الاقتصادية

كيف أسهمت «تمكّن» في إعادة تشكيل ثقافة سوق العمل الحُر؟

18 ديسمبر 2025
18 ديسمبر 2025

كتبت - بلقيس الحبسية 

في مشهد ريادي متسارع النمو، يبرز دور مبادرة «تمكن» في ترسيخ ثقافة العمل الحر وتمكين الشباب من تحويل مهاراتهم إلى مشاريع واقعية، وتجاوز التحديات في الانتقال من مرحلة المبادرات الفردية إلى بناء مشاريع واعية الأثر، قادرة على المنافسة والاستمرارية. «عُمان» رصدت من خلال هذا الاستطلاع ملامح التحوّل النوعي الذي أحدثته مبادرة «تمكّن» للعمل الحر في نسختها الثالثة، والتي جاءت بتنظيم من مركز الشباب في رسم مسارات عدد من المشاريع الشبابية، من خلال برنامج متكامل من الحلقات التدريبية والاستشارات والتجارب العملية والتحليلية.

روابط عميقة

وقالت فاطمة بنت سليمان البلوشية صاحبة مشروع «روح الجبال»: إن مبادرة «تمكّن» منصة داعمة للمشاريع الناشئة على توفير بيئة متكاملة تمكّن روّاد الأعمال من الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة البناء المنهجي. ولا تقتصر المبادرة على التدريب، بل تسهم في تعميق فهم الرياديين لهوية مشاريعهم واستعراض نماذج مقاربة لأعمالهم وأثرها المجتمعي.

وعقب استكمال البرنامج، تبرز النقلة النوعية في إدارة المشاريع عند اكتساب المهارات اللازمة لوضع استراتيجية، وقرارات أكثر وعيًا، ورؤية أوضح على المدى البعيد، بما يعكس انتقالًا من المراحل الأولية للمشروع إلى العمل المبني على فهم أعمق للقيمة المضافة ودور المشروع في المجتمع، ويسهم في بناء مشهد ريادي أكثر توازنًا واستدامة.

تنظيم القرارات المالية

وقال جاسم بن محمد الحبسي صاحب مشروع «فلوستك»: إن مبادرة «تمكّن» محطة مفصلية أسهمت في نقل المشروع من مجرد فكرة تقنية إلى مشروع عمل واضح المعالم. فقبل الانضمام إلى المبادرة، كان تركيزنا منصبا على الحل التقني ذاته، في حين أتاح البرنامج مساحة لإعادة التفكير في القيمة الحقيقية المقدمة للسوق، ونموذج العمل، ومتطلبات الاستدامة، إلى جانب بناء علامة موثوقة في قطاع يتصف بالحساسية والتقلب مثل القطاع المالي. كما أن المبادرة ساعدت على إعادة صياغة المشروع ليقدم خدمات أكثر شمولية تجمع بين التوعية، وتجربة المستخدم، وبناء الثقة، بدل الاكتفاء بتقديم تطبيق أو خدمة منفردة تقتصر على التنظيم فقط. إلى جانب اكتساب المهارة في اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا فيما يتعلق بالتسعير، والتوسع، وبناء الشراكات، وإدارة المشروع بعقلية مؤسسية ورؤية طويلة المدى، قادرة على تحقيق الأثر.

عقلية منهجية من جانبها قالت نصيرة بنت سليمان المسكرية صاحبة مشروع «زهرة فلورا»: إنه من خلال انضمامها للمبادرة «تمكّن» أن نقطة التحوّل الأساسية في مسار المشروع تشكلت لديها بعد الانتهاء من برنامج المبادرة، إذ أسهمت في تحوله من إطار الموهبة والشغف إلى مشروع يُدار بعقلية ريادية ومنهجية. وذلك بما يسهم في إعادة هيكلة أسلوب سير المشروع بصورة تمكنك من خوض غمار المنافسة في السوق. وتتمثّل المهارات التي اكتسبتها خلال البرنامج في الانتقال من تقديم خدمة تنسيق الورد إلى بناء علامة تجارية تعبّر عن أسلوب حياة ومشاعر وقيم، وليس مجرد منتج. كما أسهمت التجربة في رفع مستوى الوعي بقيمة العمل، وبأهمية تصميم تجربة متكاملة ترضي العميل، تبدأ من لحظة التواصل الأولى وتمتد حتى تسليم المنتج بجودة ومصداقية.

قناعة استثمارية مدروسة

وقال هيثم بن خالد السعيدي صاحب مشروع «الدار العُمانية للتصوير العقاري»: البرنامج أسهم في إعادة بناء طريقة التفكير في مجالات التفاوض، والإدارة المالية، وتسعير الخدمات وفق أسس احترافية واضحة. واستكمال البرنامج، استبدل المشروع عملية التسعير التقديري إلى تسعير قائم على القيمة الفعلية والعائد المحقق للعميل. والذي ساعدنا على اكتساب مهارة التفاوض، وضبط التكاليف، وتحقيق نمو ربحي أكثر استقرارًا.

وقالت علياء بنت سعيد الشنفرية رئيسة مركز الشباب: إن البرنامج يعد رحلة متكاملة لصقل العقول وتنمية المهارات، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب نحو مستقبل مهني واعد، مشيرة إلى حرص المركز على تقديم مبادرات نوعية تسهم في تعزيز ثقافة العمل الحر، وتمكين المشاركين من تحويل مهاراتهم إلى مشاريع واقعية ذات جدوى اقتصادية.

وأوضحت أن هذه النسخة من البرنامج شهدت مشاركة أكثر من 265 شابًا وشابة، تأهّل منهم 50 مشاركًا إلى المرحلة النهائية؛ حيث بلغ إجمالي إيرادات الأعمال للمشاركين المتأهلين خلال فترة تنفيذ البرنامج أكثر من 32 ألف ريال عُماني، ما يعكس الأثر المباشر للبرنامج في دعم ريادة الأعمال الشبابية.

وأضافت: إن تنفيذ البرنامج تم بالتعاون مع أكثر من خمس مؤسسات صغيرة ومتوسطة، إلى جانب ثمانية من أصحاب العمل الحر والأسر المنتجة، في إطار سعي مركز الشباب إلى تعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لبرامجه، وتعزيز الشراكة مع مختلف مكوّنات منظومة ريادة الأعمال في سلطنة عُمان.

وأوضح خميس بن ناصر الشعيبي مدير عام الخدمات المشتركة بشركة النفط العمانية للتسويق الداعمة لمبادرة «تمكّن» للعمل الحر أنه في تحول نوعي يعكس نضج التجربة؛ حيث انتقل البرنامج من مرحلة استقطاب أعداد كبيرة من المشاركين إلى مرحلة انتقائية ركّزت على نخبة من المشاريع التي استطاعت أن تبني لنفسها مسارًا عمليًا واضحًا. وقد جرى العمل مع هذه المشاريع على ترسيخ مبدأ التنافسية في السوق، من خلال تمكينها من أدوات ريادة الأعمال التي تتيح لأصحابها خوض غمار العمل الحر بكفاءة واقتدار، إلى جانب تطوير الفكر الريادي، والتوجيه، والاستكشاف المبني على احتياجات السوق.

وأشار الشعيبي إلى أن البرنامج قد أولى اهتمامًا خاصًا بالتنوع الجغرافي، بما يسهم في تعزيز الحوار بين الثقافات المحلية المختلفة، ورفع كفاءة المشاركين في مهارات التواصل والتفاوض، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع المناقصات وفرص الأعمال. وفي هذا الإطار، جرى تعزيز مفاهيم القيادة الجماعية والمؤسسية، بما يمكّن المشاركين من بناء فرق عمل متكاملة تُسهم في تسريع وتيرة نمو مشاريعهم.

كما شهدت إحدى المراحل التدريبية للبرنامج تقديم تجربة عملية عبر «خبرات نفط عُمان» أتاحت للمشاركين التعرف عن قرب على نماذج واقعية من خلال أقسام المشتريات، والمالية، والتسويق، بهدف الإلمام بمراحل الإدارة المالية وآليات إدارة المناقصات في المؤسسات الكبرى. كما شملت مراحل متقدمة من البرنامج لقاءات مباشرة مع رؤساء تنفيذيين ورؤساء هيئات معنية بمجالات عمل المشاركين، في خطوة هدفت إلى تسهيل انخراطهم في منظومة ريادة الأعمال وبناء جسور تواصل مع صُنّاع القرار.

وقد استفاد نحو 200 مشارك من المعارف والخبرات التي قدمها البرنامج، إلا أن التميز والتفوق كانا من نصيب الشركات التي نجحت في تحقيق إيرادات أعلى، وأظهرت قدرة ملموسة على تطبيق التوجيه والأدوات المكتسبة خلال فترة البرنامج، بما يعكس الأثر الحقيقي للتجربة على أرض الواقع.