الاقتصادية

مؤسسات عمانية تنجح في انتاج وسائل علاجية بالذكاء الاصطناعي

11 سبتمبر 2025
11 سبتمبر 2025

لم يعد القطاع الصحي كما كان قبل عقد من الزمن؛ فالمعادلة تغيّرت بفضل تسارع وتيرة الابتكار الرقمي، وبروز تقنيات الذكاء الاصطناعي كأداة ثورية في التشخيص والعلاج وإعادة التأهيل. وبينما يشهد العالم هذه التحولات العميقة في طريقة تقديم الخدمات الطبية، تبرز سلطنة عُمان كبيئة خصبة تحتضن مبادرات ريادية يقودها شباب طموح ومؤسسات ناشئة لا تكتفي بتقليد النماذج العالمية، بل تصنع لنفسها مسارًا خاصًا قائمًا على فهم التحديات المحلية وتقديم حلول عملية قابلة للتوسع إقليميًا ودوليًا.

نشهد اليوم ثلاث تجارب عمانية لافتة: الأولى تعالج النقص الحاد في استشاريي الأشعة من خلال خدمات التشخيص الطبي عن بُعد، والثانية تسعى لتبسيط رحلة علاج الأسنان عبر منصة رقمية لتقويم الأسنان الشفاف، أما الثالثة فتمنح الأمل لمرضى الجلطات والشلل النصفي من خلال قفاز طبي ذكي يعيد التأهيل إلى منازلهم ،هذه النماذج، على اختلاف مجالاتها، تلتقي عند نقطة محورية واحدة: استثمار الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لتحويل التحديات الصحية إلى فرص ابتكار، وتقديم قيمة مضافة للمريض والطبيب والمؤسسة الصحية على حد سواء.

ريادة في الأشعة عن بُعد

تُعد مؤسسة الثقة للتشخيص الطبي التي تم إنشاؤها في عام ٢٠٢٣ لتسد النقص الحاد في أطباء الأشعة الاستشاريين من ذوي التخصصات الدقيقة، مقدمةً خدمات تشخيصية مرخّصة بالكامل بقيادة استشاريين مدرَّبين دوليًا أول شركة في سلطنة عُمان مرخّصة من وزارة الصحة لتقديم خدمات الأشعة عن بُعد على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع..

وتقوم منصتها المبتكرة على مفهوم "التوصيل والتشغيل"، بما يتيح لأي مستشفى التكامل مع النظام خلال ٢٤ ساعة، ولا تقف طموحات الشركة عند هذا الحد؛ إذ تسعى إلى التوسع في خدمات الرأي الطبي المباشر للمريض، وحلول إعداد التقارير، وبرامج الذكاء الاصطناعي، وتأهيل الأخصائيين الصحيين.

وأشار نبيل السيابي الشريك المؤسس لشركة الثقة للتشخيص الطبي أن الفكرة بدأت بعد ملاحظة الصعوبة الكبيرة في الحصول على استشاريي الأشعة المتخصصين، ووجود نقص واضح على المستوى الوطني والعالمي ، ليقرروا معالجة هذا النقص عبر توسيع نطاق عمل هؤلاء الاستشاريين المحدودين ليخدموا عدة مستشفيات في الوقت نفسه من خلال منصتهم.

وأضاف أن الشركة تعمل على تطوير نظام ذكاء اصطناعي متقدم يتولى قراءة الحالات البسيطة والمتكررة، مما يتيح للاستشاريين التفرغ للحالات المعقدة. وأوضح: "نحقق بذلك دمجًا بين سرعة الخوارزميات ودقة الخبرة البشرية لرفع جودة وكفاءة التقارير الطبية".

وأكد السيابي أن النتائج كانت مشجعة منذ البداية حيث يقول: «تمكنا منذ انطلاقنا من توقيع اتفاقيات مع ١٢ مستشفى، وأعددنا أكثر من ٢٥ ألف تقرير أشعة خلال العامين الماضيين. كما نجحنا في تغطية تكاليف التأسيس والتشغيل والوصول إلى نقطة التعادل خلال عام واحد فقط".

وفيما يتعلق بالتحديات، أشار إلى أن صعوبة الوصول إلى البيانات الطبية وارتفاع كلفة تدريب النماذج يمثلان أبرز العقبات ، إلا أن الشركة تعمل على تجاوزها عبر إعادة استثمار الأرباح الحالية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي ، كما لفت إلى أن المسألة الشرعية في اعتماد تقارير الذكاء الاصطناعي ما تزال موضوع نقاش عالمي، قائلًا: "نحن نؤمن أن الأمر سيصبح واقعًا في المستقبل، ونعمل منذ اليوم على بناء حلول متقدمة تؤهلنا للريادة عند تحقق هذا التحول".

ابتسامة ذكية

أما في مجال طب الأسنان، فقد برزت شركة بيكلير الينر بوصفها شركة عمانية ناشئة متخصصة في تقويم الأسنان الشفاف، إذ تأسست بفكرة طموحة لتسهيل رحلة المريض نحو الابتسامة التي يريدها عبر حلول رقمية متكاملة، تجمع بين الأطباء والمرضى في منظومة حديثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتحدث المهندس باسل محمد كوكش الرئيس التنفيذي، عن التجربة قائلًا: "بيكلير الينر هي شركة عمانية ناشئة متخصصة في تقويم الأسنان الشفاف، انطلقت بفكرة بسيطة ولكنها طموحة لتسهيل رحلة المريض نحو ابتسامة مثالية ، حيث توجد فجوة كبيرة في السوق بين ما يقدمه العالم الرقمي وما يحتاجه الأطباء والمرضى محليًا وإقليميًا، لذلك بنينا منظومة متكاملة تمكّن الأطباء من تقديم خطط علاج دقيقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي."

وأوضح أن الشركة لا تكتفي بصناعة المصففات، بل تطور جيلًا جديدًا من الحلول الرقمية، منها "إقرار الموافقة الذكي" المدعوم بخاصية GPT، ونظام "مؤشر التزام المريض" باستخدام تقنية NFC، وخطط علاجية ثلاثية الأبعاد مدعومة بالخوارزميات.

وأضاف: "نفخر بأننا ساعدنا المرضى على الحصول على الابتسامات التي يرغبون بها، ومنحنا الأطباء أدوات رقمية مبتكرة اختصرت وقت العلاج وخفّضت التكاليف ورفعت دقة النتائج".

وعن التحديات، أكد أن رحلتهم لم تخلُ من صعوبات، خاصة فيما يتعلق بجودة البيانات الطبية والالتزام بالمعايير العالمية للخصوصية .

وأشار المهندس إلى أن بناء الثقة كان من أولويات الشركة: "نعمل على الشفافية الكاملة عبر عرض محاكاة ثلاثية الأبعاد لنتائج ما قبل وما بعد العلاج، والالتزام الصارم بمعايير الجودة، ودعم الأطباء في كل خطوة حتى نصبح شركاء حقيقيين في النجاح".

وأضاف أن الشركة توسعت إلى أسواق الإمارات ومصر وليبيا، وتستهدف المرحلة المقبلة أوروبا وأمريكا الشمالية، مع شراكات استراتيجية لتطوير بروتوكولات علاج أكثر دقة. وأكد كوكش سعيهم في أن تصبح المنصة رائدة عالميًا في تقويم الأسنان المدعوم بالذكاء الاصطناعي".

القفاز الذكي

في ميدان آخر من ميادين الرعاية الصحية، اختارت شركة ميدنوفا أن تركز على إعادة التأهيل لمرضى الجلطات والشلل النصفي، حيث جاءت الفكرة من تجربة شخصية مؤثرة، لترسم مساراً نحو استخدام التكنولوجيا لتسهيل رحلة العلاج وإعادتها إلى المنازل.

يقول الأزهر الجابري المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة : "انطلقت فكرة مدنوفا من تجربة شخصية مؤثرة عندما واجهنا تحديات إعادة التأهيل لمرضى الجلطات والشلل النصفي. ليصبح هدفنا سد الفجوة في قطاع التأهيل الطبي عبر منصة رقمية ذكية وقفاز طبي مبتكر يمنح المرضى القدرة على ممارسة تمارين إعادة التأهيل في المنزل، مع متابعة دقيقة من الأطباء والمعالجين".

وأوضح أن المنصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المرضى عبر مستشعرات القفاز، وتوفير توصيات علاجية وتنبيهات ولوحات متابعة للأطباء.

وأشار الجابري إلى نتائج مشجعة قائلاً أن : «أحد المرضى المصابين بجلطة دماغية استطاع بعد عدة أسابيع من استخدام القفاز ممارسة حركات لم يكن قادرًا عليها من قبل».

لكنه أكد أن التحديات حاضرة، خاصة فيما يتعلق بجودة البيانات وحماية الخصوصية، إضافة إلى الحاجة لبناء الثقة بأن التقنية أداة مساعدة وليست بديلًا عن الطبيب.

وأوضح أنهم يعملون بشفافية كاملة، مع تشفير بيانات المرضى وفقًا للمعايير الدولية، وبشراكات مع وزارة الصحة والجهات التنظيمية، مشيراً إلى أنهم يعقدون تجارب عملية داخل المستشفيات قبل تعميم المنتج.

وكشف الجابري أن الشركة تعمل على شراكات مع مستشفيات خليجية ومراكز بحثية في الصين واليابان، ومؤسسات تعليمية محلية. وقال: "نطمح خلال السنوات المقبلة أن نصبح الخيار الأول في إعادة التأهيل الذكي في عمان والخليج، وأن نحصل على اعتماد دولي لتوسيع انتشارنا عالميًا".