لماذا تدفع أمريكا إلى تقارب روسيا والصين؟

05 يناير 2022
05 يناير 2022

يورجن أورستروم مولر

ترجمة - أحمد شافعي

من ركائز السياسة الأمنية والخارجية الأمريكية منذ عام 1972 التفريق بين الصين وروسيا، فأي سعي إلى شكل من التفاهم، أو ما هو أسوأ منه أي التحالف الموجه ضد أمريكا -ضمنيا كان أم مكتوبا أم بدائيا- لا بد من إخراجه عن مساره. وقد حدث أن زار الرئيس ريتشارد نيكسن وهنري كيسنجر الصين سنة 1972 خصيصًا لإبطال ما كان يعتقد أنه تحالف صيني-سوفييتي.

واليوم تخلت أمريكا عمليا عن هذه السياسة، إذ يبدو أن السياسة الخارجية الآن تعلي موضوعات لا تسمح فقط بأن تلقي الصين وروسيا نفسيهما بين ذراعي إحداهما الأخرى بل إنها تدفعهما إلى ذلك على الرغم مما بينهما من الخلافات بل والمصادمات الثنائية المعروفة. فلم ير البلدان أحدهما الآخر صديقا طبيعيا قط، بل وقعت بينهما مناوشات عسكرية بسبب خلافات حدودية، كما تستفيد روسيا -باعتبارها من أكبر مصدِّري أنواع الوقود الحفري- من سعر النفط المرتفع في حين تستفيد الصين -باعتبارها من أكبر مستورديه- من السعر المنخفض.

وفي قضية التغير المناخي الكبيرة يختلف البلدان أيضا، ففي 13 ديسمبر 2021، استعملت روسيا حق النقض [الفيتو] ضد قرار من مجلس الأمن الأممي يعتبر الأزمة المناخية خطرا على السلام والأمن الدوليين في حين امتنعت الصين عن التصويت.

وقبل شهر في مؤتمر المناخ الأممي وقعت بكين اتفاقية مع الولايات المتحدة وصفها جون كيري -مبعوث الرئيس جو بايدن للمناخ- بـ«خارطة طريق لتعاوننا المستقبلي» لتخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ربما كان ذلك في الأفق لبعض الوقت، لكن خلال قمة عبر الفيديو في 15 ديسمبر 2021، أكد الرئيسان بوتين وشي شينبينج لأحدهما الآخر الدعم المتبادل وأخبرا العالم بأنهما يتبنيان نظرة مشتركة في القضايا الجيوسياسية الأساسية.

وإذا كانت الصداقة لا تصل إلى التحالف، فإن كلا القائدين مستاء من أداء الولايات المتحدة على الصعيد الخارجي وكل منهما يقف مع الآخر لإنهاء حقبة الهيمنة الأمريكية، أما مسألة إمكانية اتفاقهما على مسار مشترك يصلح بديلًا للنظام العالمي أمريكي القيادة فهو قصة مختلفة تمامًا لن تتكشف تفاصيلها إلا في المستقبل.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يمكن تصنيف هذا إلا باعتباره انتكاسة كبيرة، فانخفاض النصيب الأمريكي من إجمالي الناتج المحلي العالمي لا يمكن إخفاؤه أو عكسه، ومع ذلك فإنها تبقى، وإلى حد كبير، البلد الأقوى في العالم، ومن ثم، يظل بوسع الدبلوماسية الأمريكية القادرة أن تمنع الصين وروسيا من التقارب.

لقد سنحت للرئيس بيل كلينتون فرصة نادرة لصياغة نظام عالمي جديد، مثلما حدث مع الرئيس هاري ترومان في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فلم يحاول كلينتون، واكتفى بأن تنعم بسيادة بلده عالميا دون أن يدرك أن هذه السيادة لن تدوم، ليدفع خلفاؤه ثمن غفلته.

سنحت فرصة أخرى للرئيس جورج دبليو بوش مع الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، كانت بقية العالم جاهزة لاتباع قيادة الولايات المتحدة وعازمة على ذلك شريطة أن تطلب واشنطن القوى العالمية في جهد مشترك لمحاربة الإرهاب، لكن بوش آثر بدلا من ذلك تحالفًا للراغبين تبين أنه ضيق ورافض لمصالح البلاد الأخرى، أو أن بلادًا أخرى على أقل تقدير رأته كذلك، ومع ذلك ظلت الولايات المتحدة طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين القوة الأولى لا ينازعها في ذلك أحد. ولم يبد بوش شكًا في أن الولايات المتحدة سوف تلجأ -إذا ما اقتضت الحاجة- إلى القوة العسكرية لتحقيق مطامحها، فعمد الأصدقاء والخصوم على السواء إلى تعديل سياساتهم وفقًا لذلك، لكن ذلك الأمر لم يرق للكثيرين.

حاول الرئيس باراك أوباما أن يكسب صداقات في العالم لكن حيث لا وزن يذكر للصداقات في مقابل المصالح الملموسة، كانت جهوده جديرة بالثناء، لكنها لم تنجح، إذ بدأ الأعداء المحتملون يعتقدون أن الولايات المتحدة تتراجع عن استعمال القوة العسكرية، وهذا انطباع خطير لأنه يغري البلاد الساخطة باختبار الوضع دونما مخاطرة تذكر بمواجهة رد عسكري، فنمت صراعات محلية وإقليمية حتى خرجت عن السيطرة الأمريكية. وبدأت الشكوك تعتري الحلفاء بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تفي فعليًا بالتزاماتها المكتوبة أو غير المكتوبة تجاههم، وضعف النظام التحالفي الأمريكي ففتح ضعفه الباب للصين وروسيا -فضلًا عن قوى إقليمية مثل تركيا- لكسب مواطئ أقدام في أرجاء العالم، والتآكل الهادئ للسيادة الأمريكية.

كانت سياستا الرئيس دونالد ترامب الخارجية والأمنية مبهمتين، فتركتا قدرا كبيرا من العمل السياسي للصدفة وتسببتا في انطباع بأن السفينة تبحر بلا قبطان، لكن من وراء التشوش والقرارات غير المدروسة كان ثمة منطق محدد: كان ترامب أول رئيس يعترف بأن انخفاض نصيب الولايات المتحدة من إجمالي الناتج المحلي العالمي يعني أنه لا بد من تقليص التزامات الولايات المتحدة العالمية، ومن وراء واجهة صاخبة، جرى انسحاب استراتيجي، وأوصل ترامب انطباعا بأنه لا يريد اللجوء إلى القوة العسكرية، فنجمت عن ذلك صورة للولايات المتحدة بدت فيها أضعف مما كانت بالفعل.

وهكذا حينما تولى بايدن السلطة وجد الباب أمامه مفتوحًا لإعادة توجيه سياسة الولايات المتحدة الخارجية، ووجد في مواجهته عددا من التحديات والمشكلات، منها على سبيل المثال لا الحصر الصين وروسيا وتايوان وأوكرانيا وإيران وكوريا الشمالية، ولا يمكن حل هذه المشكلات إلا لو أنه قادر وعازم على اتخاذ قرار بشأن ما تمثله الولايات المتحدة، وكيفية تفاعلها مع الأزمات الخارجية، وطبيعة مخططه الكبير للولايات المتحدة والعالم، فلو أنه قادر على عمل ذلك، فإن حل كل مشكلة من تلك المشكلات ممكن، وإن لم يكن قادرا، فسوف يبقى عالقا في مستنقع.

والسؤال الأساسي هنا هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ترى نفسها متناغمة مع رؤية الآخرين لها وكيف يبدو ميزان القوى في عام 2021.

وبقدر الرؤية المتاحة فإن أوكرانيا هي الأولى في الطابور، فروسيا لا تزال مصرة على حقها في منع عضوية كييف المستقبلية في حلف شمال الأطلسي والحد من وجود الحلف في أوربا الشرقية.

ثمة نزوع في الغرب إلى اعتبار هذه المواجهة أثرا من بقايا الحرب الباردة حيث تتنافس الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون وحلف شمال الأطلسي مع الاتحاد السوفييتي الذي بات الآن يتخذ شكل روسيا بينما الصين محايدة، لكن الحرب الباردة وضعت أوزارها، واحتمالات أن تثمر هذه النظرة حلا لا تبدو كبيرة.

تتباين مصالح كل من روسيا والصين في أوكرانيا المستقبلية، تباينًا استراتيجيًا واقتصاديًا، فخوف روسيا من تهديد محتمل يأتي من الأراضي الأوكرانية لا يشغل الصين كثيرا، والبلدان من الناحية الاقتصادية لهما مصالح متعارضة، فروسيا تحب أن تضع يدها على الموارد، والصين سترفض مثل هذا وتمنع حدوثه، إذ تستورد بكين خام الحديد والحبوب والنفط والدهون ومعدن الحديد من أوكرانيا لتنويع مصادرها ولا ترغب في أن ترى السيطرة لروسيا، وقبل أكثر من عشر سنوات، أقامت الصين وأوكرانيا شراكة استراتيجية أشاد بها الجانبان عند حلول الذكرى العاشرة لها في يونيو 2021، لكن سياسة الولايات المتحدة دفعت روسيا والصين إلى التقارب في قضية لا يرى البلدان فيها الرأي نفسه.

وبرغم أن الخفايا والمعلومات المخابراتية غير متاحة، لكن الواضح أن الولايات المتحدة أهملت فرصة لاستغلال تنافر مصالح البلدين، وفي المستقبل، بينما تعمل روسيا والصين بطريقة أكثر تنسيقًا لمواجهة وضع الولايات المتحدة عالميا، سيكون على أمريكا أن تعمل بطريقة أفضل.

__________

• يورجن أورستروم مولر وزير الدولة السابق في وزارة الخارجية الدنماركية الملكية

• عن ذي ناشونال إنتريست