سعيد بن محاد بن نيجار المعشني
سعيد بن محاد بن نيجار المعشني
منوعات

سعيد بن محاد المعشني: في الخريف نعرف غروب الشمس من خلال صوت حشرة تسمى "إذبير" كنا إذا أضعنا شيء من مواشينا يتعبنا الصيام كثيرا

01 أبريل 2023
ذكريات الشهر الفضيل
01 أبريل 2023

للحديث مع كبار السن متعة مختلفة وهم يسردون ذكرياتهم عن الشهر الفضيل، ويستعرضون تفاصيل حياتهم الماضية وما حصل لهم فيها من ذكريات محفورة في الذاكرة، فنجد الوالد سعيد بن محاد بن نيجار المعشني الذي يبلغ من العمر 70 عاما يخبرنا عن ذكرياته عن شهر الصيام، وكيف أنهم تكيفوا مع بيئتهم ليكون عليهم شهر رمضان ضيفا مباركا، والوالد سعيد هو من من سكان منطقة عرام بولاية طاقة التي ترتفع عن سطح البحر بـ1830 مترا، وتطل «عرام» على مدينة طاقة التي لا تبعد عنها سوى خمسة كيلومترات، فكان سهلا عليهم الذهاب إلى المدينة لتوفير متطلباتهم اليومية حيث لا يستغرق منهم سوى ساعتين ذهابا وإيابا مشيا على الأقدام أو باستخدام الوسائل البدائية كالجمال.

وفي بداية حديثنا أخبرنا الوالد سعيد المعشني عن أول رمضان صامه، ومن أمره بالصيام فقال: صمت وعمري كان سبع سنوات وأمرني بذلك والدي عليه رحمة الله وقال لي لقد بلغت سن الصيام، ويجب عليك الصيام، ولا أذكر في أي فصل كان ذلك الوقت.

وعن طريقة تحريهم لرؤية هلال شهر رمضان، وكيف يعرفون دخول الشهر، وما هو المكان الذي يجتمعون فيه لرؤية الهلال، قال: "كل شخص كان يتحرى الهلال بنفسه، وذلك بالنظر إلى جهة الغرب حيث تسقط الشمس، ولم يكن هناك مكان معين لتحري الهلال؛ لأننا من سكان الجبل، ومن السهل رؤية الهلال. وكنا كذلك نسمع صوت المدفع عندما يطلق من مدينة طاقة، تأكيدا لرؤية هلال شهر رمضان، وكذلك لرؤية شهر شوال. إضافة إلى ذلك، يقوم بعض المواطنين الذين يوجد معهم سلاح بإطلاق أعيرة نارية في الهواء.

وصادف بعض المرات أننا لا نسمع صوت المدافع، ونظن أنه لم يتم رؤية الهلال فنكمل الصيام في اليوم التالي، ولكن عند نزولنا إلى مدينة طاقة نتفاجأ بأنه يوم عيد عندهم فنفطر، وننشر الخبر في الجبل من خلال بعض الأشخاص ومن خلال إطلاق الأعيرة النارية ليعرف الناس أنه يوم عيد.

وأخبرنا الوالد سعيد أنهم كانوا يقضون معظم وقتهم في نهار رمضان مع مواشيهم، وهذا حال أصحاب الجبل، وهناك بعض الأشخاص يتدارسون القرآن في المدينة، وإذا ختموه يقومون بتعليمنا إياه في الجبل، ولم يكن هناك مكان يجمعنا لتعليم القرآن الكريم.

وعن الوجبات الرمضانية التي يأكلونها وقت الإفطار والسحور يقول: كنا نقتصر في طعامنا على الحليب والتمر وثمار بعض الأشجار. وأما المأكولات الأخرى فكانت قليلة ومقتصرة على المنتوجات الحيوانية: مثل الروب والسمن المحلي.

وقد أبلغنا المعشني أن رمضان لم يكن يغير نمط حياتهم السابقة فيما يتعلق بالأعمال اليومية، فكل شخص يهتم بمواشيه والسعي وراء قوته يومه، فكانوا يمارسون الحياة اليومية المعتادة.

ويحكي لنا المعشني عن المواقف الصعبة التي مرت بهم وهم صائمون وخاصة مع طبيعة عملهم اليومية فيقول: كنا إذا أضعنا شيئا من مواشينا يتعبنا الصيام كثيرا، وأذكر موقف صعب لشخص من أقاربي كان ذلك في فصل الخريف، حيث كان يبحث عن بقرة ظلت طريقها وغربت عليه الشمس ولم يعد للمنزل باحثا عنها فكان طعام إفطاره من ثمار شجرة لم تنضج بعد تسمى (فري) مع القليل من الماء، وعندما وجد البقرة مريضة تمشي بصعوبة لم يصل إلى المنزل إلا في منتصف الليل، وعندما سأل عن طعام يأكله قالت له زوجته إنه لا يوجد طعام، وظل على ما أكله في الفطور إلى اليوم التالي.

وعن مصدر طعامهم الذي يأكلونه أجاب بأنهم كانوا يأكلون من المحاصيل التي يزرعونها، فقد كانوا يدخرون جزءا من تلك المحاصيل، والجزء الآخر يبيعونه، ولم تكن تلك المحاصيل تكفيهم لوقت طويل، وبعض تلك المحاصيل هي الذرة، و"الدجر".

وسألناه عن الأماكن التي يحصلون منها على الماء، فأجاب سعيد نيجار المعشني بقوله: في الحقيقة نحن سكان عرام لا توجد لدينا مشكلة في توفير الماء سابقا، حيث ترقد قريتنا عرام على مصدر مهم من مصادر الحياة ألا وهو وادي دربات، حيث تطل القرية على هذا الوادي من الجهة الغربية، ويمد سكان هذه القرية سابقا بالماء والغذاء؛ وذلك لما يوفره الوادي من محاصيل زراعية متنوعة على مدار السنة.

كما أخبرنا المعشني أن الأشخاص الذين يملكون ساعات في ذلك الوقت قليل القليل، وكان الاعتماد في معرفة وقت الإفطار خصوصا عندما يصادف رمضان وقت الخريف، ويكون الجو غائما، ولا نستطيع رؤية الشمس وهي تغرب، فإننا نعتمد على صوت حشرة تسمى " إذبير" تصدر صوتا بعد غروب الشمس، وبذلك نعرف أن الشمس غربت وحان وقت الإفطار.

وسألناه كيف كان يستقبلون سكان الريف شهر رمضان في الماضي؟ فأجاب: يستبشرون بقدوم شهر رمضان كمسافر طال انتظاره من شوقهم له رغم بساطة العيش وقلة المال، فيذهب الناس إلى المدينة لجلب التمر وبعض الأغذية، كما يقوم المواطنون كذلك باستقبال الشهر الفضيل بغسل جميع الملابس والأدوات المنزلية رغم قلتها في حينها.

وعن المظاهر الاجتماعية التي كانت موجودة سابقا، يقول: كان الناس في الماضي على الرغم من قسوة الحياة وشظف العيش في مختلف مجالات الحياة إلا أن العادات التي يتمتع بها سكان الريف في جبال ظفار كانت تسهم في إبراز صور التكافل الاجتماعي، وذلك من خلال اللقاءات التي تتم بكل ود وتآلف ومحبة، فيتبادلون أطراف الحديث، ويتناصحون في أمور حياتهم، أما الآن فقد قل التواصل وقلّت الزيارات، واقتصر البعض في تواصله على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أحدث تباعدا بين الكثيرين، إلا ممن لا يزال حريصا على التواصل الاجتماعي، وصلة رحمه وزيارة أقاربه.

وكان الناس يجهرون بنية الصيام عند رؤية هلال رمضان بقولهم: "نويت أصوم غدا شهر رمضان لله تعالى". وكانت الأسر تجتمع على مائدة واحدة، يفطر أفرادها مع بعض ويسهرون، وبعد الصلاة يستمعون إلى حكايات كبار السن عن الماضي والأحداث التي مرت بهم.

وأخبرنا أنهم كانوا يشترون الأقمشة من أسواق المدينة، تجهيزا لعيد الفطر وكل امراة تخيط لعائلتها وأطفالها، أما الرجال فكان لبسهم معروفا: القميص، والإزار، و"الصبيغة" ويجلبها التجار من الخارج.

ويجتمع الناس في عيد الفطر ويأكلون وجبة الأرز، وكانوا يجتمعون ويتزاورون لتبادل التهاني بالعيد، كما كانوا يجتمعون لمشاهدة الألعاب الشعبية التي يسودها نوع من التنافس والمرح.