تحليل : كيف حقق اليمين المتطرف نجاحه الانتخابي في السويد؟
ستوكهولم: يعمل ماجنوس كارلسُن، 43 عاما، في تكنولوجيا المعلومات، ويوشك أن يفتتح شركته الخاصة. من سماته عمق التفكير والتدبير، ويتابع الأخبار عن كثب، في السويد وعلى المستوى العالمي.
لكنه سئم مما يصفه بتراخي المؤسسة السياسية السويدية في تعاملها مع قضايا الهجرة والجريمة والتضخم، وقد صوت الأسبوع الماضي للديمقراطيين السويديين للمرة الأولى.
فاز الحزب ـ الذي تأسس سنة 1988 وله جذور في حركة النازية الجديدة ـ بـ20.5% من الأصوات في الانتخابات التي أقيمت الأحد الماضي [11سبتمبر]، أي بالمرتبة الثانية في عدد مقاعد البرلمان، تاليا لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين المنتمي إلى يسار الوسط. وهو الحزب الأكبر في تحالف يميني من المتوقع أن يشكل الحكومة القادمة بحصوله على أصوات تفوق حزب المعتدلين التقليدي المنتمي إلى يمين الوسط الذي ينتظر أن يكون رئيسه أولف كريتشرسن هو رئيس الوزراء.
برغم هذا الأداء، لن يحصل الديمقراطيون السويديون على حقائب وزارية، ويرجع ذلك كثيرا إلى أن شريكا آخر في التحالف وهو الحزب الليبرالي الصغير قد اعترض على ذلك الاحتمال. لكن من المتوقع أن يكون للديمقراطيين السويديين ورئيسهم جيمي آكيسون تأثير أساسي على سياسة الحكومة. والحزب يناهض الهجرة بصرامة ومن المتوقع أن يطالب بتغييرات في العمل الشرطي والعدالة الإجرامية والمزايا الاجتماعية والاشتراطات البيئية.
والهجرة، من وجهة نظر كارلسون، هي القضية الأساسية. وقال في إشارة إلى المهاجرين واللاجئين "لقد كنا بلدا ساذجا، وهكذا نحن السويديين، ذلك جزء من تركيبتنا الجينية، نرى الخير في الناس" واستدرك قائلا "لكن إذا استغل أولئك الناس ترحابنا، فلا بد من أن نغير هذه القيم".
قبلت السويد ـ صاحبة التاريخ في الانفتاح على اللائجين السياسيين ـ من المهاجرين وطالبي اللجوء لكل نسمة عددا يفوق أي بلد أوروبي، بما في ذلك ألمانيا، خلال أزمة الهجرة الجماعية سنة 2015، وأغلب هؤلاء من بلاد إسلامية. لكن الديمقراطيين الاشتراكيين المنتمين إلى يسار الوسط والذين حكموا خلال السنوات الثماني الماضية فشلوا في نظر كثيرين في استيعاب الوافدين الجدد في حين قطع اليمين المتطرف خطوات واسعة من خلال ربط قضية جرائم الأسلحة القديمة بالهجرة.
ولم تعان بلاد أوروبية أخرى مماثلة في مستويات الهجرة من صعود مماثل في العنف المسلح، الأمر الذي حدا بباحثين إلى القول بأن الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسة قبل القطع بوجود رابط بين الهجرة وذلك العنف.
ومع ذلك يصر كارلسن على رأيه إذ يقول إن "المجتمع السويدي عظيم ومنفتح، لكنه يتآكل" مشيرا إلى "عنف العصابات، وإطلاق النار، وغياب سياسات الاندماج، والحدود المفتوحة".
قال "إننا بحاجة إلى تغيير، وأعتقد أن الديمقراطيين السويديين أكثر اتساقا مع وجهات نظري".
في شتافانشتورب، وهي من ضواحي مالمو، التي يرتفع فيها معدل الجريمة عن أي مدينة سويدية أخرى، صوتت ماريا سيلاندر، وهي طبيبة أقدام في الثانية والأربعين من العمر، للديمقراطيين السويديين.
قالت "لقد استقبلنا كثيرا جدا من اللاجئين، وذلك يقلب الأمور رأسا على عقب هنا. ليس بوسعنا أن نتحمل رعاية الجميع".
أنكرت أي انحياز ضد المهاجرين. "ليس الأمر أننا عنصريون، أعني الذين صوتوا منا لهم، نحن أشخاص عاديون يريدون النظام والقانون. أنا أريد بلدا آمنا".
قالت إنها تؤمن أن الديمقراطيين السويديين سوف يضغطون من أجل تخفيض أسعار الطاقة وتخفيف القيود البيئية. "عندنا نهج جيد في التعامل مع البيئة هنا، لكنه لن يفلح إذا أوقفنا نحن العمل بالسيارات أو قللنا من كل شيء ولم يفعل الجانب الآخر من الكوكب مثل ذلك".
وقالت سيلاندر "أتمنى لو أنهم يدافعون عما قالوا إنهم يؤمنون به، فلا يمكن أن تخرج على الناس قائلا إنك ستفعل هذا وذاك، ثم لا تساعد في الحكم".
ويريد كارلسن ـ الذي صوت في 2018 للمعتدلين ـ من الديمقراطيين السويديين "السير على الدرب". قال إنه يفهم تعقيدات الائتلافات "ولكن علينا أن نسمح لهم بدخول الحكومة لنرى ما الذي يقدرون على عمله، فإما أن يتمكنوا من الإدارة أو أنهم محض حفنة أخرى ممن يتجمعون للشكوى من كل شيء".
يعرف كرستيان سونيسن شيئا مما قد يعنيه إعطاء الديمقراطيين السويديين نصيبا من الحكم. هو ينتمي إلى المعتدلين وكان من قبل حاكما لشتافرانشتورب حتى عام 2012. وفي 2018 شكل تحالفا محليا مع حزب يميني متطرف حينما رأى أن سياساته في الضرائب والحكم والمدارس والجريمة والاقتصاد قريبة من آرائه. أحدث ذلك جلبة في الحزب على المستوى الوطني، لكن التحالف نجح كثيرا على المستوى المحلي حسبما قال.
قال "لقد لاحظت أن أولئك الناس ليسوا الوحوش الذين يصورهم الإعلام. بدوا شديدي القرب منا. يدعون إلى تخفيض الضرائب قدر المستطاع، وعدم السماح للعصابات بالسيطرة". قام التحالف بتركيب كاميرات مراقبة واستأجر رجال أمن، وكانت النتيجة تقليصا كبيرا في العنف والإزعاج حسبما لاحظ سونيسن وقال إن إحساس المواطن بالأمن ازداد.
يجدر بالذكر أيضا حسبما قال أن الدعم المحلي للديمقراطيين السويديين تناقص قليلا في حين ارتفع التصويت لحزبه أي حزب المعتدلين.
قال إن "الناس لا يروق لها أن ترى حزبا لديه 20 أو 30 في المئة من المقاعد ولا يشارك في السلطة. يبدو هذا ظلما في نظر الناس".
وقال إن إبعاد الديمقراطيين السويديين عن الحكم سوف يساعد الحزب على النمو "ويكبرون فيتمكنون من الحكم بمفردهم. أما إذا أدخلناهم باعتبارهم شريكا في التحالف واضطروا إلى تحمل المسؤولية، فإما أن تكبر شعبيتهم أو تنخفض بناء على أفعالهم".
يخشى الكثيرون من التطبيع مع حزب كان يعد متطرفا يلعب بأوراق الخوف والعنصرية، وبخاصة من خلال مجلته الإلكترونية سامتدن وقناته على يوتيوب. وحزب الديمقراطيين السويديين يؤيد إغلاق حدود البلد تماما، وحثَّ على منع اللحم الحلال في المدارس وانتقد حكومة يسار الوسط السابقة ووصفها باللين مع المهاجرين والمتطرفين الإسلاميين.
وكان أكيسون زعيم الديمقراطيين السويديين قد قال في الماضي إن هجرة المسلمين إلى السويد هي "أضخم خطر أجنبي علينا منذ الحرب العالمية الثانية".
لكن ثمة أيضا اعتقادا متناميا بأن نبذ الحزب ببساطة يسمح له بلعب دور المنتقد دونما تحمل أي مسؤولية.
يرى أنديرس فولك، 64 سنة، وهو مدير في شركة معمارية، خطرا في تأثير الديقراطيين السويديين من الخفاء ويفضل أن يتولوا قدرا من المسؤولية في الحكم. وأشار إلى تجارب الدنمارك وفنلندا والنرويج حيث اضطرت أحزاب شعبوية يمينية متطرفة إما إلى الاعتدال في الحكم أو الفشل وفقدان التأييد الشعبي.
قال إن الديمقراطيين الاشتراكيين استحقوا الخسارة لأن "الاندماج فشل" في حين بدا أن هناك "تابو" لدى الساسة الراسخين يتعلق بمناقشة مشكلات مثل الجريمة والبطالة. قال "أعتقد أن بقية أوروبا تسخر منا"، مشيرا إلى آثار أزمة المهاجرين، مضيفا أن بلادا أخرى "كانت أكثر تقييدا للمهاجرين، ونحن تحملنا المسؤولية كاملة".
يعمل إريد أندرسن، 25 عاما، في التليفزيون والسينما. قال إنه يائس من تحقيق تغيير حقيقي على أيدي الحكومات الائتلافية. وبرغم أنه يختلف مع الديمقراطيين السويديين ولم يصوت لهم، فيجب السماح لهم بالحكم، والفشل، على حد تعبيره.
قال "سيدرك الناس أنهم لا يستطيعون عمل أي شيء، وأنهم سوف يسقطون من حالق".
لكن ثمة درسا يجب أن تستخلصه السويد من صعودهم حسبما يرى أندرسن، فالديمقراطيون السويديون "تكلموا في أمور يجب النظر فيها، لكن بسبب التابوهات، لم يشأ أحد أن يناقشها"، والآن سوف تظهر النتائج.
قال "إننا بحاجة إلى الحديث عن مشكلاتنا علنا، لأننا لو لم نفعل هذا، سوف يتزايد التطرف، ولا بد أن نتحلى بالقدرة على الحديث الصريح وتحدي المتطرفين".
"خدمة نيويورك تايمز"
