مصفـاة الدقـم تعــزز مكانــة سلطنــة عمـان فـي سوق الطاقة العالمي
في خطوة تاريخية تعزز مكانة سلطنة عمان في سوق الطاقة العالمي، يترقب العالم افتتاح مشروع مصفاة الدقم العملاق رسميا اليوم الأربعاء، الذي يأتي نتاج شراكة استراتيجية بين مجموعة شركة أوكيو العمانية وشركة البترول الكويتية العالمية، بحجم استثمار يبلغ 9 مليارات دولار أمريكي.
ومع تشغيل مصفاة الدقم تجاريًا، ستعمل على رفع إجمالي الطاقة التكريرية لسلطنة عُمان إلى ما يزيد على 500 ألف برميل يوميًا، حيث تُقدر الطاقة التكريرية المتوقعة للمصفاة بحوالي 230 ألف برميل يوميا. وتتصدر المصفاة المشهد بجدارة واستحقاق؛ نظرا لاعتمادها على الابتكار وتوظيف أحدث التقنيات في القطاع، منها وحدات التكسير والتفحيم الهيدروكربونية الحديثة. كما تحرص المصفاة على تحقيق أقصى استفادة على المستوى الاقتصادي، بالتزامن مع التمسك بأعلى معايير الاستدامة البيئية على مستوى كافة عملياتها.
وتؤدي المصفاة دورًا أساسيًا في تحويل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم إلى مركز صناعي واقتصادي حيوي، مستفيدة من مقومات تنافسية قوية كموقعها الاستراتيجي في مجال النقل البحري، فهي تقع على الساحل الشرقي لسلطنة عمان، مما يجعلها مركزًا رئيسيًا لتصدير المنتجات النفطية إلى الأسواق العالمية، وقدراتها التكريرية ومنتجاتها المتنوعة من المشتقات البترولية، كغاز البترول المسال، والنافثا والديزل والكيروسين ووقود الطائرات، وفحم البترول بالإضافة إلى الكبريت.
وقبيل الافتتاح الرسمي للمصفاة، أجرت الشركة عدة عمليات تجريبية حققت جميعها نجاحا، وشملت العمليات اختبار كافة سلاسل الإمداد بمصفاة الدقم والمتضمنة منشآت تخزين النفط الخام برأس مركز وأنبوب نقل النفط الخام بطول 80 كيلومترًا، بالإضافة إلى اختبار جاهزية منشآت تخزين وتصدير المنتجات في ميناء الدقم. كما نجحت المصفاة في تصدير الشحنة الأولى من الديزل عالي الجودة وفقًا للمواصفات العالمية. كما تضمنت عمليات التشغيل التجريبي تصدير أولى شحنات النافثا وزيت الوقود عبر رصيف تخزين وتصدير المنتجات في ميناء الدقم.
دعم الاقتصاد الوطني
وخلال فترة الأعمال الإنشائية للمشروع أثبتت المصفاة أنها رائدة في دعم التنمية المستدامة وتعزيز الاستدامة في المجتمع المحلي، وأنها تشكل عاملا رئيسيا في التنمية الاقتصادية لسلطنة عمان، حيث إن 20% من البضائع والخدمات المشتراة لهذا المشروع تنتج محليا في سلطنة عمان، مما يعزز الاعتماد على الموارد المحلية ويدعم قطاعات الصناعة المحلية، بالإضافة إلى الاستفادة بنسبة 10% من موارد مؤسسات محلية صغيرة أو متوسطة.
لقد تابعت شركة مصفاة الدقم مسيرة تطورها حتى تجاوزت دورها التقليدي المحدود في أعمال المصافي، وأصبحت لاعبًا محوريًا أسهم في إحداث طفرة على المستوى الاقتصادي بمنطقة الدقم، بفضل موقعها المتميّز عند تقاطع بحر العرب بالمحيط الهندي، الذي يجعلها مركزًا لقطاع النفط والغاز على الصعيدين الإقليمي والعالمي، كما يفتح لها المجال أمام المساهمة في الرخاء الاقتصادي بالمنطقة. وقد نجحت مصفاة الدقم في استغلال هذه الميزة، وحملت على عاتقها إنعاش المنطقة الاقتصادية بالدقم وأدت دورًا رائدًا في إعادة تشكيل التعاون الإقليمي في مجال النفط والغاز، مع مراعاة التنمية المُستدامة، ورسمت طريق الرخاء للمجتمعات والمؤسسات في المنطقة.
أما على صعيد صون البيئة وحفظها، فلطالما تمثلت رؤية مصفاة الدقم منذ انطلاقتها في ضمان التوازن بين تلبية الاحتياجات اليومية من المنتجات النفطية عالية الجودة والانتقال الحتمي نحو مستقبل منخفض الانبعاثات الكربونية، بما يتماشى مع أهداف اتفاقية باريس وخطة سلطنة عمان لتحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2050.
الاستدامة البيئية
استطاعت مصفاة الدقم أن تجمع ما بين الإبداع التقني والالتزام التام مع الاستدامة البيئية والتمكين المجتمعي، واضعةً معايير جديدة غير مسبوقة في قطاع النفط والغاز ومُرسيةً نهجًا غير مسبوق يجمع ما بين الرخاء الاقتصادي والسلامة البيئية والمشاركة المجتمعية. ومع توالي النجاحات على المستويين التجاري والبيئي، أصبحت مصفاة الدقم نموذجا لامعا لتحقيق التنمية الصناعية وتعزيز الاستدامة البيئية في آن واحد، ومهدت الطريق لمستقبل أكثر إشراقا ورخاء.
وتعمل مصفاة الدقم على تنفيذ توجيهات الحكومة العمانية للقضاء على الحرق التقليدي للغاز بحلول عام 2030، حيث ضمنت تصميم المصفاة مساحة تم فيها تركيب نظام لاسترداد غاز الشعلة لمكافحة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وهذا النظام عبارة عن حزمة ضواغط متخصصة في استرداد وإعادة استخدام الغازات والانبعاثات التي عادة ما تحرق خلال عملية الاشتعال.
واتجهت مصفاة الدقم إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية لتلبية احتياجاتها، وذلك بهدف الحد من انبعاثاتها الكربونية. بناءً عليه، تم تركيب ألواح للطاقة الشمسية على المباني وأعمدة إنارة الطرق لتوليد الطاقة، بقدرة إجمالية تبلغ 3.8 ميجاواط، ولقد بدأ النظام بالعمل بكامل طاقته اعتبارًا من يناير 2023.
وأنشئت مع المصفاة محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي لإعادة تدوير المياه المستهلكة بشكل عام، وذلك بهدف تعزيز الأثر البيئي. وتتضمن محطة معالجة مياه الصرف الصحي ثلاث مراحل للمعالجة، أولية وثنائية وثلاثية، للتمكين من إعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتصريف المياه في البحر عن طريق شركة «مرافق». كما تم تركيب جهاز تحليل وعداد توصيل داخل المحطة من أجل مراقبة جودة المياه وتحديد أي ملوثات، وبالتالي تحويل مسار المياه المكثفة الملوثة إلى محطة معالجة مياه الصرف الصحي. وتجاوزت المصفاة متوسط مؤشر التعقيد مقارنة بالمصافي الأخرى في الشرق الأوسط، ونجحت في احتلال المرتبة التاسعة بحسب مؤشر تعقيد نيلسون، وتسعى الشركة إلى تقديم أفضل جودة من المنتجات المكررة بطريقة أكثر توفيرا وكفاءة في استخدام الطاقة، كما تلتزم الشركة بالاستثمار في السبل التي تمكنها من تنفيذ عملياتها بطريقة أكثر توفيرا وكفاءة في استخدام الطاقة بهدف تقليل التأثيرات البيئية السلبية المحتملة.
رأس مركز
ويعد مشروع رأس مركز لتخزين وتصدير النفط الخام، الذي يقع بمحافظة الوسطى من المشروعات الاستراتيجية في سلطنة عمان؛ نظرا لموقعه الذي يتوسط الأسواق العالمية وخصوصا في قارتي آسيا وإفريقيا، وهو جزء من الحزم الرئيسية لمشروع مصفاة الدقم.
ويعد المشروع الذي تنفذه الشركة العمانية للصهاريج التابعة للمجموعة العالمية المتكاملة للطاقة «أوكيو» الأكبر من نوعه، وقد بُني وفقًا للمعايير الدولية، وتبلغ سعته التخزينيّة نحو 26.7 مليون برميل، وقد بُني المشروع على مساحة 10 كيلومترات مربعة تسع لنحو 26.7 مليون برميل في مرحلته الأولى، في حين أن المساحة الإجمالية المخصصة للمشروع تبلغ 40 كيلومترًا مربعًا مهيأة لتخزين ما يصل إلى نحو 200 مليون برميل من النفط، وستقوم الشركة بزيادة طاقتها الاستيعابية وفقا لتنامي الطلب من قبل المستثمرين.
ويشتمل المشروع أيضا على بناء المحطة العائمة لاستيراد وتصدير النفط الخام لتتمكن من استقبال أكبر ناقلات النفط في العالم بعمق يصل إلى 42 مترا، وربطها بأربع مضخات رئيسية لدفع النفط الخام إلى منطقة التخزين التي تقع على ارتفاع أكثر من 120 مترًا من مستوى سطح البحر، كما أن الموقع مهيأ لإضافة مضخات إضافية تواكب الطلب على تخزين النفط بالمحطة كلّما دعت الحاجة للتوسّع.
وفي ديسمبر 2022م أنهت مجموعة أوكيو الأعمال الإنشائية الأساسية من المرحلة الأولى لمشروع رأس مركز، وخلال العام الماضي استقبلت خزانات النفط الخام برأس مركز خلال العام الماضي أكثر من 3 ملايين برميل من النفط الخام العماني والكويتي، التي تم في وقت لاحق ضخها من رأس مركز إلى مجمع المصفاة بالدقم عبر أنبوب نقل النفط الخام بطول 80 كيلومترًا.
ويهدف المشروع حسب تصريحات الشركة سابقًا إلى تخزين ومزج جميع أنواع النفط الخام بكميات كبيرة، بما يملكه من بنية أساسيّة قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية والعالمية، ويتكوّن من شقين، يتمثل الأول في الأعمال البحرية، وتتضمّن المحطة العائمة للاستيراد والتصدير التي تبعد حوالي 7 كيلومترات عن الشاطئ، وخطين للأنابيب بقُطر 42 بوصة والأنظمة المرتبطة بها، بينما يتمثل الشق الثاني من المشروع في بناء أنظمة ضخ النفط، ومعالجة المياه، وبناء الخزانات، وشبكة محطات الكهرباء والأنظمة الأخرى المصاحبة. ومن المؤمل أن يكون المشروع مركزًا عالميًا مهمًا للمتاجرة بالنفط الخام، نظرا للموقع الاستراتيجي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، مما يجعل سلطنة عمان مركزًا رئيسًا لتخزين النفط في المنطقة، حيث أبدت بعض الشركات العالمية رغبتها في الاستثمار بالمشروع، فعلى سبيل المثال وقعت مجموعة أوكيو وأرامكو للتجارة مذكرة تفاهم لدراسة الفرص التجارية التي يوفرها قطاع الطاقة في كل من سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى بحث التعاون في مجالات تتعلق بتوريد وشراء إنتاج وتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية في مرافق مصفاة الدقم ورأس مركز.
