استقرار حجم سندات التنمية الحكومية عند 3,8 مليار ريال
توقع مزيد من تحسن الوضع المالي العام الجاري والمقبل بدعم من إجراءات الهيكلة المالية وارتفاع أسعار النفط
يكتسب تحسن الوضع المالي أهمية خاصة بعد قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة
رفع الفائدة ينهي سياسة التحفيز المالي التي اتبعتها البنوك المركزية طوال فترة الجائحة كورونا
سجلت إصدارات سلطنة عمان من سندات التنمية الحكومية والصكوك السيادية استقرارا لمدة تقترب من عام, فيما يعد أحد المؤشرات التي تعكس تحسن الوضع المالي وتراجع حجم الحاجة لتمويل الميزانية العامة عبر الاقتراض المحلي والأجنبي نظرا للارتفاع الحاد في أسعار النفط والآثار الإيجابية التي نتجت عن تطبيق خطة التوازن المالي متوسطة المدى وإعادة هيكلة المالية العامة. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بعد قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة مع توقعه مزيد من الارتفاعات خلال الفترة المقبلة وهو ما سيؤدي إلى زيادة كلفة الاقتراض والتمويل.
وبلغ إجمالي حجم إصدارات الصكوك وسندات التنمية الحكومية ٣،٨ مليار ريال، وكان آخر إصدار للسندات الحكومية قد تم في أبريل من العام الماضي وهو الإصدار رقم 67 بقيمة 300 مليون ريال عماني وسجل إجمالي الإصدارات من السندات 400 مليون ريال خلال العام الماضي، ولم يعلن البنك المركزي حتى الآن عن أي إصدارات جديدة لسندات التنمية الحكومية خلال هذا العام، بينما يواصل إصدار سندات الخزينة قصيرة الأجل, وتم خلال العام الماضي سداد 100 مليون ريال عماني لحلول موعد استحقاق أحد إصدارات سندات التنمية, فيما يحل العام الجاري موعد استحقاق الإصدار 40 من سندات التنمية الحكومية بقيمة ١٠٠ مليون ريال عماني والإصدار 50 بقيمة 100 مليون ريال عماني وكذلك الإصدار الخامس من الصكوك السيادية بقيمة 25 مليون ريال بإجمالي 225 مليون ريال عماني للإصدارات الثلاثة.
وتضمن حكومة سلطنة عمان سندات التنمية الحكومية ضمانا مباشرا غير مشروط ويمكن الاقتراض بضمان السندات من البنوك المحلية المرخصة، بالإضافة إلى إمكانية التعامل فيها (بيعا وشراء) بالسعر السائد في السوق من خلال بورصة مسقط، ويكون الاستثمار متاحا لجميع فئات المستثمرين من داخل سلطنة عمان وخارجها.
وكانت وزارة المالية قد توقعت تراجعا سنويا في نسبة الاحتياجات التمويلية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 22 بالمائة في 2020 إلى 10 بالمائة فقط خلال الأعوام 2021 و2022 و2023، وفي ظل ارتفاع أسعار النفط سجلت الميزانية العامة لسلطنة عمان مؤخرا أقل عجز مالي منذ سنوات إذ بلغ العجز 735 مليون ريال وكانت التوقعات السابقة تشير إلى عجز مالي بنحو 2,2 مليار خلال عام 2021، وساهم ارتفاع النفط في تحقيق فائض مالي خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي, كما بلغ حجم الفائض في يناير الماضي نحو 18 مليون ريال, وتوقع صندوق النقد الدولي أن تحقق الميزانية العامة لسلطنة عمان فائضا على أساس سنوي خلال هذا العام بدعم من إجراءات الهيكلة المالية التي تتم وفق خطة التوازن المالي متوسطة المدي، إضافة إلى المستويات المواتية للغاية التي بلغتها أسعار النفط خلال الفترة الماضية.
وخلال العام الماضي، وحتى قبل ارتفاع أسعار النفط، سجل الوضع المالي تحسنا كبيرا، ونجحت سلطنة عمان في سداد نحو 1,4 مليار ريال من القروض. وبلغ صافي الاقتراض الأجنبي خلال العام الماضي 948 مليون ريال عماني حيث استلمت سلطنة عمان 2,402 مليار ريال عماني من القروض وسددت 1,454 مليار ريال عماني من القروض الخارجية، في حين بلغ صافي الاقتراض المحلي 300 مليون ريال حيث تم استلام 400 مليون ريال من وسائل التمويل المحلية وسداد 100 مليون ريال، وإضافة إلى القروض الخارجية والمحلية تم سحب 600 مليون ريال عماني من جهاز الاستثمار العماني وهو ما يجعل إجمالي وسائل تمويل الموازنة العامة للدولة 1,848 مليار ريال عماني، وفق بيانات وزارة المالية.
وتتضمن ميزانية العام الجاري تقديرا لمتوسط إنتاج النفط عند مليون و٥٥ ألف برميل يوميا مع وضع متوسط ٥٠ دولارا لسعر النفط تحوطا لأي تقلبات أو تذبذبات قد تشهدها سوق النفط العالمية، وبناء على ذلك تم تقدير العجز المالي للعام الجاري عند ١،٥ مليار ريال ويتم تمويله من خلال ١،١ مليار من الاقتراض المحلي والأجنبي وسحب ٤٠٠ مليون ريال عماني من جهاز الاستثمار العماني إذا تطلبت الحاجة ذلك.
وقبل تبني حزمة إجراءات الضبط المالي وخطة التوازن المالي متوسطة المدى وصعود النفط، كانت التقديرات تشير إلى عجز مالي متوقع سنويا بنحو 4,8 مليار ريال عماني، وبعد هذه الإجراءات ومع الارتفاع الحالي في النفط من المتوقع تواصل تحسن الوضع المالي واتجاه العجز لمزيد من التراجع.
ويذكر أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قام مؤخرا برفع سعر الفائدة خلال مارس الجاري, لأول مرة منذ عام 2018 بمعدل 0.25 بالمائة لتصبح عند 0.5 بالمائة، وذلك بعد الحفاظ على سعر الفائدة ثابتًا بالقرب من الصفر منذ بداية جائحة كورونا, وقال جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي، أن هناك رفعا لسعر الفائدة في نطاق من 1.75 بالمائة و 2 بالمائة مع نهاية العام الجاري، حيث حددت اللجنة الفيدرالية إنه سيكون هناك ارتفاع في أسعار الفائدة في كل من الاجتماعات الستة المتبقية هذا العام, وقد أعلن الفيدرالي في توقعاته إن معدل التضخم سيكون عند 4.3 بالمائة في عام 2022 وعند 2.7 بالمائة في 2023 و 2.3 بالمائة في 2024، أما فيما يخص معدل البحث عن عمل في الولايات المتحدة الأمريكية فسوف يصل إلي 3.5 بالمائة في 2022، و 3.5 بالمائة في 2023 و 3.6 بالمائة في 2024, وبينما يأتي قرار رفع الفائدة لينهي سياسة التحفيز المالي التي اتبعتها البنوك المركزية طوال فترة الجائحة وكانت أحد الأسباب الرئيسية في صعود معدلات التضخم إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم منذ عقود, من المتوقع أن يكون لقرار رفع الفائدة تبعات مالية عديدة لعل من أهمها زيادة كلفة التمويل والاقتراض في وقت بلغت فيه معدلات الدين العالمي مستوى مرتفع نظرا لضخ الحكومات سيولة كبيرة لاحتواء تبعات الجائحة, وازدادت معدلات الدين بشكل عام في مختلف دول العالم لكنها تمثل عبئا كبيرا في الأسواق الناشئة بشكل خاص, وقد ساهمت الحرب في أوكرانيا في تراجع معدلات الاستثمار وانخفاض تدفق النقد الأجنبي نظرا لحالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين في كافة أنحاء العالم.
وفي تقرير سابق, حذر صندوق النقد الدولي من أنه لا يستبعد حصول "انهيار اقتصادي في بعض الدول" في حال لم تتخذ مجموعة العشرين إجراءات عاجلة لتخفيف أعباء الديون عن هذه الدول والحد من تداعيات الجائحة التي لا تزال خارج السيطرة, وعند بدء انتشار الجائحة، قررت دول مجموعة العشرين تعليق تسديد خدمة الدين للدول الفقيرة حتى نهاية عام 2021, ورغم إجراءات المساعدة المتخذة منذ بدء الجائحة تتعرض حوالي 60 بالمائة من الدول المتدنية الدخل لخطر مرتفع أو تعاني من عبء مديونية كبير, وتراكمت التحديات على كثير من الدول في ظل تعافي اقتصادي محدود بعد الجائحة وكلفة باهظة لاحتواء التبعات, وما كاد الاقتصاد العالمي يتعافى بعد الجائحة حتى جاءت الحرب في أوكرانيا لتلقي بظلال قاتمة على آفاق النمو الاقتصادي.
ووفق صندوق النقد الدولي, في عام 2020 ارتفع الدين في أكبر طفرة خلال عام واحد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث وصل الدين العالمي إلى 226 تريليون دولار عندما ضربت العالم أزمة صحية عالمية وحالة من الركود العميق. وكان الدين مرتفعا بالفعل في الفترة السابقة على الأزمة، غير أن الحكومات يتوجب عليها الآن خوض غمار عالم يتسم بمستويات قياسية من الدين العالمي العام والخاص، وسلالات متحورة جديدة من الفيروس، وصعود متواصل في التضخم, ففي عام 2020، ارتفع الدين العالمي بمقدار 28 نقطة مئوية إلى 256 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، وكان اقتراض الحكومات يمثل نسبة أعلى بقليل من نصف هذه الزيادة، حيث قفزت نسبة الدين العام العالمي إلى مستوى قياسي قدره 99 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي. كذلك ارتفع الدين الخاص من خلال الشركات غير المالية والأسر مسجلاً مستويات غير مسبوقة, وكانت زيادة الدين مذهلة في الاقتصادات المتقدمة، حيث ارتفع الدين العام من نحو 70 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2007 إلى 124 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020.
وفيما يتعلق بالدول المصدرة للنفط, من المتوقع أن يكون الصعود الحالي في أسعار النفط فرصة مواتية للغاية لمزيد من تحسن وضبط والأوضاع المالية وخفض الدين العام نظرا لانخفاض الاحتياج للتمويل الخارجي وحدوث فائض مالي جيد نتيجة زيادة أسعار النفط وذلك بعد سنوات طويلة من الضغوط المالية التي سببها تراجع النفط في عام 2015.
