عمان اليوم

"التعليم العالي": توجيه البحوث العلمية نحو خدمة الأولويات الوطنية وتطوير القطاعات الإستراتيجية

01 سبتمبر 2025
01 سبتمبر 2025

حوار: نورة العبرية 

تبرز البحوث العلمية كوسيلة حديثة في تطور المعرفة والتقدم البشري، وتكمن أهميته في توفيره إجابات شافية ومدعمة علميا للأسئلة المعقدة والتحديات التي تواجه الإنسانية، في جميع مجالات العلوم الطبيعية أو الاجتماعية أو الإنسانية.

وتبذل سلطنة عمان جهودا ملحوظة في هذا المجال، بما يسهم في تطوير المجتمع وبناء أسسه الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

Image

وقال الدكتور صلاح بن صومار الزدجالي، مدير عام البرامج البحثية وبناء القدرات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار: إن سلطنة عُمان تطورًا ملحوظًا في منظومة البحث العلمي، مع جهود متواصلة لبناء منظومة متكاملة، وخلال السنوات الماضية برز اهتمام كبير بتطوير قطاعات استراتيجية من خلال البحث العلمي، حيث تضمنت الأولويات الوطنية، على سبيل المثال، مجالات الطاقة المتجددة والمياه والصحة والبيئة والزراعة الذكية، مشيرا في حوار مع "عمان" إلى أن البرامج البحثية المتخصصة أسهمت في معالجة مشكلات محلية؛ مثل برنامج السلامة المرورية الذي قلص حوادث الطرق، وبرنامج إدارة حشرة دوباس النخيل لتخفيف آثار هذه الآفة على النخيل، كما أنه وبحسب بيانات شركة كلاريفيت المتخصصة في النشر العلمي، فإن المجالات التي تم فيها نشر أعلى عدد من الأوراق العلمية خلال الفترة من 2013 إلى 2022 هي العلوم الصحية، والهندسة، والكيمياء، وعلوم البيئة، وعلوم الحيوان والنبات، والعلوم الإنسانية، والفيزياء، والجيولوجيا، وعلم المعادن، وعلم الأدوية والسموم.

وأضاف أن مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي تلعب دوراً محورياً في منظومة المعرفة العُمانية، حيث تركز المؤسسات الأكاديمية على دعم أبحاث أعضاء هيئات التدريس وتمويل مشروعاتها، إضافة إلى إنشاء مراكز بحثية متخصصة في شتى التخصصات، وفي السنوات الأخيرة زاد الاهتمام بالمشاريع البحثية المنفذة من قبل طلبة المرحلة الجامعية الأولى، إلى جانب طلبة الدراسات العليا، كما عززت بعض المراكز البحثية الشراكة مع القطاعات الصناعية لتحويل المخرجات البحثية والابتكارية إلى منتجات وخدمات تجارية، وتعتبر الجامعات جسرًا للتعاون الدولي في هذا المجال، وذلك عبر تبادل الباحثين ونقل التقنية مع نظيراتها العالمية، وقد أطلقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار برامج تمويل بحثية وأهمها برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة وبرنامج مشاريع البحوث الاستراتيجية لدعم مؤسسات التعليم العالي والجهات الحكومية من أجل رفع عدد وجودة الإنتاج العلمي.

نوعية الأبحاث

وحول عدد ونوعية البحوث التي نشرت من قبل الباحثين العمانيين أفاد الدكتور الزدجالي: حقق الإنتاج البحثي نموا ملحوظا، حيث زادت عدد المنشورات العلمية من 660 عام 2013 إلى 2213 منشور عام 2022، وتصدرت جامعة السلطان قابوس كأكبر ناشر حيث نشرت ما يقارب من 6881 منشورا خلال الفترة من 2013-2022، تليها جامعة نزوى، على حسب تقرير الأداء البحثي من شركة كلاريفيت، وبشكل عام، فإن النمو السنوي للإنتاج البحثي العُماني في ارتفاع مستمر، إلا أننا نطمح إلى زيادة ذلك.

وبين أن هناك تطوّرا ملحوظا في نوعية الأبحاث، حيث زاد التركيز على الأبحاث التطبيقية التي تخدم الأولويات الوطنية، خاصة في ظل وجود الدعم من برنامج مشاريع البحوث الاستراتيجية المقدم من الوزارة، وفي المرحلة الحالية والمستقبلية، نود التركيز على دعم المزيد من المشاريع الابتكارية، وتشجيع الباحثين والمبتكرين على تسجيل براءات الاختراع.

تحديات

وتحدث الدكتور صومار عن أبرز التحديات التي تواجه الباحث العماني حاليا قائلا: هناك عدة عقبات تحول دون تسريع وتيرة البحث، ولعل من أهمها محدودية الكادر البشري، فعدد الباحثين بدوام كامل يبلغ نحو 646 لكل مليون نسمة، ولا يزال هذا الرقم متواضعًا مقارنة بما تطمح سلطنة عمان إلى تحقيقه، وقد يعزى ذلك لعدم تفرغ الباحثين لأنشطة البحث العلمي والتزامهم بالأعباء الإدارية والتدريسية، كما تُعد موارد التمويل أحد التحديات، حيث إن ضعف مساهمة القطاع الخاص لدعم البحث العلمي والابتكار، وارتفاع تكاليف نشر الأبحاث، وتكلفة اكتساب التراخيص لقواعد البيانات العالمية، كل هذه العوائق تحدّ من الوصول إلى المعلومات الحديثة، يضاف إلى ذلك تحدي البيروقراطية في إدارة المشاريع البحثية في بعض المؤسسات، وضعف البنية التحتية (مختبرات متخصصة ومعامل متقدمة)، وافتقار بعض الأوساط إلى ثقافة بحثية قوية في تبني المنهج العلمي، أو للاستفادة من المخرجات البحثية.

قطاعات حيوية

وحول الأبحاث ذات التأثير الوطني، أوضح أن الوزارة دعمت عددًا من المشاريع البحثية النوعية في قطاعات حيوية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، شملت قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والقطاع السمكي، وتُجسد هذه المشاريع البحثية التزام السلطنة بتوظيف البحث العلمي لمعالجة قضايا واقعية، وتحقيق أثر تنموي مستدام، يتماشى مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، حيث تشارك في برنامج دعم مشاريع البحوث الاستراتيجية عدة مؤسسات حكومية مثل وزارة الصحة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، وهيئة البيئة، وغيرها، وذلك بشكل سنوي، من أجل دعم إجراء مشاريع بحثية تطبيقية تركز على الأولويات القطاعية لهذه المؤسسات.

ففي القطاع الصحي، تناولت المشاريع تحديات السمنة من خلال تطوير نماذج تنبؤية مخصصة للمجتمع العماني، واستخدام الألعاب التفاعلية لتعزيز نمط الحياة الصحي، إلى جانب مشاريع متقدمة في أمراض القلب وتقنيات العلاج عن بُعد، إضافة إلى مبادرات في الصحة النفسية وتمويل الرعاية الصحية، أما في قطاع التعليم، فقد أولت المشاريع اهتمامًا بتعزيز الكفاءة الرقمية وتوظيف الذكاء الاصطناعي، من بينها مشروع "لبان بوت" لتعليم الروبوتات والذكاء الاصطناعي، وتحسين جودة التعليم المبكر، إلى جانب تطوير أدوات لحماية الطلبة نفسيًا وسلوكيًا ورفع تحصيلهم الدراسي، وفي القطاع الزراعي، تم دعم دراسات نوعية مثل توظيف الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن أمراض المحاصيل، واستخدام الموارد الطبيعية كزيت اللبان في التطبيقات العلاجية، وفي القطاع السمكي، جاء مشروع تحسين تقدير الكتلة الحيوية للأسماك وتحديد سلوكها في الزمن الحقيقي ليعزز من فرص الإدارة الذكية للثروة البحرية، ويدعم اتخاذ قرارات دقيقة في قطاع الصيد والاستزراع السمكي.

البرامج التوعوية

وحول تعزيز ثقافة البحث والابتكار في مؤسسات التعليم العالي قال: تم تنفيذ برامج نوعية تهدف إلى السمو بثقافة البحث العملي والابتكار في مختلف المؤسسات الأكاديمية والبحثية، حيث تنفذ الوزارة برامج متنوعة في نشر الوعي وغرس وتعزيز ثقافة البحث العلمي من خلال برنامج نشر الوعي الذي يتضمن عددا من البرامج التوعية كالقوافل العلمية الذي يطوف بالمؤسسات الأكاديمية والمؤسسات الحكومية لنشر الوعي، بالإضافة إلى برنامج إذاعي أسبوعي اسمه "حوار مع باحث" لعرض المخرجات البحثية، وتوجد لدينا كذلك مجلة "إضاءات علمية"، وتقوم الوزارة بنشر المحتوى البصري والمرئي في قنوات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الحضور الفاعل في القنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف المحلية، وعقد جلسات مقهى الابتكار والمقهى العلمي، واستخدام غيرها من أدوات نشر الوعي، كما تساهم برامج الوزارة التي توفر الدعم للباحثين في نشر الوعي بأهمية البحث العلمي والابتكار عبر تمكينهم من إجراء الأبحاث العلمية والتجارب المختبرية والمشاركة في المنتديات والمسابقات الدولية، إلى جانب إنشاء برنامج لدعم الدورات التدريبية التخصصية في مجال البحث العلمي والابتكار لبناء قدرات الباحثين والمبتكرين في هذا الجانب.

ويُعد كل من "برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة" و"برنامج مشاريع البحوث الاستراتيجية" من أبرز المبادرات التي تسعى إلى نقل البحث العلمي من إطار فردي تقليدي إلى بيئة مؤسسية تنافسية تُركز على الكفاءة، والأثر، والتكامل مع أولويات التنمية الوطنية، فبينما يعمل البرنامج الأول على تمكين المؤسسات من تطوير قدراتها البحثية وفق أداء ممنهج ومبني على نتائج ملموسة، يسعى البرنامج الثاني إلى توجيه الجهود البحثية نحو قضايا استراتيجية تلامس أولويات الدولة والتحديات القطاعية، وتعزز من الشراكات البحثية بين الأكاديميين والقطاعات الإنتاجية والخدمية، ومن خلال هذه البرامج، تتجه السلطنة بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد معرفي مستدام يتكامل مع "رؤية عمان 2024".

مجتمع معرفي

وأضاف: يتم الاستثمار في الطاقات الشبابية الواعدة عن طريق تركيز العمل على تطوير وتنفيذ مجموعة من البرامج النوعية والمبادرات الوطنية الموجّهة خصيصًا لتمكين الشباب العُماني، وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة لمواكبة متطلبات العصر المتسارعة، وتعزيز قدراتهم في مجالات البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في بناء مجتمع معرفي واقتصاد قائم على الابتكار، مشيرا إلى أن البرامج تسعى لترسيخ ثقافة البحث والابتكار لدى فئة الشباب، وتعزيز روح الريادة والتميّز لديهم، من خلال توفير بيئة محفزة على الإبداع، وإيجاد مسارات تدريبية وتنافسية تتماشى مع الأولويات الوطنية والاتجاهات العالمية، ويشمل ذلك مجموعة من البرامج والمبادرات، أبرزها الجائزة الوطنية للبحث العلمي، وبرنامج تحويل مشاريع التخرج الطلابية إلى شركات ناشئة، إضافة إلى برنامج دعم الدورات التدريبية والابتكارية.

كما يتم تطوير برامج للتأهيل والتدريب بالتعاون مع الجهات المعنية، وتشمل برنامج تحويل مشاريع تخرج الطلبة في مجالات الثورة الصناعية الرابعة إلى شركات ناشئة (أبجريد)، ويعد أحد مسرعات الابتكار الوطنية المتخصصة في التقنيات المعرفية الجديدة، ويعمل على احتضان الأفكار الإبداعية الطلابية في مؤسسات التعليم العالي (الحكومية والخاصة)، وتحويلها إلى شركات ناشئة قادرة على النمو بوتيرة مستدامة من خلال توفير سلسلة من الدعم المادي والاستثماري والفني، وذلك عبر احتضانها وتدريبها وزيادة قدراتها وتمكين مهاراتها ثم الدفع بها إلى السوق عبر منتج معرفي ابتكاري يحقق إضافة في السوق، ويعمل البرنامج على تحويل الأفكار الابتكارية إلى مورد مالي مستدام لرفد (الاقتصاد المبني على المعرفة)، ومن خلال المشاريع المنفذة؛ وأثبتت مخرجات البرنامج قدراتها الابتكارية وطنيا، والقدرة على المنافسة خارجياً، ويُعد بناء الشراكات المختلفة مع القطاعات ذات الصلة من عوامل نجاح البرنامج.

كما تم تفعيل منصة (إيجاد)، وهي منصة إلكترونية تحت مظلة (معهد تكامل التقنيات المتقدمة) التابع للوزارة، وتستهدف المنصة تعزيز الشراكة والتعاون بين القطاع الصناعي والمؤسسات الأكاديمية والقطاع البحثي، من أجل تقديم حلول علمية للتحديات التي تواجه القطاع الصناعي، واستثمار الخبرات البحثية والأكاديمية بالسلطنة، وتوجيه البحوث نحو التحديات المحلية في القطاع الخاص، مبينا إلى أنها تأتي كخطوة مهمة لربط الأبحاث والابتكارات في مجال الطاقة بين القطاع الأكاديمي والقطاع الصناعي، وتسهيل سد الفجوة بين الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات الصناعية، حيث تهدف المنصة إلى تعزيز الأبحاث والابتكارات في مجال الطاقة، وتسهيل التعاون بين المؤسسات نحو تحفيز أنشطة البحث العلمي والابتكار في الطاقة، وذلك عبر إقامة حلقات عمل ومؤتمرات وبرامج تدريبية لبناء القدرات الوطنية في هذا المجال، كما تهدف إلى حث المؤسسات المنتمية للقطاع الصناعي على استثمار القيمة المحلية المضافة لدعم الأبحاث والابتكارات.

اقتصاد متجدد

وحول استعداد سلطنة عمان للريادة في بحوث المستقبل" أفاد بقوله: في ظل التحول الرقمي المتسارع، أولت السلطنة اهتمامًا متزايدًا بدعم البحوث العلمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، إدراكًا منها لأهمية هذه المجالات في بناء اقتصاد معرفي متجدد، ومن خلال "برنامج مشاريع البحوث الاستراتيجية"، تم تمويل عدد من المشاريع البحثية التي تسعى إلى تقديم حلول ذكية لتحديات وطنية، وذلك بالتعاون مع جهات مستفيدة مثل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الزراعة والثروة السمكية، ووزارة الصحة، ووزارة التربية والتعليم، وتهدف هذه المشاريع إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات، ورفع الكفاءة، وحل التحديات الوطنية، كما دعم "برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة" عددًا من المشاريع البحثية في هذا المجال، حيث عملت المؤسسات الأكاديمية على تطوير مبادرات بحثية نوعية تواكب المتغيرات الرقمية، وتعزز من جاهزية السلطنة للمستقبل الرقمي، وتأتي هذه الجهود ضمن التوجهات الاستراتيجية لـ"رؤية عمان 2040"، التي تركز على توطين التقنيات الحديثة وبناء قدرات وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي.