كيف يتحول نشاطك على الإنترنت إلى أصول تسهم في رفع إيرادات الشركات ونموها؟
حين تقوم بتسجيل إعجاب على منشور معيّن على الانستجرام أو تويتر فإنك على الأغلب تسهم في زيادة إيرادات المنصة من خلال إمدادها بمعلومات حول تفضيلاتك فتقوم هي ببيعها لشركات إعلانية لتصميم محتويات أكثر تأثيرًا، وبشكل عام تحفظ أجهزتنا الذكية بل وتراكم الكثير من البيانات، ومع تطوُّر تقنيات تحليل هذه البيانات وتخزينها تحوَّلت إلى نوع من الأصول الرقمية ذات أهمية عالية للشركات والمؤسسات الحكومية التي باتت تستخدمها للنمو وتحسين كفاءة أعمالها.
ويمكن لإتاحة البيانات الضخمة والمحدّثة حول أنماط الاستهلاك والساعات الأكثر ازدحامًا في مناطق جغرافية محددة أن تعطي مؤشرات مهمة لإقامة تطبيقات ذكية وبدء مشاريع جديدة وأن تمكّن صنّاع القرار من اتخاذ قرارات وتنفيذ خطط استراتيجية أكثر دقة.
ويقدّر حجم سوق البيانات الضخمة عالميا بنحو 70.5 مليار دولار وفقًا لإحصائيات 2020، كما أشارت دراسة لجامعة «هارفارد» إلى أنه من المتوقع أن يولّد اقتصادات البيانات حوالي 13 تريليون دولار في عام 2030 متفوقًا في ذلك على الكثير من توقعات نمو القطاعات والصناعات التقليدية الأخرى ومنها الاتصالات على سبيل المثال.
النفط الجديد
من جانبه، قال عبدالله بن الوليد الهنائي الرئيس التنفيذي لمجموعة الهنائي وصانع محتوى اقتصادي إن البيانات هي «النفط الجديد» لأهميتها في إيجاد إيرادات عالية وتسهيل بدء الأعمال وتطويرها، فعلى سبيل المثال تمتلك منصات توصيل الطعام بيانات هائلة حول تفضيلات المستخدمين للأكل وأكثر الأوقات والوجبات طلبًا من خلال نشاطهم على هذه التطبيقات، ويمكن بالتالي للشركة المالكة للتطبيق أن تستفيد من هذه المعلومات لتوسيع أعمالها كتحسين خدماتها بما يتناسب مع توجه جمهورها، أو حتى بيع هذه البيانات لشركات ناشئة أخرى تود الاستثمار في القطاع أو منظمات الصحة العالمية لتحديد سلوك الاستهلاك القائم لدى فئات المجتمع.
وأوضح الهنائي أن توفر البيانات بشكل محدث للعامة حول التوزيع الديموغرافي للسكان وتوجهاتهم الاستهلاكية سيسهم في إيجاد أرضية صلبة وواضحة لدى كل مَن يرغب في بدء مشروع أو الاستثمار في قطاع محدد، كما سيقلل من فرص الفشل وسيرفع من حدة التنافسية، فكلما توفر قدر أكبر من المعلومات زادت سهولة البدء بالمشاريع.
ولا يقتصر الأمر على الأعمال وتطويرها، حيث يرى الهنائي أن أصحاب القرار بإمكانهم وضع خطط واستراتيجيات أكثر دقة إذا ما توافرت لديهم بيانات محدثة وآنية ومفصّلة عن توجهات السكان وتفضيلاتهم، وأوصى بأهمية نشر الوعي حول أهمية هذا القطاع ومدى تأثيره وإيجاد حاضنات خاصة للقطاع ودعم الشركات العاملة به للأخذ بأيديهم وتطوير هذا الاقتصاد قدر الإمكان.
المساهمة في النمو
من جانبه، يرى محمد الساعدي المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أثر للتنمية والاستثمار أن للبيانات دورا مهما ومحوريا في صناعة القرارات وتحسين وتطوير دور القطاعات، حيث أصبحت للبيانات قدرة على عرض المتغيرات بشكل أكثر شفافية لمتخذي القرار، وطرح فرص جديدة للاستثمار، مشيرا إلى أن الكثير من الشركات العالمية الرائدة باتت تتوجه إلى تحليل البيانات وتطويرها لزيادة إيراداتها.
وقال الساعدي إن توفير البيانات المفتوحة بصورة شفافة على الصعيد الوطني يمكن أن يسهم في نشأة الكثير من التطبيقات الجديدة والمشاريع، وأشاد بدور المركز الوطني للإحصاء والبيانات كبوابة مهمة للبيانات، إلا أنه لا يمكن الحصول على جميع المؤشرات النشطة من خلاله أو البيانات الخام المفتوحة لصناعة نماذج تحليلية متقدمة، وأوصى بأهمية وجود منصة محلية متخصصة لنشر البيانات للعامة تُدار من قِبل فريق متخصص وتساعد رواد الأعمال وأصحاب القرار للوصول إليها بكل بسهولة، كما نادى بتمكين هذا القطاع محليا وتشريع استخدام البيانات للقطاعات الحيوية وفقا لرؤية عمان ٢٠٤٠.
البيانات الضخمة والتقليدية
وتختلف البيانات الضخمة عن تلك التقليدية والتحليلات والإحصاءات كونها تشكّل مجموعة بيانات أكثر تعقيدا وتطورا وتجمع باستمرار من مصادر البيانات الجديدة كالأجهزة المزودة بالجساسات، وتطبيقات الهواتف النقالة، وبيانات مواقع التواصل الاجتماعي، ويتراوح حجمها من عشرات التيرابايت إلى مئات البيتابايت، وتتضمن النصوص والصور ومقاطع الفيديو مما يعني أن معالجتها تتطلب تقنيات ومهارات أكثر تطورا.
ويتمتع اقتصاد البيانات الجديد بقدرته على جمع البيانات لتبادلها ومعالجتها وتحليلها باستخدام مجموعة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة المتقدمة، وتعزيز مكانة الشركات في السوق ونموها، وبإمكان البيانات أيضا أن تولد تقنيات ونماذج أعمال جديدة. وتسهم بيانات التركيبة السكانية وتاريخ المشتريات والتفاعلات وأنماط التسوق في تمكين الشركات الكبرى من تطوير ما يطلبه الزبائن وتقديم منتجات وخدمات مخصصة جدًا وذات طابع شخصي، مما يمكنها من زيادة إيراداتها الحالية وإيجاد مصادر دخل جديدة، وحين تكون البيانات مفتوحة وتقدَّم للعموم فإنها بالتالي ستحقق مزايا أوسع للأعمال، من خلال زيادة الشفافية وتعزيز السمعة وتنمية الأرباح، ويمكن للشركات أيضًا أن تبيع البيانات وتحقق إيرادات إضافية ثانوية لدعم أعمالها الأساسية.
ولعل من أنجح الأمثلة في هذا القطاع هي مساهمة فتح الوصول إلى بيانات نظم المعلومات الجغرافية في نمو قطاع تطبيق تحديد المواقع العالمي، حتى وصلت قيمته السوقية لأكثر من 128 مليار دولار، كما فتح استخدام هذه البيانات الآفاق أمام ابتكار مجموعة من التقنيات والتطبيقات الجديدة إضافة إلى إنشاء برمجيات تخطيط المناطق الحضرية والدعم اللوجستي. وفي القطاع الصحي، يمثل تبادل البيانات والتحليلات بين المؤسسات البحثية والمستشفيات إلى ظهور صناعة الدواء الدقيق وتطوير أساليب علاج أكثر تخصصية.
ويواجه مطورو البيانات العديد من التحديات التي تمنع من جنيهم للثمار الواعدة لهذا القطاع من أهمها التكلفة العالية للتطبيقات والتقنيات المستخدمة لمعالجتها بالإضافة إلى توفرها في جدل ما بين حماية حقوق المستخدمين وتحقيق المنفعة العامة، حيث أشار المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن العديد من المؤسسات ركزت غالبًا على حماية البيانات والخصوصية وخصصت لذلك الموارد الكافية، إلا أن ذلك عرقل الاستفادة من القيمة الكاملة للبيانات، وأدى إلى تعدد كبير في سياسات وإدارة البيانات وحد من إمكانية تبادلها بين الأطراف المختلفة لتحقيق المنافع المتبادلة، وأنه لا بد من حوارات عالمية للوصول إلى أطر تنظيمية ونماذج تجارية أفضل تسرع عمليات تبادل البيانات واستخدامها.
