنوا علاقات قائمة على الشراكة، وتجاوزوا ذلك أحيانا إلى المصاهرة مع الأهالي، كما حدث في الهند وشرق إفريقيا، وهو ما جعلهم مقبولين ومؤثرين في المجتمعات الأخرى. كما جسّد العمانيون القيم الإسلامية في الصدق والأمانة واحترام الإنسان، فجعلوا تعاملهم ترجمة حيّة لمقاصد الإسلام، مما أكسبهم ثقة الشعوب التي احتكّوا بها.
وقد ورد لدى المؤرخ الصيني تشانغ زون يان أن الإمبراطور الصيني أطلق على المبعوث العماني الشيخ عبدالله الصحاري لقب «جنرال الأخلاق الطيبة»، وهو دليل على تقدير الآخرين للسلوك العماني، كما كانت سيرتهم الطيبة وأداؤهم للفرائض الدينية أداة دعوة أولى؛ حيث يُرى الإسلام في معاملاتهم قبل أن يُسمع في كلماتهم، ومن ذلك ما ذكره المغيري في جهينة الأخبار بأن ماليندي كانت تُعرف بـ«عُمان الصغيرة» نظرا لكثرة قاطنيها من أهل عُمان، وأكد على التزامهم بالصلاة وتلاوة القرآن، وغرسهم قيم الدين والأخلاق في صغارهم، بالإضافة إلى تمسكهم بهُويتهم العُمانية الأصيلة.
إلى جانب ذلك، حرص العمانيون على احترام خصوصيات المجتمعات التي وصلوا إليها، فلم يسعوا إلى طمس هويتها، وتجنبوا فرض الدين أو المذهب على الناس، وابتعدوا عن استغلال النفوذ السياسي أو القوة العسكرية ضد الشعوب، بل كانوا على العكس، يقفون مع قضايا الأمة في مواجهة العدوان، ومن الأمثلة على ذلك رسالة أهالي الصومال الموجهة إلى الإمام سلطان بن سيف بن مالك بعد نجاحه في تحرير مسقط من الاحتلال البرتغالي عام 1650م، حيث تضمنت تهنئته بالنصر، ومطالبته بالمساهمة في تحرير الصومال، وقد لبّى الإمام النداء، وتحررت الصومال عن طريق الأسطول العماني الذي انسحب فورا بعد تسليم البلاد لأهلها، فأرسل الأهالي رسالة شكر ثانية تعبيرا عن امتنانهم للإمام على تحريرهم من الاحتلال.
هذا السلوك العماني في تعاملهم مع الشعوب الأخرى أسهم في إظهار وجه الإسلام المشرق، بوصفه دينا عالميا قابلا للتعايش مع جميع المجتمعات، ويعكس قيم التسامح والعدالة والاحترام المتبادل التي تُعدّ من أبرز ملامح الشخصية العمانية الإسلامية.
ما التحديات التي تواجه الباحثين في كتابة التاريخ من منظور علمي وموضوعي؟
توجد تحديات حقيقية ومتعددة في كتابة تاريخ عُمان من منظور علمي وموضوعي، أبرزها ندرة المصادر الأصلية التي تتناول التدوين التاريخي للأحداث الجارية في عُمان، خاصة في القرون الهجرية الأولى، واستمر هذا النقص حتى القرن الخامس، حينما ظهر كتاب الأنساب للعوتبي الذي غطى جزءا مهما من تاريخ عُمان، ثم حدث انقطاع في عملية التدوين حتى القرن الثاني عشر الهجري، حيث جاء كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة للأزكوي مستعرضا أحوال عُمان في القرون التي سبقته، كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين لحميد بن رزيق، ثم تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان للشيخ نور الدين السالمي.
الذي دوّن فيه أحداث عُمان التاريخية حتى عصره، وقد أسهمت هذه الانقطاعات وتفاوتها الزمني في غياب أحداث مهمة وخلق فجوات في بعض الحقب، مما شكّل تحديا كبيرا أمام الباحثين، إذ تطلب منهم قدرا عاليا من النقد والمقارنة والتحقيق والبحث عن مصادر تغطي المساحات المفقودة.
كما جاء جزء كبير من المادة التاريخية العُمانية مبثوثا في المؤلفات الشرعية والسير العلمية ورسائل العلماء والأئمة والأجوبة الفقهية، ولم يُدوَّن في إطار تاريخي مستقل بالمعنى الاصطلاحي، وتكمن الإشكالية الحقيقية هنا في صعوبة استخراج الحدث التاريخي وتحليله، ثم وضعه ضمن سياقه الزمني وتحديد انعكاساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن الحاجة إلى منهج نقدي قادر على استنطاقها وإعادة تركيبها ضمن المعطيات التاريخية، نظرا لتداخلها مع نظم معرفية مختلفة.
إلى جانب ذلك، يواجه الباحث تحديا منهجيا في المقارنة بين التجربة السياسية العُمانية وتجارب إسلامية مماثلة، ويرجع ذلك إلى ضعف الاندماج بين التاريخ العماني والذاكرة في الدراسات الإسلامية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى قراءات منعزلة وبعيدة عن السياق الإسلامي العام.
كيف يمكن التوفيق بين الروايات المحلية والمصادر الأجنبية في دراسة تاريخ عُمان؟
يمكن التوفيق بين الرواية العُمانية والمصادر الأجنبية في دراسة التاريخ العُماني عبر منهجية علمية نقدية تراعي خصوصية كل مصدر، بهدف الاستفادة من جميع المصادر دون إلغاء أي منها. ويتم ذلك من خلال مسارات متعددة، أهمها تقديم الرواية المحلية بوصفها الإطار المرجعي الأساسي في كتابة التاريخ العُماني، نظرا لقربها من الحدث ومعرفتها بالبنية الاجتماعية والدينية والسياسية لعُمان، ولأن تدوينها جاء في معظمه عن طريق العلماء، فهي تحمل قدرا عاليا من الموثوقية مقارنة بما ورد في المصادر الأخرى. وفي الوقت نفسه، تُستفاد المصادر الأجنبية لسد الثغرات، والاستعانة بها في تفسير وتحليل بعض الأحداث.
وينبغي قراءة المصادر الأجنبية في ضوء دوافعها؛ سواء كانت تجارية، استعمارية، تنصيرية، استشراقية، أو وفق توجهات سياسية أو دينية أو مذهبية، وعدم التعامل معها بوصفها روايات محايدة تهدف إلى خدمة تاريخ عُمان بشكل متجرد، بل باعتبارها وجهة نظر خارجية تمثل رؤية مؤلفها. ومن ثم يمكن الاستفادة من ما يتوافق منها أو يقترب من الرواية المحلية.
كما يمكن التوفيق بين الروايات المحلية والمصادر الأجنبية من خلال مقارنة الأحداث المشتركة الواردة في كلا النوعين من المصادر، ورصد نقاط الاتفاق والاختلاف، ثم تفسير تلك الاختلافات بالعودة إلى السياق الزمني والمكاني، وهنا يجب الفصل بين الوقائع التاريخية الثابتة وبين التأويلات والأحكام على الأحداث؛ إذ قد ينشأ عن تفسير الواقع العُماني اعتماد على معايير لا تنسجم مع بنيته الدينية والاجتماعية، فيقدّم الأحداث بصورة مشوَّهة أو ناقصة.
ومن أبرز أسباب ذلك أن المصادر الأجنبية غالبا ما تواجه صعوبة في استيعاب آليات النظام السياسي العماني، وطبيعة المذهب الإباضي، وحجم العلاقات في البناء القبلي، مما يؤدي أحيانا إلى أحكام سطحية أو خاطئة على الأحداث.
كيف يسهم التاريخ في بناء الوعي الوطني والهُوية الإسلامية؟
يسهم التاريخ العُماني في بناء الوعي الوطني والهُوية الإسلامية بعدة أبعاد. فمن جانب الوعي الوطني، يربط التاريخ الفرد بماضي مجتمعه، ويقدّم له نماذج من التجارب والأحوال التي مر بها، مما ينشأ عنه شعور بالانتماء قائم على المعرفة والوعي بالذات الوطنية، وتشكل الأحداث التاريخية والشخصيات والمواقع الجغرافية ذاكرة وطنية مشتركة توحّد أفراد المجتمع تحت مظلة واحدة، مما يعزز الارتباط الوطني. كما يقدّم التاريخ نماذج من القيادات والرموز العُمانية التي برزت في مواطن الصمود والدفاع عن السيادة وإدارة الشأن العام، ما يرسّخ قيم الحرية والمسؤولية والتضحية في الدفاع عن الوطن.
وتأتي التجربة السياسية العُمانية المتمثلة في الإمامة، التي تجسد مبادئ العدل والشورى والحرية والتضامن، كثقافة مشتركة تسهم في بناء المجتمع. فغدا التاريخ عنصرا مكوّنا للسلوك الجمعي، يعزز حب الوطن والسعي لخدمته.
أما إسهام التاريخ في ترسيخ الهُوية الإسلامية، فيتجلى في جوانب متعددة، منها أن التاريخ العُماني يبرز حضور الإسلام كإطار ناظم للحياة العُمانية منذ دخول أهل عُمان الإسلام المبكر، مرورا بالمشاركة الفعّالة في الفتوحات ونشر الدعوة، وانتهاء بقيام الدول. هذه الأدوار مجتمعة تسهم في ترسيخ الانتماء الديني كعنصر مكوّن للهُوية، وتجسيد القيم الإسلامية، حيث يقدم نظام الإمامة القائم على أحكام الشريعة الغراء نماذج تطبيقية للعدل والشورى والتسامح، ما يحوّل الهُوية الإسلامية إلى ممارسة واقعية وتطبيق عملي يومي يغرس روح الإسلام الأصيلة بين أفراد المجتمع.
كما أسهم العلماء العُمانيون في ترسيخ الهُوية الإسلامية، إذ مثلوا المرجعية الدينية داخل المجتمع، وكان الناس يرجعون إليهم في الفتوى والقضاء والتعليم وحل النزاعات، فصار حضورهم اليومي جزءا فاعلا في حياة المجتمع، وغدا الدين أساس التعامل. وقد ارتفعت بذلك مكانة العلماء في المجتمع، وزاد احترام الناس لهم.
وزد على ذلك عناية العلماء بالتأليف، إذ جاءت المؤلفات العُمانية استجابة لحاجات المجتمع العملية؛ فقد تناولت كتب الفقه، إلى جانب مسائل العقيدة وعباداتها، قضايا المعاملات والزراعة والبحر والوقف والأحوال الاجتماعية، ما جعل الناس يرون في الكتب العلمية أدوات لتنظيم حياتهم اليومية، فحرصوا على اقتنائها ونسخها وحفظها في المساجد والبيوت وتداولها في حلقات العلم. كل ذلك ساهم في ارتباط الناس بالعلماء، فشكل هذا الارتباط ركيزة في بناء الوعي الديني والهُوية الثقافية لعُمان.
كيف يمكن لمؤسسات التعليم والبحث أن تدعم مشروعا وطنيا لتوثيق التاريخ؟
يمكن للمؤسسات التعليمية والأكاديمية القيام بدعم مشاريع بحثية يوثّق التاريخ العُماني، وتعد ضمن المشاريع الوطنية المهمة، لما لها من أثر عظيم في بناء الوعي الوطني وترسيخ الهُوية الإسلامية، ويمكنها تحقيق ذلك عبر مسارات متعددة منها، جمع المادة التاريخية من المؤلفات التاريخية والمصنفات الفقهية العُمانية، والمصادر الإسلامية العامة، والرحلات والمصادر الأجنبية، والوثائق الأرشيفية المحفوظة في المتاحف والمكتبات العالمية، بالإضافة إلى المخطوطات والوثائق العُمانية المتوفرة في دور التراث والمحفوظات، أو المحفوظة لدى المكتبات الخاصة، أو التي يحتفظ بها أصحابها، إلى جانب تدوين الروايات الشفوية الموثقة التي يقدمها العلماء وكبار السن المعاصرين والمطلعين على التاريخ العماني، كما يمكن القيام بأعمال بحثية لدراسة وتحليل المادة التاريخية ومراجعتها مراجعة شاملة وإعادة كتابتها، وفق منهجية علمية موضوعية، إلى جانب ذلك يمكن توظيف التقنيات الحديثة كمشروع لتوثيق تاريخ عُمان، وذلك لإنشاء قاعدة بيانات رقمية للمواد التاريخية، ووضع خرائط تبين المواقع العُمانية لإبراز البعد الزماني والمكاني للأحداث التاريخية العُمانية.
