546546
546546
ثقافة

أجراس .. عن الاستراتيجية الثقافية: الانفتاح، التعددية، الحرية الفكرية

12 سبتمبر 2021
12 سبتمبر 2021

حسن المطروشي -

يعد التخطيط السليمُ العتبةَ الأولى لأي عمل منظم يهدف لتحقيق النتائج المرجوة منه، وفق منهجية مدروسة بدقة وعناية، تأخذ في اعتبارها كافة الأولويات وتحدد رؤيتها ورسالتها وقيمها وأهدافها وصولا إلى مجالاتها ووسائل تنفيذها ومعايير تقييمها.

الأسبوع المنصرم كشفت وزارة الثقافة والرياضة والشباب عن الاستراتيجية الثقافية للسلطنة 2021 ـ 2040، التي أصبحت نافذة بعد اعتماد خطتها التنفيذية من قبل صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد، وزير الثقافة والرياضة والشباب. ما يفيد بأن هذه الاستراتيجية ستمثل المرجعية الوطنية الأولى في العمل الثقافي خلال الثمانية عشر عاما القادمة.

يتضح من خلال الملامح الرئيسية للاستراتيجية بأن هناك جهودا كبيرة ومدروسة قد بذلت ويجري بذلها من أجل إيجاد أرضية صلبة، متينة وواضحة، ينطلق منها الفعل الثقافي في السلطنة، تتعاضد وتتكامل مع الرؤية الوطنية للسلطنة عمان 2040، وتأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والواقعية التي نمر بها، والتي تفرض على المؤسسات المعنية إيجاد الخطط المنهجية التي تلبي متطلبات الواقع واشتراطاته وتحدياته التي يفرضها، وتستشرف المستقبل على أسس ومعايير ومحددات علمية وعملية واضحة المعالم والأهداف. كما يتضح كذلك أن هذه الاستراتيجية تنطلق أيضا من ثوابت النظام الأساسي للدولة الصادر بموجب المرسوم السلطاني السامي رقم ٦ / ٢٠٢١.

تقوم الاستراتيجية على عدة مبادئ وقيم ذات أهمية ثقافية ووطنية عليا. ولسنا هنا بصدد سردها جميعا، وإنما نود تسليط الضوء على بعض منها مثل (التواصل والحوار) و(الانفتاح والتعددية والانتماء) و(الحريات الفكرية). وإننا إذ نؤكد أهمية هذه القيم والثوابت في صياغة الاستراتيجية فإننا نجزم بضرورتها البالغة وتفعيلها وإيلائها الأهمية التي تستحق. إن كل المؤشرات تؤكد بأننا بحاجة إلى جيل يؤمن بالحوار ويتحلى بثقافة الحوار، ولديه الاستعداد للانفتاح والتعامل مع العالم، ويتحلى بالوعي الكافي لقبول واحترام الحريات الفكرية التي كفلتها قوانين الدولة، واستيعاب مجريات الواقع بروح أكثر قبولا وأقل حساسية وحذرا.

لعلنا لا نقع في المبالغة إذا ما قلنا بأن لدينا أزمة كبيرة في الحوار وثقافته وآدابه. إن نظرة سريعة على ما يطرح من قضايا سجالية عامة على مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تبين لنا مدى القصور والضحالة في التعامل مع الفكر المخالف وأساليب طرح الرأي وإدارة النقاش مع الآخر المختلف. وقد لا تكون منصات التواصل الاجتماعي مرآة حقيقية لواقع المجتمع، ولكنها تعكس أسلوب شريحة كبيرة من أبناء المجتمع في التعاطي مع القضايا الخلافية وطرق التعبير في طرح وجهة النظر وعرضها.

تحضرني الآن العديد من المواقف التي تبين مدى هشاشة ثقافة الحوار لدينا، ولكني سأختصر الإشارة إلى ثلاثة منها، وأولها ما جرى بين فئتين من المجتمع في أثناء احتجاجات 2011م أمام مبنى مجلس الشورى، وما وقع من التنابز والملاسنات بين فريقين محسوبين على الشريحتين المثقفة والمتدينة. أما الحدث الآخر فهو ما وقع من سجال صاخب بين مكونات المجتمع عندما ترشحت امرأة غير محجبة لعضوية مجلس الشورى، وما شهدنا حينها من ضجيج وصخب، حتى تحول الأمر إلى قضية طاحنة لم تنتهِ إلا بانتهاء الانتخابات. أما الحدث الثالث فهو ليس ببعيد عنا، حينما طُرِحَتْ قضية الإلحاد للنقاش عبر مساحات التويتر وفي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تحول الأمر من نقاش فكري إلى اتهامات حادة أدت إلى رفع قضايا قانونية أمام القضاء، وما صاحب ذلك من شراسة وعنف لفظي وإلغاء وإقصاء ونقاشات ساخنة بعيدة عن أي منهج فكري أو خلاف ثقافي حضاري. فالمثقفون يختلفون وتنشأ بينهم معارك فكرية ضارية ولكن لا يلجأون إلى القضاء لحسمها. إن المنطق يقتضي مواجهة الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي وليس باستحضار القوانين، إلا أن الذي حدث لدينا خلاف ذلك تماما، إذ لجأ البعض إلى أروقة المحاكم من أجل تصفية حساباته مع خصومه في الفكر. وهذا بعيد كل البعد عن قيم الحوار الحضاري ومبادئ الجدال الصحي الذي ينبغي أن تسوده الأخلاق العالية واحترام الآخر مهما كان رأيه ووجهة نظره.

كانت السجالات في السابق تجري بين العلماء وفي حدود المجالس والكتابات والنقاشات العلمية، أما الآن فقد باتت أمام الملأ بفعل مواقع التواصل الاجتماعي، يتابعها القاصي والداني، ويشاهدها من هم داخل الوطن وخارجه، وبالتالي فهي تقدم صورة غير متقبلة عنا أمام الآخرين. لذا بات علينا من الضرورة تقييم هذه التجربة والعمل على تعزيز ثقافة الخلاف والحوار.

المبدأ الآخر الذي نود التوقف عنده لأهميته هو مبدأ (الانفتاح والتعددية والانتماء). ففي حين يؤكد هذا المبدأ على قيمة الانتماء بكل ما في الكلمة من معنى، فإنه يؤكد أيضا على قيم الانفتاح والتعددية. وهذا أمر ينبغي أن نعيه ونعمل من أجله، وأن نكون على استعداد لقبوله. الإنسان لا يعيش بمفرده في الكون أو الوطن، بل يشترك معه آخرون لهم آراء وتصورات وأفكار وتوجهات وقناعات وثقافات ومعتقدات مختلفة، عليه أن يتقبلها وينفتح عليها وينسجم معها، باعتبارها واقعا لا مناص عنه، والحياة تتسع للجميع، ولا يمكن لفكر واحد أن يدعي بأنه يمثل الوطن وأن الدولة حكر عليه دون سواه.

إن الانفتاح مبدأ حضاري عميق وبالغ الأهمية، والاعتناء به ضرورة إنسانية وثقافية واجتماعية واستراتيجية. فهو لا ينطبق على نظرائك في المواطنة فقط، وإنما يمتد ليشمل من يشاركك الإقامة على تراب هذا الوطن، بكافة معتقداتهم وطوائفهم وأجناسهم. لقد بات على المرء أن يأخذ مبدأ الانفتاح على محمل الجد وليس عبارة مستهلكة يرددها، بينما تفقد قيمتها على أرض الواقع. إن الدولة في رؤيتها وخططها المستقبلية تسعى إلى التنويع الاقتصادي وجلب الاستثمارات وتفعيل قطاع السياحة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال التأكيد على قيمة الانفتاح الواعي على التحولات القادمة وتقبلها، وإلا فإن الخشية من اصطدام العقلية المجتمعية بمعطيات الواقع الجديد، ومن ثم العودة إلى منطقة الصفر. إننا رغم مرور خمسين عاما من النهضة المباركة وجهود التعليم والتنمية الثقافية والتوعية، ما زلنا بحاجة كبيرة إلى تعزيز قيم الانفتاح والتعددية والحوار.

القيمة الأخرى التي تنص عليها مبادئ الاستراتيجية الثقافية هي (الحريات الفكرية). وهذا ينسجم تماما مع مشروع الدولة في توجهها الحضاري الحاسم للانتقال نحو الانفتاح والتعدد ونبذ التقوقع والانكفاء على الذات، من أجل إتاحة المجال أمام الفكر الجاد والعلمي أن يقول كلمته في مجال اختصاصه. وقد أكد ذلك النظام الأساسي للدولة في المبادئ الثقافية، إذ نصت المادة (16) على أنه: «تكفل الدولة حرية الإبداع الفكري، ورعاية المبدعين، وتشجع على النهوض بالفنون والآداب». كما نصت المادة (٣٥) على أن: «حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون».

إن الحرية الفكرية حق وطني وإنساني وقانوني أكدت عليه مختلف دساتير العالم المتحضر ومواثيقه. وبات على الإنسان لدينا أن يعي تماما بأن البشر لديهم الحقوق المتماثلة والمتكافئة في التعبير عن آرائهم ومواقفهم تجاه القضايا المختلفة، سياسية كانت أم فكرية أم اجتماعية أم دينية، شريطة التقيد بمنهج الحوار الحضاري وسلوكه الراقي، بعيدا عن الاستفزاز أو التخوين أو الخروج عن ثوابت الحوار الهادف البناء.

إن تبني مثل تلك القيم العليا في الخطة الثقافية للدولة يعكس بوضوح مدى عزم الدولة وجديتها في المضي قدما نحو خيار التحديث والتطوير والتجديد والانفتاح، بما يتواءم مع ثوابت الهوية الوطنية وخصوصيتها الحضارية. فقد بات ذلك خيارا استراتيجيا جوهريا، يقتضيه الواقع وتفرضه الظروف الإعلامية والثقافية والاقتصادية والتحولات الهائلة التي يشهدها العالم على كل الأصعدة ومختلف الميادين. لقد بات علينا أن نكون على استعداد تام للدخول إلى غمار العالم وتحدياته بوعي وإدراك، وأن نكون على دراية كافية للتعامل مع مقتضيات هذه التحولات واشتراطاتها ومقتضياتها الحتمية.

ومما لا شك فيه أن تحقيق تلك الأهداف وغيرها مما نصت عليه الاستراتيجية لا تقوم به مؤسسة واحدة، وإنما هو عمل تكاملي تتضافر فيه جهود مؤسسات مختلفة مثل التعليم بشقيه المدرسي والعالي، إلى جانب الإعلام بكافة وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية، كما يتوجب الآن على المؤسسات مخاطبة الأجيال الجديدة عبر توظيف منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تشكل بديلا واضحا عن الإعلام التقليدي. كما لا ننسى دور مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وأندية وصالونات أدبية، تسعى جميعها إلى ضم جهودها إلى جهود الدولة في بناء الوعي الاجتماعي على أسس حضارية مرنة قادرة على استيعاب الاختلاف والتعاطي مع المتغيرات بروح حضارية عالية وعقلية منفتحة.