اختصاصيون: الدعم النفسي والاجتماعي لأسر مرضى السرطان يقلل من الانتكاسات والصدمات
يُعد الدعم النفسي لأسر مرضى السرطان ضرورة لتفادي انتكاسات كثيرة، فالعائلة هي خط الدفاع الأول، وقوتها النفسية هي أساس رحلة المريض إلى العلاج والتعافي.
ويقدم مركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان خدمات الاستشارة والمساندة الاجتماعية والنفسية المتخصصة للمرضى وأسرهم ويساعدهم في التعامل مع التحديات والمشاعر الناجمة عن المرض ومعالجة العقبات الاجتماعية والاقتصادية، كما يسهم بوضع خطط علاجية مختصة بذلك، إلى جانب أنه يعمل على فهم احتياجات المرضى وأسرهم.
والسؤال الأهم كيف يمكن تقديم هذا الدعم بفعالية دون الوقوع في الاحتراق النفسي، خاصة أن مرض السرطان يغير مسار الحياة ويعيد تشكيل الأدوار والعلاقات بشكل جذري وعميق.
تقول الدكتورة زينة الشربتي، اختصاصي أول علاج إكلينيكي، بمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان: تحتاج الأسر للدعم بدرجة كبيرة جدا، ربما بدرجة احتياج المريض نفسه للدعم النفسي، ومن المهم أن نعلم أن المريض حين يشخّص بمرض مثل السرطان يمرُّ بمراحل الفقد كالإنكار، والقلق، والغضب، والمقايضة، والاكتئاب، والتقبل،ومن الممكن أن يتقبل الشخص المرض اليوم، ثم تعترضه أمور مختلفة، فيعود لمرحلة الإنكار مثلا.
وأوضحت الدكتورة أن هذه العملية قد تأخذ أشهرًا، وقد نرى مصابين بعد عام وعامين يبدؤون بالإنكار الذي لم يراودهم سابقًا، والعائلة مثل المصاب تمر بهذه المراحل وعليه تحتاج للدعم النفسي مثل المصاب تمامًا، موضحة أن تقدير الدعم يعتمد على طبيعة المصاب، فقد يكون المصاب أول طفل في العائلة، أو الابن الوحيد، أو من الممكن أن يكون المصاب هو الأب، المعيل الوحيد، فتفاعل الأسرة يختلف لطبيعة المصاب؛ وبناء على الحالة يتحدد مقدار الدعم النفسي.
وأشارت الدكتورة إلى أن هناك مجالات عديدة للدعم، ففي بداية التشخيص ربما تحتاج الأسرة ليد تربت عليها، ولمن يخبرها أن مشاعرها عادية ومقبولة ومتوقعة وكثيرون يمرون بها، ومن ناحية أخرى نحن مجتمع “جمعي” الكل يتكاتف فيه لتقديم المساعدة، فمن المهم تقبل دعم الأصدقاء والجيران، كما تحتاج الأسر للتوجيه من أجل إخطار المريض بحقيقة مرضه ودعمه في اتخاذ قراره، عوضا عن أخذ قرار بدلا منه، مما قد ينعكس سلبا عليه، مضيفة "شاهدنا أسرًا لا تخبر مصابها بمرضه خوفًا عليه ورغبة بحمايته، فمن المهم أن يُقدّم للمريض المعلومات التي يحتاجها وتوجيه الأسرة لدعم هذا المريض".
وأضافت: نرى كثيرًا من الأسر تتقبل الأمر بصدر رحب وروح متصالحة، لكن في المقابل نرى أسرًا لديها علامات كثيرة تدل على القلق ويُطلب منها زيارة المعالج النفسي ولكنها ترفض؛ ولكن بصورة عامة لاحظت أنه ثمة تقبلًا كبيرًا، وبعض الأسر التي تزور المركز ترغب بنفسها منذ بداية العلاج أن يكون المعالج النفسي معهم خطوة خطوة"، مبينة أنه في كثير من الأحيان أثبتت جلسات الدعم، أو الجلسات النفسية مع العائلة؛ نجاحها الفعال جدا، وغالبًا الأسر التي تطلب هذه الخدمات تكون متقبلة للوضع الصحي، لذا نجد الأثر واضحًا والنتيجة مثمرة، وأن الأمر الأساسي الذي أعمل عليه كمعالجة نفسية هي أنني أستفيد من كل التجارب والخبرات بما يناسب العائلة وأجده مفيدًا لها، لكن على نحو أساسي أركز على العلاج المعرفي السلوكي، في البدء نتعامل مع كيفية التواصل بين أفراد العائلة لأنها هذه الخطوة هي الركيزة الأولى، إذ يحدث في أحيان كثيرة أن الزوجين يمثّلان القوة، فلا يعبران عن مشاعرهما ويواجهانها بالكبت لكي لا يظهرا بالضعف، هنا يحاول المعالج أن يكتشف ما يدور بخلد أفراد الأسرة من أجل تحديد الحلول المناسبة لتجاوز المرحلة من خلال خطة واضحة، مشيرة إلى أنه أحيانًا يتم الطلب منهم كتابة المشاعر والمخاوف والأفكار في دفتر معين يوضع في مكان معين لكي يتسنى لكل فرد الاطلاع عليه وفهم الطرف الآخر، وثمار هذه العلاجات مفيد جدا، وفي أحيان لا تحتاج الأسر لجلسات طويلة.
ومن ناحية أخرى دائمًا ما نحث كل فرد في الأسرة على الاهتمام بنفسه، فكثيرا ما تترك الأخت أو الأخ أو الأب أو الأم هواياتهم ورعايتهم لأنفسهم ويكرسون جهدهم للمصاب، وهذا خطأ شائع، ونحن نشجعهم على التركيز على حياتهم والرجوع إليها إلى جانب دعم المصاب، موضحة: "دائما ما يقترن مرض السرطان بالموت، ومع الأسف هذه الأفكار المغلوطة ليست مع مرض السرطان فحسب بل مع أمراض أخرى كالأمراض النفسية، نعم على نحو ظاهر أو مبطن هذه الفكرة الخاطئة موجودة، على الرغم من أن هناك الكثير من الناجين والمتشافين الذي يعودون لحياتهم الطبيعية لاسيما مع تقدّم الطب والعلاجات، ومن المهم للإنسان أن يفعّل جميع مهاراته في التفاعل والتأقلم مع المصاب، وأن تتعامل الأسر مع الأمور ببطء، وألا تستبق الأحداث، والاستنتاجات، ودعت الأسرة دائما لكتابة كل أسئلتها وطرحها على الطبيب عند لقائه، وألا تذهب إلى الإنترنت بحثًا عن الأجوبة، فالدكتور درس سنوات عديدة ليكتسب الخبرة وليس من المنطق تجاهله والاعتماد على معلومات غير دقيقة المصدر أو مجهولة المصدر، فكثيرًا ما نرى الأسر والمصاب في حالة تخوف وقلق يصل للذعر بسبب معلومات قرأوها في الإنترنت، ودائما ما نطمئن المرضى أن المركز مزود بأفضل الخدمات ونحن معهم في جميع مراحل العلاج.
كما أولى المركز اهتماما كبيرا بتفعيل دور الأخصائي الاجتماعي على المستوى الإكلينيكي /الطبي، وهي خدمة يتميز بها المركز نظرًا لالتزامه بتقديم رعاية متكاملة لمرضى السرطان.
وفي السياق ذاته، تقول انتصار اليافعي، أخصائية اجتماعية بدائرة الرعاية النفسية والتأهيلية: يعد الأخصائي الاجتماعي أحد أعضاء الفريق المتكامل (متعدد التخصصات) الذي يقدم الرعاية اللازمة للمريض، إذ يعد حلقة الوصل بين المريض وأعضاء الفريق المتكامل، يوفر لهم المعلومات ويتبادل معهم التوصيات من أجل تحسين جودة حياة المرضى وإزالة العقبات التي تعرقل علاجهم وحياتهم، مضيفة: "ومن هنا يعد دور الأخصائي الاجتماعي بالغ الأهمية لما له من آثار حيوية في دعم المرضى وأسرهم، تتمثل في المسح الشامل حيث يقوم الأخصائي الاجتماعي بالمسح والتقييم الشامل لجميع المرضى بالمركز، بهدف فهم حالتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والعملية، ومن ثم تحديد الاحتياجات التي قد يواجها المرضى وأسرهم في مختلف جوانب حياتهم، ويسهم هذا في توفير قاعدة معلوماتية أولية عن كل مريض للفريق المعالج يمنحه فهمًا أعمق لحالة المريض، ومعرفة طرق تثقيف المرضى بالإمكانيات والمصادر الداعمة لهم في المجتمع.
كما يقدم الأخصائي الاجتماعي الدعم النفسي والاجتماعي خلال مراحل التشخيص والعلاج للمرضى وأسرهم، فهو يعمل على تقديم الاستشارة والمساندة الاجتماعية النفسية المتخصصة للمرضى الذين يمرون بظروف صعبة نتيجة للتشخيص والعلاج، ويساعدهم في التعامل مع التحديات والمشاعر الناجمة عن المرض وأيضًا العقبات الاجتماعية والاقتصادية والعملية، كما يسهم بوضع خطط علاجية مختصة بذلك، إلى جانب أنه يعمل على فهم احتياجات المرضى وأسرهم ومعرفة الإمكانيات والفرص المتوفرة والخيارات الممكنة بهدف توفير الدعم المناسب لهم؛ ومن ثم بناءً على المعطيات المتوافرة، يُقدم لهم المعلومات ويوجههم نحو المصادر الأنسب للاستفادة من خدماتها، وتوفير الدعم للمرضى من خلال المؤسسات المعنية مثل: المنظمات الاجتماعية والمؤسسات الخيرية والمؤسسات الحكومية.
وأشارت إلى أن الأخصائي الاجتماعي يسهم في عملية تكيُّف المرضى وتأهيلهم خلال العلاج وبعد انتهائه، فهو يساعدهم في التأقلم مع الحياة اليومية وفهم إمكانياتهم وقدراتهم الحالية وطرق العودة إلى المجتمع، ويوفر لهم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لاستعادة حياتهم الطبيعية، إذ يقوم بإعداد برامج تأهيلية مختصة، بناء على ملاحظاته وتحليله لاحتياجات المرضى، في مجالات عدة مثل العناية بالذات للتعامل مع آثار العلاج الكيماوي، والتوجيه لخيارات السكن والنقل خلال مرحلة العلاج والتمكين المهني، وغيرها من البرامج التي تستعين بالرعاية المجتمعية ومبادرات المؤسسات المختلفة، موضحة أن الأخصائي الاجتماعي يؤدي دورا مهما في خطة خروج المرضى من المركز بهدف ضمان تجربة خروج سلسة وناجحة للمرضى، من خلال توفير الدعم اللازم لهم ولعائلاتهم خلال هذه الفترة الحرجة، والتأكد من أن المنزل آمن لاستقبال المريض، وأن الأسرة مستعدة لرعايته بالشكل الصحيح.
وتختتم حديثها قائلة: يقوم الأخصائي الاجتماعي بمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث السرطان بمهام سامية، وهو مؤهل بمهارات عديدة تمكّنه من القيام بدوره في خدمة المرضى، فعليه أن يتحلى بالثقافة القانونية والصحية والاقتصادية والاجتماعية، والمهارات التحليلية والاستنباطية، والمقدرة على إدارة الأزمات والمساعدة في حل المشكلات والتعامل مع مختلف أطياف المجتمع.
