قرية الأشباح البلجيكية تقاوم الهدم والفناء
دويل (بلجيكا) "د.ب.أ": يبلغ عدد سكان دويل، وهي قرية بلجيكية كائنة على ضفاف نهر شيلت، تحت ظلال محطة للطاقة النووية، 18 شخصا فقط.
وكانت بيوتها العديدة تأوي في السابق 800 ساكن، والآن أصبحت أبوابها ونوافذها مغلقة بألواح من الخشب كمزيد من التأمين، بينما اكتست جدرانها بلوحات من فنون الشوارع ورسوم الجرافيتي.
غير أن عدد السكان آخذ في التراجع باطراد، منذ أن تم إدراج القرية في قائمة الإزالة، في الستينيات من القرن الماضي، ولم تقتنع الغالبية العظمى من السكان المحليين، بأن هناك سببا وجيها يدعو للاستمرار في الخطط المعلنة، لاجتثاث القرية من أجل إيجاد مساحة لتوسيع ميناء أنتورب القريب منها.
وتم تفريغ القرية من مبانيها وسكانها بمرور الوقت، حيث أصبحت المباني والشوارع خالية، وناضل السكان من أجل التمسك بمجتمعهم، وسرعان ما أصبح المكان يعرف في بلجيكا باسم "قرية الأشباح".
وتلت هذه التطورات عقود من المعارك القانونية، حيث قاومت مجموعات العمل المجتمعي بالقرية مخطط الهدم لصالح توسيع الميناء، ومع تقلص أعداد السكان بقرية دويل، تعرضت المباني لطمس معالمها أو إهمال صيانتها أو للهدم.
وبمرور الزمن تم إفراغ القرية من سكانها، بينما أصبحت تلقى إقبالا من نوع مختلف من الأشخاص، مثل فناني الجرافيتي ومستكشفي المناطق الحضرية.
ومنذ ذلك الحين اشتهرت دويل باسم "قرية الأشباح"، على الرغم من أن البعض يعترض على هذا الاسم، بحجة أنه لا يزال فيها عدد من السكان يبلغ 18 شخصا، وهو رقم أعلنته الجهة المنظمة لمهرجانها السنوي.
ويعرب السكان الآن عن آمال جديدة بالنسبة للمستقبل، حيث يتطلع التجمع السكاني الذي كان مصيره محتوما، إلى تجاوز الماضي الحافل بالحصار، وتهدف خطة روابط التجمع السكاني بالقرية حاليا، إلى اجتذاب سكان جدد إلى المنطقة، عن طريق تنفيذ مجموعة من المشروعات الثقافية والتراثية.
وتقول ليزا ستوشين التي تقيم في القرية طوال الأعوام الخمسة الماضية، "هذا عهد جديد، وهناك حيوية جديدة تسري في العروق، مع كثير من المشاعر الإيجابية المتعلقة بمستقبل القرية"، وشاركت ستوشين في الأنشطة المجتمعية بالقرية، الخاصة بمهرجان سنوي تم تنظيمه في أغسطس الماضي.
وفي النصف الأول من عام 2022، ضمنت اتفاقية تاريخية بين مجموعات العمل المجتمعي بالقرية، والحكومة المحلية الفلمنكية وميناء أنتورب، مستقبلا جديدا لقرية دويل وسط خطط توسيع الميناء.
ومن أهم محاور هذه الجهود، تجديد مستودع تاريخي وتحويله إلى استوديو فني، يطلق عليه اسم "أتيليه دي نيس" للأعمال الفنية، إلى جانب ورشة للحرف التراثية.
وهذا المستودع يعد أيضا موقعا لمشروع كبير، لتجديد سفينة شحن قديمة تسمى "أورتيليوس"، وتأمل قرية دويل في تنظيم جولات قريبا، في الميناء على متن هذه السفينة.
وتقول ستوشين إن تشويه المباني لا يزال يمثل مشكلة، كما أن القرية "ستعاني دائما من الندوب"، ولكن ذلك هو جزء من حكاية مجتمع القرية، وهي تعرب عن أملها في أن ترى قدوم مزيد من الأشخاص ليقيموا في دويل قريبا.
بينما يقول جيرون يانسن وهو مشرف على مشروع تراثي، إن التحدي التالي الذي سيواجه قرية دويل، هو جزء من الانتقال المجتمعي إلى المستقبل، ويتعلق بأهمية الروابط المحلية.
ويضيف إن التراث "يتعلق بقلب وروح الناس، فهم يبنون بعرق جباههم منازلهم، وهم يعيشون في هذه القرية التي ولد فيها أبناؤهم، وتوفى فيها آباؤهم، وهكذا تستمر الحياة على هذا المنوال، ولا يستطيع أحد أن يدفع لهم أموالا تكفي لتعويضهم عن ترك المجتمع الذي عاشوا فيه".
وتقدر الجهة المنظمة للمهرجان والشرطة البلجيكية، أن 20 ألف شخص حضروا مهرجان شيلت السنوي، والذي كان يتم تنظيمه أصلا، للاحتجاج على هدم القرية، ولكنه تحول الآن إلى احتفالية بمستقبل دويل.
وتقر ستوشين التي تتمسك ببقائها في القرية، بأنه "لم يسبق من قبل التحدث عن أن قرية دويل تغمرها المشاعر الإيجابية، وأن علاقاتها حسنة مع جميع الأطراف، والميناء والحكومة".
كما تعرب عن تفاؤلها بعد عقود من الاضمحلال وتناقص عدد السكان، وتؤكد أن "المستقبل يبدو مشرقا".
