الخوارزميات وتشويه الواقع وصناعة الرأي العام
16 ديسمبر 2025
16 ديسمبر 2025
الأحد الماضي، اهتزّ الرأي العام العالمي على وقع حادث إرهابي وقع أثناء احتفالات يهودية في مدينة سيدني الأسترالية، وأسفر عن مقتل ستة عشر شخصًا وإصابة 40 آخرين.
لم يكن الحادث في حد ذاته هو ما استدعى هذا الاهتمام الكثيف، بقدر ما كانت الطريقة التي جرى بها توظيفه إعلاميًا وسياسيًا، خاصة من جانب الصهيونية العالمية وإسرائيل التي خرج رئيس وزرائها الإرهابي «نتنياهو»، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. وفي غضون ساعات قليلة، تحوّل الحدث إلى صدارة الخطاب الإعلامي الغربي، واستُخدم على نطاق واسع لإعادة إنتاج سردية تُقدّم اليهود بأنهم «ضحايا للإرهاب».
هذا التفاوت الصارخ في التغطية الإعلامية بين ضحايا حادث أستراليا وضحايا جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، والاختلال الفادح في ميزان التعاطف الإنساني، لا يمكن تفسيره فقط بالانحياز السياسي التقليدي لوسائل الإعلام والمنصات، أو ازدواجية المعايير الأخلاقية الغربية، ويطرح أسئلة أعمق، مثل: كيف ولماذا تُضخَّم بعض الأحداث الصغيرة لتكون في الصدارة، وترفع إلى مستوى «قضية عالمية»، بينما تُدفع مآسٍ إنسانية أكبر إلى الهامش؟ الإجابة، في جزء كبير منها، تتعلق، في تقديري، بالدور الذي تلعبه الخوارزميات الرقمية في ترتيب أولويات الاهتمام العالمي، وصناعة الرأي العام.
كم من قضايا وأحداث محلية وإقليمية ودولية كانت محدودة الانتشار في بدايتها، وفجأة وُلِدت بفعل الخوارزميات نقاشًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي في مختلف دول العالم. وكم من قضايا وأحداث أخرى، ربما أكثر أهمية، تم دفنها بواسطة الخوارزميات نفسها، وما أحداث السودان منا ببعيد.
المؤكد أن حجم الأحداث أو القضايا لم يعد هو المعيار الذي يحكم درجة الاهتمام الدولي بها، وإنما مصالح من يملك ويوجه الخوارزميات من الشركات العملاقة والدول المستفيدة منها، والتي تريد إعادة صياغة العالم. السرعة التي تتحول بها ملاحظة عابرة إلى قضية رأي عام تؤكد أن هناك من يريد أن يشغل العالم بقضايا محددة تتوافق مع أجنداته السياسية والاقتصادية.
هذا المشهد، الذي بات مألوفًا، يعكس بوضوح الدور الذي تلعبه الخوارزميات اليوم في صناعة الاهتمام وتوجيه النقاش على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.
لم يعد الرأي العام في عصرنا الرقمي نتاجًا مباشرًا لما يُكتب في الصحف أو يُذاع في نشرات الأخبار، كما كان الحال لعقود طويلة.
دخلت الخوارزميات، بهدوء ودون ضجيج، إلى قلب العملية الاتصالية، لتعيد ترتيب ما نراه ونقرأه ونناقشه يوميًا، وتحولت من مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى إلى فاعل مؤثر في تشكيل الأولويات العامة، وفي تحديد ما يجب أن يكون في بؤرة اهتمامنا، وما يُدفع به إلى هامش هذا الاهتمام، كما يقول علماء المنطق.
عندما نفتح هواتفنا الذكية تتدفق أمامنا الأخبار والمقاطع والتعليقات في صورة تبدو عفوية ومتنوعة. هذه العفوية تخفي وراءها نظامًا معقدًا يهدف إلى إبقائنا داخل المنصة أطول فترة ممكنة.
الخوارزمية لا تهتم بما نحتاجه لنكون أكثر فهمًا وإدراكًا ووعيًا، وإنما تهتم بكل ما يدفعنا إلى التفاعل، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة. وبمرور الوقت، يصبح ما نعرفه عن أنفسنا وعن العالم من حولنا أسيرًا لرؤية المنصة، وليس تعبيرًا عن الواقع الحقيقي.
هذا الجدل ليس جديدًا تمامًا على الإعلام. فعلي مدى عقود واجهت وسائل الإعلام اتهامات متكررة بتشويه الواقع وصنع تصورات زائفة عنه. وانشغلت نظريات إعلامية مهمة، مثل نظرية الغرس الثقافي، بتحليل كيف يُسهم التعرض المكثف والمطوّل للتلفزيون في تشكيل تصورات الجمهور غير الصحيحة عن العالم، خاصة ما يتعلق بالعنف.
وناقشت نظريات أخرى، مثل ترتيب الأولويات والتأطير الإعلامي، قدرة وسائل الإعلام على تحديد ما يجب أن يفكر فيه الناس، وكيف يفكرون فيه.
الآن، وفي هذا العصر الرقمي، تجاوزت الخوارزميات هذا الدور، عبر إنتاج صور متعددة مشوّهة للواقع، تناسب كل فئة على حدة، والخطورة الأكبر في هذا الإنتاج أنه غير مرئي، وغير معلن، ولا يمكن مساءلة أحد عنه.
صحيح أن الخوارزميات لا تصنع المحتوى، لكنها تختار أي الأفكار تستحق الانتشار، وأيها يمكن تجاهله. وهي بذلك تعيد ترتيب سلم الأولويات العامة. فالقضايا المعقدة التي تتطلب قراءة متأنية تُزاحمها موضوعات سريعة الاستهلاك. والأشد خطورة أن هذا التأثير يتسرب إلى عقل المستخدم الذي يعتقد أنه حر في اختياراته، بينما هو يتحرك داخل دائرة ضيقة صُممت خصيصًا وفق تفضيلاته السابقة.
هذا الواقع أسهم في تفكك المجال العام، وانقسام النقاش فيه إلى دوائر مغلقة ومساحات معزولة، وبالتالي لم يعد الفضاء الإعلامي ساحة مشتركة للنقاش والاختلاف، وأصبح مجموعة من «الفقاعات الرقمية» المتجاورة.
فكل فئة من الناس ترى فقط ما يشبهها، وتسمع فقط ما يؤكد قناعاتها، وتظن أن ما تراه على المنصات الإعلامية هو ما يراه الجميع. ولهذا يتراجع الحوار العام، وتضعف القدرة على الاستماع للرأي الآخر والتسامح، وتزداد حدة الاستقطاب حتى في القضايا الإنسانية الصرفة.
في الحالة العربية، يخرج هذا الواقع من إطاره الإعلامي ليدخل مباشرة في نطاق الأمن القومي، ضمن ما يمكن توصيفه اليوم بـ«الحرب على الوعي».
فالتأثير الخوارزمي لم يعد مجرد خلل في التغطية الإعلامية أو انحياز في السرد، بل أداة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، وتوجيه طريقة فهم المجتمعات لما يجري حولها. ويتجلّى ذلك بوضوح في الحرب على غزة، حيث تُدار المواجهة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية عبر إدارة الوعي العالمي، وإعادة ترتيب السرديات، وتضخيم وقائع محددة، وتهميش أخرى، بما يضمن للصهيونية العالمية إنتاج مشهد مصطنع يتحول فيه الجاني إلى ضحية، ويتم من خلال ذلك شيطنة مقاومة الاحتلال.
المشهد نفسه يتكرر، بدرجات متفاوتة، في السودان واليمن، حيث تُختزل صراعات شديدة التعقيد في روايات سريعة التداول، تُنتج رأيًا عامًا رقميًا انفعاليًا، وتحوّل الفضاء الإعلامي إلى ساحة حرب على الإدراك، يصبح فيها التحكم في الوعي جزءًا لا يتجزأ من معادلات الصراع.
الدولة الوطنية العربية، في هذا السياق، لا تواجه فقط تحدي تنظيم الفضاء الإعلامي الجديد، بل تحدي الحفاظ على تماسك النقاش العام على المنصات الرقمية.
النجاح في هذه المواجهة يرتبط بتعزيز دور الإعلام الوطني المهني القادر على الحضور في الفضاء الرقمي، وتقديم الرواية المتكاملة في توقيت مناسب، وبناء جسور ثقة مع الجمهور، وعدم الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة.
ولا تقل مسؤولية أفراد المجتمع عن مسؤولية المؤسسات الحاكمة ذات الصلة بالفضاء الرقمي والإعلامي. فالمواطن اليوم لم يعد مجرد متلقٍ، وأصبح شريكًا في صناعة النقاش العام، سواء عبر إنتاج المحتوى، أو إعادة النشر، أو التعليق، أو التفاعل، وبالتالي فإن عليه أن يسأل نفسه قبل المشاركة في النقاش العام: هل تسهم مشاركتي في تعزيز الحوار وتخدم المجال العام، أم أنها قد تزيد البلبلة وتربك هذا النقاش؟
إن خصوصية التجربة العربية، والتراكم التاريخي للتوازنات السياسية والاجتماعية والثقافية، والحساسية الكبيرة التي تتعامل بها الأنظمة الحاكمة مع قضية الاستقرار والأمن القومي، تفرض علينا ضرورة التعامل مع الخوارزميات بمزيد من الحذر. فالرأي العام في المجتمعات العربية لا يجب أن يكون رهينًا لانفعالات عابرة، وإنما نتاجُ تفاعلٍ حقيقي ومتدرج تشارك فيه الدولة والمجتمع ووسائل الإعلام.
إن الحفاظ على الاستقرار في عالمنا العربي، والتفرغ لتحقيق أهداف التنمية في العصر الرقمي، مسؤولية جماعية، تشترك فيها الحكومات، والإعلام الوطني القادر على أداء دوره، والمواطن الواعي بمسؤولياته في الفضاء العام، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى بديل عن النقاش العام، وحتى لا تصبح الخوارزميات أداة لتفكيك الوعي العربي أو تهديد الاستقرار.
