أوقفوا الإنزلاق نحو الحرب مع روسيا
ترجمة قاسم مكي -
مشكلة أمريكا أنها لا تجيد العمل الدبلوماسي، ولا يزال يشوش على تفكيرها الإحساس الطاغي بأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وأنها لا ندخل في التسويات بسهولة وأنها تتوقع فرض إرادتها
ما يحدث في أزمة أوكرانيا بمصطلحات لغة الدبلوماسية «جنون». مع حشد 100 ألف جندي روسي على الحدود مع أوكرانيا، طالب الرئيس فلاديمير بوتين بِرَدٍّ مكتوب من الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو على مطالبه بضمان عدم توسع الحلف شرقا.
وصلت ثلاث جولات من المفاوضات إلى طريق مسدود. ويوحي البيت الأبيض بأن روسيا تخطط لعملية عَلَم زَائف (تُخفِي الفاعل الحقيقي) في أوكرانيا كذريعة للغزو. ويهدد الرئيس بايدن بعقوبات قاسية. من جانبه، يقول بوتين إن ذلك سيكون «خطأ جسيما».
المتهورون سعداء. فقوة مهام البيت الأبيض التي تضم وكالة الاستخبارات المركزية قيل أنها تفكر في دعم الولايات المتحدة لحرب عصابات إذا استولت روسيا على أوكرانيا. ويتحدث الصقور الروس عن انتشار عسكري في كوبا وفنزويلا. ويقول أمين عام سابق للناتو إن الحلف قد يقبل بعضوية فنلندة والسويد «بين ليلةٍ وضُحاها» إذا استفزه الروس.
إنه جنون. مثلما قلت. ومع حاجة الولايات المتحدة الماسَّة لتركيز الاهتمام والموارد على التحديات التي فرضتها الجائحة وعلى اللامساواة الموهِنة والانقسام العرقي الحاد والتغير المناخي الكارثي، وفيما تُعِدُّ الإدارةُ الأمريكية نفسَها لمجابهة الصين، فإن آخر شيء نحتاج إليه هو حربٌ بالوكالة. أو، لا قدر الله، حربٌ مباشِرة مع الروس حول أوكرانيا.
عند تنصيبه رئيسا أعلن بايدن أن هذا الوقت وقت الدبلوماسية. وشكَّل في ذات الوقت فريقا لإدارة الأمن القومي من مجموعة لها صلة بالكوارث المتعاقبة في العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها.
المشكلة هي أن الولايات المتحدة لا تجيد العمل الدبلوماسي. ولا يزال يشوِّش على تفكيرنا الإحساسُ الطاغي بأننا القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأننا لا ندخل في التسويات بسهولة وأننا نتوقع فرض إرادتنا. فنحن لدينا عضلات تتمثل في حوالي 800 قاعدة عسكرية خارج الولايات المتحدة. وهي تفوق عددا بعثاتنا الدبلوماسية. أما قواعد روسيا الوحيدة خارج الاتحاد السوفييتي ففي سوريا. ولدينا عقوبات اقتصادية نفرضها أو نهدِّد بها بلدانا تمتد من فنزويلا إلى روسيا.
ونحن نتحدث عن نظام عالمي يرتكز على قواعد. لكننا نحترمه فقط إذا وضعنا نحن قواعده. وكثيرا ما نعفي أنفسنا من تطبيقها علينا.
لذلك عندما يطالب بوتين بموافقة الولايات المتحدة على عدم جعل أوكرانيا أو جورجيا عضوا في الناتو ترفض مفاوِضةُ وزارةِ الخارجية ويندي شيرمان ذلك. وتُعلِن أن الولايات المتحدة «لن تسمح لأي أحد بإغلاق سياسة الباب المفتوح لعضوية الناتو».
هذا الموقف غبي. لقد سبق أن أوضح ثلاثة رؤساء أمريكيون (باراك أوباما ودونالد ترامب وبايدن) بأن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة وطنية كافية لإلزام القوات الأمريكية بالدفاع عن أوكرانيا أو جورجيا ضد الغزو. ومن المستبعد على الإطلاق أن يقبل الناتو بانضمام أي منهما. ويمكن لروسيا بسهولة ضمان ألا يتأهلا لهذه العضوية لأن اتفاقيات حلف الناتو نفسه تمنع قبول عضوية بلدٍ له حدود متنازَع حولها.
رغما عن ذلك نحن على استعداد للتمسك حتى النهاية بالإصرار على أن أوكرانيا لها الحق في الانضمام إلى تحالف عسكري دفاعي يتطلب من الولايات المتحدة الدفاع عنها عسكريا.
تتيح أوكرانيا فرصة لبايدن لالتزام الدبلوماسية. وتقدم «تجربة» النمسا نموذجا لذلك. ففي منتصف الخمسينات مع اشتداد الحرب الباردة وتدشين سباق التسلح النووي اجتمع السوفييت والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لتحديد ما سيفعلونه بالنمسا. السوفييت الذين خسروا 27 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية أقسموا بعدم التنازل إطلاقا عن «بوصة» من الأراضي التي احتلتها قواتهم.
في البداية اعترض وزير الخارجية الأمريكي المصادم جون فوستر دالاس على فكرة المفاوضات. لكن رغم ذلك وافق الطرفان بعد 13 يوما من المحادثات الشاقة على ضمان استقلال وحياد النمسا وتحريرها من كل القوات المحتلة. بالتأكيد ذلك يقدم بديلا أفضل لأوكرانيا ولحلفائنا الأوروبيين ولأنفسنا من مقاتلة الروس حتى آخر أوكراني.
أوكرانيا دولة منقسمة. ويهدم الفساد المتغلغل والانقسام المرير اقتصادَها وديمقراطيتَها.
لقد جعل التدخل الأمريكي والروسي الأشياء أكثر سوءا. وسيتيح لها الاستقلال مع الحياد المضمون فرصة لتعافيها.
سيتطلب هذا تسوية صعبة. فالروس يلزمهم ضمان استقلال أوكرانيا والقبول بوقف المناورات العسكرية المهددة حتى داخل أراضيهم. وسيتوجب على الولايات المتحدة التخلي عن الأوهام بشأن الناتو. وعلى أوكرانيا القبول بنظام فيدرالي يقدم ضمانات لسكان أوكرانيا الناطقين باللغة الروسية.
سيواجه كل من بوتين وبايدن انتقادا قاسيا من الصقور الذين سيكثرون من الثرثرة الفارغة عن الاستسلام والصدقية.
المسار العسكري أفضل لمحاربي «الكراسي الوثيرة» والمعلقين من الجواسيس السابقين في الولايات المتحدة. لكن سيتضح مرة أخرى أنه حماقة مُكلفة.
الأمريكان ضاقوا ذرعا من المعارك التي لا تنتهي في بلاد بعيدة. وربما يجد بايدن أن التسوية الحقيقية أكثر شعبية إلى حد بعيد من التوتر المستمر.
السؤال هو: هل يشعر كل من بوتين وبايدن بالقوة الكافية لاختيار ضبط النفس والحوار والاتفاق بدلا عن الانزلاق تجاه الحرب.
كاترينا فاندن هوفل محررة وناشرة مجلة ذا نيشن. تكتب عمود أسبوعي للواشنطن بوست.
