الذكاء الاصطناعي يواصل بناء روبوتات أكثر ذكاءً

17 يوليو 2023
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
17 يوليو 2023

يعتبر فقدان الكثير من الوظائف بسبب التقدم التكنولوجي أمرا طبيعيا وواردا في تاريخ تطور الصناعات على مر العصور والأزمنة، وهذا ما يجعل الكثير من المبدعين في مجالات كثيرة بلا فائدة -مع تعاقب السنين- إذ تحل التكنولوجيا محلهم، إلا أن هناك أنشطة جديدة تستحدث، مما يضع الناس عموما بين خاسرين ورابحين.

من الطبيعي أن تكون هذه التكنولوجيا محل سخط المتضررين ممن خسروا وظائفهم بسببها، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك ما حدث في أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا، حيث أدت تكنولوجيا النسيج وآلاتها المبتكرة -حينها- إلى إلغاء وظائف الكثير من العمال الذي يعدون من أمهر النساجين، الأمر الذي دفع بالمتضررين إلى تدمير تلك المعدات والآلات الجديدة في عملية شغب، ولكن لم يدم السخط طويلا، واستمرت الآلات بالعمل.

وتواصل «الآلات» السطو على وظائف البشر، ولكنها في المقابل تفتح مجالا لاستحداث وظائف جديدة أكثر تعقيدا، وتضيف قيمة بشرية حقيقية لمختلف المجالات، بالإضافة إلى أن «الأتمتة» -التشغيل الآلي- لها فوائد اقتصادية كبيرة تعود بالنفع على المجتمع ككل، حيث الفارق الكبير في زيادة الإنتاج بوقت قياسي، مقارنة بما كان ينتجه العمل البشري.

لطالما كانت الحواسيب والبرمجيات سببا في إلغاء العديد من الوظائف لسنوات، ولطالما كانت كذلك سببا في خلق الكثير من الوظائف، ولكننا اليوم أمام تقدم تكنولوجي مثير للاهتمام، فقد وصل التطور إلى ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعي»، وهو تطور هائل، وأعني هنا برنامج «شات جي بي تي» الذي أصدر مؤخرا من قبل شركة تدعمها «مايكروسوفت»، ووفق الكثير من المستخدمين يتضح كيف أن الذكاء الاصطناعي يملك قدرة هائلة على إنتاج مستندات رائعة، بل والإجابة على التساؤلات بسرعة عالية وبلغة سلسة بناء على كم هائل من المعلومات والبيانات.

أُشبِّه الأمر بالروبوتات التي تحمل الخصائص البشرية، بل تبدو أنها كالبشر تماما، وهذا الأمر جذب انتباه العالم بأسره وكذلك دفع الكثير من الناس للخوف، لذلك قامت العديد من الحكومات بوضع ضوابط على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بناء على الكثير من المطالبات للحد من تطبيقاتها «الخطرة» كما يرون.

وهنا يرد سؤال بديهي، هل الروبوتات تفكر كالبشر؟ أجابت الكثير من التنبؤات بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على وظائف مثل المحاماة ووظائف أخرى عديدة، وفي تحليل أجراه «ديفيد جولدمان» وهو من فريق «آسيا تايمز» بعنوان «فقاعة الدردشة الكبيرة» اتضح له أن الإمكانيات التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي -في الفترة الحالية- أمر تمت المبالغة فيه بشكل كبير.

صحيح أن لدينا ذكاء اصطناعي حاليا -كما يرى ديفيد- أنه تمت المبالغة فيه، ولكن سيصبح هذا «الذكاء الاصطناعي» أكثر ذكاء كلما تقدم الوقت.

الروبوتات ليست كالبشر، فالذكاء البشري يتألف من العديد من المهارات، بما في ذلك اكتساب وتطبيق المعرفة والتفكير المنطقي والاستنتاج والتفكير الإبداعي. ويمكن للذكاء البشري التعامل مع حل المشكلات التي تحتوي على معلومات غامضة ومعقدة.

تاريخ التطور الصناعي يشير إلى أن معظم الوظائف تتطور وتتغير بمرور الوقت، وذلك لأن الحاجة إلى المهارات المختلفة تتغير وتتطور كذلك، فعلى سبيل المثال، عندما تم استخدام الآلات في العمليات الصناعية، استبدلت الآلات بالبشر في بعض المهام. لكن في نفس الوقت، ظهرت وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، مما سمح بظهور منتجات وخدمات جديدة كانت غير ممكنة سابقا. وبالتالي، يتم تكييف نمط التوظيف ليتماشى مع هذه التغييرات والتطورات في الصناعة. وعلى الرغم من أن بعض الوظائف تم استبدالها بالآلات، فإن ذلك لم يؤد إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير. ففي الولايات المتحدة، وبالرغم من التطور الاقتصادي المتزايد، فإن معدلات البطالة لم ترتفع بنسبة كبيرة، وذلك لأنه تم استحداث وظائف جديدة تتطلب مهارات جديدة ومختلفة.

في النهاية، تبقى الروبوتات آلات تم تدريبها للقيام بمهام معينة محددة، والبرمجيات التي تستخدمها الروبوتات لا يمكنها تحديد «عدم اليقين» بشكل موثوق، وهذا يتطلب تدخل الإنسان لاتخاذ القرار الصحيح والتبين من المعلومات، وعلى سبيل المثال، في التطبيقات الطبية يتم تكليف الحواسيب بقراءة الصور مثل الأشعة السينية، بالتالي يحتاج الأمر إلى وجود أطباء الأشعة لعرض الصور وتقييم أهمية بعض الميزات بالتزامن مع الميزات الأخرى، وهذا يتطلب خبرة وحكم الإنسان. فالإمكانيات التي يمكن للحواسيب تقديمها لا حدود لها، ولكن حكم الإنسان وخبرته ضرورية لاتخاذ القرار الصحيح.

ستبقى الروبوتات أدواتنا التي نستفيد منها بكل تأكيد، إلا أنه لا يمكن التحكم في قدرات الذكاء الاصطناعي من خلال وضع قيود تنظيمية، وأية أفكار واردة حاليا للتحكم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي هي مجرد تكهنات ليست واقعية في الوقت الحالي.