الاقتصادية

الحرب الأوكرانية تقلب موازين سوق الطاقة.. والطلب على النفط يواصل الصعود

22 أبريل 2022
الشركات العالمية تضخ استثمارات جديدة
22 أبريل 2022

رغم انتهاء الشتاء بما يصاحبه من ارتفاع في استهلاك الطاقة للتدفئة، يشهد الطلب زيادة معتادة في ظل حركة السفر والتنقل في الصيف -

الشركات الأوروبية والأمريكية تتجه لمزيد من الاستثمار في الغاز المسال، وإكسون موبيل تستثمر 10 مليارات دولار في مشروع جديد ضمن 10 مشروعات تخطط شركات النفط لها في أمريكا الجنوبية -

العالم يحتاج إلى استثمارات إضافية 1.3 تريليون دولار بحلول 2030 لتعزيز إنتاج كافة أنواع الطاقة وتجنب أزمة في الإمدادات -

في عام 2020 وفي ذروة تفشي جائحة كوفيد 19 خرجت كبرى شركات إنتاج النفط في العالم، بي بي، بتصريح أثار الجدل على نطاق واسع، حيث توقعت الشركة أن ذروة الطلب العالمي على النفط قد تخطاها العالم بالفعل في العام السابق على الجائحة أي في عام 2019، وهو ما يعني اتجاه الطلب إلى منحنى الهبوط بشكل مستمر ومتواصل، لكن بمجرد انحسار تبعات الجائحة ومعاودة الاقتصاديات العالمية للتعافي من هذه التبعات اتجهت الأسعار بدءا من العام الماضي للصعود بشكل كبير وشهد الطلب على النفط ارتفاعا كبيرا وأصبح المعروض النفطي غير قادر على تلبية الطلب نظرا لقيام غالبية الشركات المنتجة بخفض الاستثمارات الجديدة في قطاع النفط والغاز بعد ثلاث دورات متتالية من تراجع الأسعار في أعوام 2008 و2014 و2020 وهو ما أدى إلى تقلص الإنتاج.

وخلال العام الجاري، تابع العالم تطورات الحرب بين روسيا وأوكرانيا والتي أحدثت تأثيرات واسعة النطاق على إنتاج وعرض السلع خاصة النفط والغاز، وأدت تبعات الحرب إلى صعود كبير لأسعار النفط والغاز مع تهديد كبير للإمدادات في الدول المستهلكة الرئيسية في أوروبا نظرا للعقوبات المصاحبة للحرب وسعي الإدارة الأمريكية للحد من صادرات النفط والغاز من روسيا. مع كل هذه التبعات، تبدو الحرب الأوكرانية عاملا أساسيا يغير الموازين في سوق الطاقة العالمي، حيث من المتوقع استمرار الطلب على النفط بشكل كبير لأمد يصعب توقعه خاصة مع سعي الولايات المتحدة لدفع شركات النفط والغاز لزيادة استثماراتها في القطاع بهدف إيجاد بدائل للنفط والغاز الروسيين، ونظرا لأن صناعة النفط من القطاعات التي تتطلب استثمارات كبيرة تتم على المديين المتوسط والطويل وليس على المدى القصير، فإن أي استثمارات جديدة سيتم ضخها في القطاع تعني بشكل مباشر احتياج الشركات لاسترداد التكلفة الاستثمارية لمدة طويلة واستمرار إنتاج النفط بشكل مرتفع مما يحد من الخطط التي تسعى لاستبدال تدريجي للنفط بمصادر الطاقة المتجددة، وقد أصبحت هذه الأوضاع المعقدة والمتشابكة في سوق النفط تثير تساؤلا حول ما إذا كان العالم مقبلا حقا على نهاية فعلية لذروة الطلب على النفط بحلول نهاية العقد الحالي، أم أن الطلب على الوقود الأحفوري سيستمر طالما ظل هذا المورد متوفرا خاصة أن وكالة الطاقة الدولية التي دعت في منتصف عام 2021 إلى وقف جميع مشروعات التنقيب الجديدة عن النفط والغاز في إطار مكافحة التغير المناخي، عادت هي نفسها في مارس الماضي إلى حث الدول المنتجة للنفط على ضخ المزيد من الإنتاج لتحقيق الاستقرار في السوق التي تضررت بشدة من تبعات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وفضلا عن ذلك، فرغم انتهاء موسم الشتاء بما يصاحبه من ارتفاع في استهلاك الطاقة للتدفئة، من المتوقع أن يشهد الطلب على النفط زيادة معتادة في ظل نشاط حركة السفر والتنقل في موسم الصيف.

ومن داخل صناعة النفط تبدو الرسائل التي تبعثها قرارات وتوقعات شركات النفط الكبرى متضاربة، إذ أشارت شركة الطاقة الفرنسية العملاقة توتال انيرجيز إلى أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل نهاية هذا العقد، حيث تقوم المزيد من الدول بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز الطاقة الأنظف في النقل والصناعة للتخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري، وترى الشركة أنه أخذا في الاعتبار التعهدات الجديدة الخاصة بالانبعاثات الصفرية التي قدمتها دول بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، من المفترض أن الطلب على النفط الخام سوف يستقر قبل عام 2030 ثم ينخفض بعد ذلك، وستتسارع جهود خفض الانبعاثات بحلول عام 2050.

لكن من جانب آخر، وبعد أن أثبتت التطورات الفعلية في سوق النفط أن الطلب يتجه للارتفاع بشكل مستمر، قامت بي بي بتعديل توقعاتها وقالت: إن الطلب على النفط سيستمر لفترة أطول بكثير عما توقعته سابقا وبكميات أكبر أيضا. حيث ترى في السيناريو الأقرب إلى واقع الأسواق اليوم أن استهلاك النفط العالمي سيبقى فوق الـ 100 مليون برميل يوميا حتى عام 2030، ليبدأ بالتراجع التدريجي بعد ذلك إلى نحو الـ 80 مليون برميل يوميا بحلول عام 2050 ، وتوقعت أيضا أن تلبية الطلب على النفط يحتاج إلى استثمارات في قطاع النفط والغاز العالمي بما يتراوح ما بين 250 إلى 550 مليار دولار سنويا.

كما يتواصل ضخ الاستثمارات الجديدة في القطاع وأعلنت شركة إكسون موبيل خلال الأيام الماضية أنها ستستثمر 10 مليارات دولار في مشروع رابع لإنتاج النفط قبالة ساحل دولة جويانا الواقعة في الجزء الشمالي من أمريكا الجنوبية، وتعد جويانا واحدة من أكبر رهانات إكسون على نمو الإنتاج في المستقبل، حيث يتوقع إنتاج ما يصل إلى 1.2 مليون برميل يوميًا من النفط والغاز بحلول عام 2027، والمشروع الذي تبلغ تكلفته 10 مليارات دولار هو واحد من نحو 10 مشروعات تخطط شركات النفط لها في جويانا.

ويدعو خبراء النفط إلى توازن للسوق على المدى الطويل يعتمد على الانتقال بسلاسة من خلال الاستثمار أكثر فأكثر في الطاقات المتجددة وغير الكربونية مع الحفاظ على مستوى معين من الاستثمار في مصادر الطاقة الأحفورية التي هي فعليا ما يستخدمه العالم حاليا، وقد أكد بنك «جيه بي مورجان تشيس» أن العالم يحتاج إلى استثمارات إضافية بقيمة 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2030 وذلك لتعزيز كافة أنواع الطاقة سواء كانت من مصادر متجددة أو من النفط والغاز وذلك لتجنب حدوث أزمة طاقة، ويرى أنه بحلول 2030 سيتجاوز نمو الطلب على الطاقة المتجددة المعروض منها بنحو 20 بالمائة وذلك استنادًا إلى الاتجاهات الحالية، واعتبر «جيه بي مورجان» أن الاستثمار لا بد أن يشمل جميع أنواع الوقود، بما في ذلك النفط والغاز ومصادر الطاقة المتجددة والنووية، وسط توقعات بنمو الطلب على النفط وحده بنحو 10 بالمائة بحلول 2030، فيما قد ينمو الطلب على الغاز بنسبة 18 بالمائة، مشيرا إلى أنه تتوفر تقنيات قابلة للتطوير وموثوق بها ونظيفة وبأسعار معقولة، سيحتاج العالم إلى العمل مع جميع مصادر الطاقة الحالية سواء كانت أحفورية أو غير أحفورية، كما تعتبر وكالة الطاقة الدولية أن العالم يحتاج إلى الوصول إلى 4.7 تريليون دولار من الاستثمارات في كافة مصادر الطاقة خلال هذا العقد لتلبية الطلب.

وفي تقرير حديث لها أشارت وكالة «بلومبرج» المتخصصة في الشؤون الاقتصادية إلى إن أزمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا تزيد حماس العالم للتحول إلى الطاقة منخفضة الكربون، لكنها تخلق في الوقت ذاته حالة من التدافع على الوقود الأحفوري الذي سيستقبل استثمارات جديدة بمليارات الدولارات، وأشارت الوكالة إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تخططان في الوقت الراهن لبناء محطات الغاز الطبيعي المسال التي ستعمل لعقود. وبينما يرتفع الطلب على الفحم في جميع أنحاء العالم، سيواجه موردو النفط الصخري ضغوطا هائلة لسد فجوة الإمدادات المحتملة لدى الدول التي تسعى إلى الاستغناء عن الغاز الطبيعي الروسي، وقد انقلب سوق الغاز العالمي رأسا على عقب مع سعي الدول للحصول على بدائل لروسيا خصوصا في أوروبا وبينما الإنتاج العالمي الحالي لن يكون كافيا فإن هذا الوضع سيدفع نحو الاستثمار في الإنتاج الجديد خصوصا في قطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ويذكر أنه رغم جهود التحول للطاقة المتجددة في العالم، مازال الاعتماد بشكل رئيسي على الوقود الأحفوري، ورغم نمو إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة مازالت مساهمة هذه المصادر محدودة وغير قادرة على تلبية الطلب العالمي المتنامي، ووفقا لتقرير الاتجاهات العالمية للاستثمار في الطاقة المتجددة الذي نشره برنامج الأمم المتحدة للبيئة وبلومبرجنيف، تجاوز الاستثمار في الطاقة المتجددة 250 مليار دولار أمريكي سنويا فيما بين عامي 2014 و2018. وعلى مدى العقد بأكمله، تشير تقديرات التقرير إلى أنه تم استثمار 2.6 تريليون دولار أمريكي في جميع أنحاء العالم. وبحلول عام 2019، باتت مصادر الطاقة المتجددة (بما فيها الطاقة المائية الكبيرة) تولد 26.3 بالمائة من إجمالي الكهرباء المولدة على مستوى العالم، وارتفع الإنفاق العالمي على التحول إلى الطاقة منخفضة الكربون بأكثر من الربع في عام 2021، مدفوعا بقطاعي السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وبلغ إجمالي الاستثمار 755 مليار دولار، بزيادة قدرها 27 بالمائة عن العام السابق، ومع ذلك، يجب زيادة الإنفاق بشكل كبير للوصول إلى صافي انبعاثات الكربون الصفرية بحلول منتصف القرن، إذ يقدر أن هناك حاجة إلى استثمار 2.1 تريليون دولار في التحول للطاقة النظيفة خلال الفترة من 2022 وحى 2025 .