"سيفم" ببهلا .. قرية مليئة بكنوز الحكايات و شاهدة على أصالة تراث العمانيين القدماء
ـ "السيباط " أكبر حلل البلدة.. تتميز بطابع تراثي جميل وبوابات قديمة وتكامل الخدمات داخل الحارة القديمة
ـ الحارة أقيمت بشكل مستدير وهي مبنية من الطين والحصى والصاروج والطابوق المصنوع من الطين
ـ مارس أهالي حارة سيفم بعض العادات والفنون التقليدية و منها الرزحة والعازي
ـ مورست فيها الألعاب الشعبية المتوارثة كالتبة و الصولة والرم ( الحلة ) والحواليس والسلوت
ولاية بهلا بمحافظة الداخلية من الولايات العمانية العريقة التي تتوزع فيها المعالم الأثرية والمواقع التاريخية التي تجسد تراثا وتاريخا يعودان إلى حقب تاريخية قديمة فإلى جانب قلعة بهلا وسورها العظيم وحصن جبرين وموقع سلوت، تأتي بلدة سيفم بقريتها القديمة لتمثل معلما تاريخيا آخر يرسم لوحة من عبق الماضي التليد لاحتضانها الحارة القديمة التي تتوسطها والمسماة ببلدة "السيباط" أو الحارة القديمة وتقع هذه الحارة وسط واحات من النخيل لترسم لوحة جمالية على المكان الذي يتعاظم فيه التراث مع جمال الطبيعة التي تكسوها أشجار النخيل الوارفة ظلالها.
"عمان" كانت لها زيارة لبلدة "سيفم" للتعرف على تاريخ وتراث وحضارة هذا المكان الذي يختزن الكثير من المعالم المجسدة لفنون العمارة العمانية القديمة. والتقينا مع حمدان بن سالم الشكيلي من سكان بلدة سيفم والذي أوضح في بداية حديثة أنها تعد إحدى البلدات العريقة التابعة لولاية بهلا وقد جاء ذكرها في الكتب والمجلدات العمانية القديمة ووقعت في هذه البلدة الكثير من الأحداث التاريخية الهامة، وتجاورها بلدة الغافات من الجهتين الشرقية والشمالية وبلدة العقير من الجهتين الجنوبية والشرقية، بينما تطل البلدة من الجهة الغربية على سفوح جبل الكور بقمته الشامخة. ولبلدة سيفم العديد من الحارات أبرزها حارة السيباط القديمة والسيب والسفالة واللثيلة والعرضية.
حارة السيباط
وأوضح حمدان الشكيلي بأن حارة سيفم القديمة وكما أطلق عليها الأهالي قديما "السيباط" فإن هذه الحارة وبما تضمه من قرية متكاملة تتوفر فيها كافة الخدمات الضرورية في تلك الحقب الماضية لتسطر به هذه القرية فنا مهما من فنون العمارة العمانية القديمة التي خططت لكل جزء من هذه القرية ولم تغفل عن احتياجات السكان فيها بمختلف متطلبات المعيشة في تلك الفترة الزمنية القديمة، والزائر لهذه الحارة يستنشق عبق ذلك الماضي التليد وينبهر من مستوى التخطيط والتفكير والتصميم للقرية المتكاملة. وعن تاريخ هذه القرية أشار حمدان الشكيلي بأن القرية القديمة مرت بفترات من البناء والترميم وأحدثها كان في فترة حكم السلطان فيصل بن تركي، ويروي الأجداد بأن تاريخ بناء هذه القرية يعود إلى مئات السنين، وهي واحدة من الحارات القديمة التي سكنها الأجداد عبر فترات زمنية متعاقبة. وأشار بأن الحارة محصنة وهي محاطة بسور منیع تتوزع عليه سبعة أبراج شامخة كانت تستخدم كنقاط للمراقبة ولحماية البلدة من الأعداء والغزاة، كما كان بعض هذه الأبراج يعد كمقر للحراس.
وبين الشكيلي بأن الحارة القديمة بتصميمها المعماري القديم احتوت على مدخلين رئيسيين؛ المدخل الأول من الجهة الشمالية ويطلق عليه باب الصباح بينما المدخل الآخر فمن الجهة الجنوبية الشرقية ويطلق عليه باب البويب. وتضم القرية القديمة محتويات القرى قديما حيث تتلاحم بيوت الحارة ملتصقة بعضها البعض وضمت 50 بيتا من مختلف الأحجام الصغيرة والكبيرة والبيوت ذات الطابق الواحد والطابقين كما احتوت القرية على مسجد وسبلة وهي مجلس عام يجتمع فيه أهالي الحارة ويقعان بالقرب من بعضهما البعض، وتعد السبلة ملتقى يوميا لأهالي الحارة وفي المناسبات المختلفة، كما أن بالحارة بئرين لتوفير مياه الشرب وموقع الرحى التي تستخدم في طحن الحبوب التي يزرعها الأهالي في واحاتهم الزراعية، وتضم الحارة القديمة محلات تجارية تستخدم في عرض السلع المحلية التي ينتجها الأهالي إلى جانب المواد المستوردة والتي يتم جلبها من البلدان الأخرى أو الولايات المجاورة، وتتميز الحارة ببراعة تصميمها حيث توجد مخارج لتصريف مياه الأمطار. كما تتميز الحارة القديمة بسورها المرتفع الذي يحيطها من جميع الجهات بأبراجه السبعة التي تحمي الحارة.
ويسقي الحارة القديمة وواحات النخيل الباسقة فلج نشط به مياه وفيرة وعذبة يطلق عليه (فلج أبو غيضة) ويتغذى من وادي سيفم الذي يعد من أكبر الأودية بالولاية وتبلغ حصص الفلج ١٣ بادة ما يعادل ١٥٦ ساعة حيث إن كل بادة فيها ١٢ ساعة والفلج يسقي واحات النخيل في بلدة سيفم بالإضافة إلى بلدة العقير المجاورة لها وهو مقسم وفق عرف أهلي.
وأضاف حمدان الشكيلي قائلا: بأن بلدة سيفم إلى جانب حارتها القديمة بها العديد من المناطق السكنية القديمة والحديثة والمخططات السكنية المستحدثة وتعد حلة العارضية من الحارات المهمة بالبلدة حيث يقع بها جامع سيفم القديم والطوي المعروفة ببئر الماء التي تروي الحارة إلى جانب شجرة الزام القديمة التي تغطي مساحات كبيرة ويجتمع الناس تحتها ليستظلوا بظلها والتي يقدر عمرها بأكثر من 150 عاما. بعدها تأتي حارات اللثيلة والسيب وتتميز بمساحاتها الزراعية إلى جانب الأحياء السكنية.
عادات وتقاليد
وقال حمدان الشكيلي بأن الحارة القديمة المسماة بالسيباط والتي كان يقطنها قديما أهالي بلدة سيفم تتميز بالعديد من العادات والتقاليد التي تمسك بها أهالي فمنذ الصباح الباكر يفترش الأهالي ساحة بوابة الصباح ويكون هذا المكان بمثابة العرصة حيث السؤال عن أحوال بعضهم ويتم استقبال الضيوف وكثيرا ما يتم فيه البيع والشراء خاصة في مناسبات الأعياد و الأفراح و في أحيانا أخرى يتم فيه التقاضي بين المتخاصمين حيث يقوم شیخ القبيلة أو أحد وجهاء البلدة بالفصل بين المتخاصمين كما أنه أحيانا يتم سجن المعتدين في غرفة داخل الحارة كنوع من أنواع الردع. وكثيرا ما يتجمع الأهالي في السبلة بشكل يومي وفي مختلف المناسبات وفي السبلة يمكن ملاحظة الكثير من القيم والعادات التي تميز بها الإنسان العماني الذي عاش على تراب هذا الوطن الغالي والتي منها، استقبال الضيف وإكرامه وسؤاله عن العلوم والأخبار وتقديم واحترام الكبير وحسن الإنصات والإصغاء وحسن تقديم واجب الضيافة بتقديم القهوة العمانية وخلال تلك اللقاءات يحضر الأبناء والأطفال ويتعلمون من آبائهم وأجدادهم طريقة ممارسة تلك العادات والتقاليد العمانية الأصيلة .
ويوجد بالحارة مسجد يحمل اسمها (السيباط) ويعد مسجد حارة السيباط واحدا من المساجد التي كان لها دور في تجميع الناس لأداء الشعائر الدينية و هو مكان لتعلم القرآن الكريم و أمور الدين ويقوم معلم بتدريسهم والمسمى في ذلك الوقت ( بالكتاتيب ) وكثيرا ما يتم فيه عقد مجالس التشاور في بعض الأمور الهامة التي تخص أبناء البلد. كما يوجد في حارة السيباط بسيفم بئران تستخدمان مياهه للشرب وسقي الماشية والأغراض الحياتية الأخرى وكانت تستخدم طريقة النزف بالدلو لاستخراج الماء من قاع البئر وتعبئه النساء في الحلل والسعن والصفاري لتحمله إلى البيوت.
الحارة حصن حصين
وأضاف حمدان الشكيلي قائلا: الحارة القديمة جاءت على شكل مستدير وتم بناؤها من الطين والحصى والصاروج والطابوق المصنوع من الطين مع استخدم جذوع النخيل لتسقيف هذه المنازل. وتشتهر الحارة بزراعة أجود أنواع النخيل التي تزرع بالجفرة ومن أشهرها الفرض والخلاص والخنيزي والجبري والخصاب وقش جبرين وغيرها وكذلك زراعة بعض المحاصيل من الفواكه والخضروات كالموز والليمون والسفرجل وغيرها وكانت تسقى بماء فلج بوغيضة .
وأشار حمدان الشكيلي بأنه: تعاقبت أجيال في السكني في هذه الحارة جلهم من قبيلة بني شكيل ومع بداية النهضة المباركة خرج الكثير منهم إلى مناطق على جوانب الحارة وضفاف وادي سيفم فسكن بعضهم بحارة العارضية وبعضهم حارة السفالة ومنطقة السيب و منطقة اللثيلة وطوي غاف سدید ومنطقة المدري وما جاورها على الشارع العام بالغافات و بعضهم سكن وادي قريات و بسیاء ومركز الولاية ( بهلا ) إلى جانب من توزع في الولايات الأخرى حسب ظروفه الخاصة. ومن الملاحظ أن أهالي حارة سيفم مارسوا منذ القدم حرفة الزراعة و رعي الغنم و التجارة حيث يوجد عدد من المحلات التجارية داخل الحارة كان الأهالي يتزودون منها بالاحتياجات الضرورية. وعمل عدد منهم في الاتجار بالتمور وبعض السلع إلى المحافظات الأخرى ويجلبون معهم عبر قوافل الإبل عند عودتهم بعض البضائع والسلع التجارية. ومارس أهالي حارة سيفم بعض العادات والفنون التقليدية و منها إحياء فن الرزحة والعازي في إقامة الأفراح و الأعياد والمناسبات الاجتماعية وكذلك ممارسة بعض الألعاب الشعبية المتوارثة كلعبة التبة و الصولة والرم ( الحلة) والحواليس والسلوت، إلى جانب بعض الألعاب التي كانت تمارسها النساء.
نهضة حديثة
وأشار حمدان الشكيلي بأن بلدة سيفم حظيت بالكثير من الخدمات في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، شملت الطرق والكهرباء والمياه والمدارس والاتصالات والمستشفيات وازدادت البلدة تطورا ونماء في عهد السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه فعمت كافة الخدمات أرجاء القرية.
التهدم والاندثار
وبين حمدان الشكيلي بأنه ومع مرور السنين على هذه الحارة وتعرضها للتهدم و الاندثار بسبب السيول و الأنواء المناخية والعوامل الطبيعية الأخرى سعى أهالي قرية سيفم و شباب فريق وادي سيفم إلى تنفيذ أعمال تطوعية لخدمة البلد والحارة بشكل خاص من خلال إقامة معسكرات العمل بإصلاح الطرق
وحملات التنظيف ووضع الملصقات واللوحات الإرشادية للتعريف بما تتميز به حارة السيباط عبر السنين الموغلة في القدم وذلك لإحياء هذا التراث المتجذر و إبرازه للأجيال المتعاقبة کشاهد على أصالة ونصاعة تراث الأجداد وضرورة المحافظة عليه من الاندثار كما كان محط أنظار بعض الزوار من داخل السلطنة وخارجها ممن يبحثون عن الآثار الخالدة و التراث العماني الماجد في الولاية بشكل خاص والسلطنة بشكل عام، ووجه الشكيلي مناشدته لوزارة التراث والسياحة للاهتمام بهذه الحارة وترميمها لتكون معلما سياحيا يجذب مختلف السياح من داخل و خارج السلطنة.
كلام الصور:
