1663928
1663928
منوعات

مرفأ قراءة.. «العناصر التراثية في الرواية العربية».. سيرة كتاب نقدي

12 يونيو 2021
12 يونيو 2021

إيهاب الملاح -

- 1 -

لا أميل أبدًا إلى الإطلاقات التي يولع بها البعض بوصف كتاب بأنه «أهم كتاب في تاريخ النقد العربي الحديث».. هذه الصيغ تجافي الحقيقة الموضوعية، ناهيك عن الإخلال بالتوصيف النقدي الدقيق الذي يجعل أي كتاب مؤثر أو كتابة بعينها مهمة مشروطة بظرفها التاريخي وسياقها الاجتماعي والثقافي.. من هنا فأنا أتحفظ كثيرا على مثل هذه الأوصاف والتعميمات المخلة «أهم كتاب في تاريخ النقد العربي الحديث» التي يرددها بعض الصحفيين من دون تدقيق ولا ومعرفة تسمح بصياغةٍ دقيقة ومهندمة في هذا المجال المعرفي الرصين!

ولا يكفي أبدًا كذلك الانتماء الفكري والسياسي وحده لمذهب من المذاهب أو الحماسة الأيديولوجية وحدها لتبرير فعل التضخيم والتهويل وإضفاء ما ليس حقيقيا على شيء مهم فعلا و«قيمته محفوظة»، لكن من دون تهويل ولا انحراف عن صورته الدقيقة التي هو عليها في الحقيقة.

وفي المقابل لا يعني ذلك التهوين أو التقليل من أعمال نقدية مهمة؛ مثلت حين ظهورها على جمهور القراء والمتلقين قيمة نقدية ومعرفية حقيقية؛ وحتى بعد مرور سنوات من ظهورها تظل تحتفظ بهذه القيمة أو بجزء معتبر منها ويكون متصلا باللحظة التي أنتج فيها الكتاب أو السياق الذي تشكل في إطاره وفق معارف وخبرات ووعي كاتبه ومؤلفه. ومن هنا تظل لكتب مثل «دراسات في الرواية المصرية» لعلي الراعي، و«تطور الرواية العربية الحديثة في مصر» لعبد المحسن بدر، ومن قبلهما كتاب محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس «في الثقافة المصرية».. إلخ، أقول تظل لهذه الكتب تأسيسيتها في مجالها العلمي والنقدي، وتظل علامة فارقة على انطوائها على رؤية نقدية جذرية شكلت محطة رئيسية في مسيرة النقد العربي الحديث والمعاصر.

- 2 -

إلى الفئة الأخيرة يمكن أن نحدد مجموعة من الكتب في حدود العشرة أحب أن أطلق عليها «عشرة كتب نقدية تأسيسية» بمعنى أنه لا يمكن لدارس أو باحث أو قارئ في النقد المعاصر أن يتجاوزها أو يتغافل قيمتها وقيمة دلاتها في اللحظة التي صدرت فيها. وبهذا التحديد أتصور أن كتابا مهما صدر منذ ثلاثين عاما تنطبق عليه هذه التحديدات التي تجعل منه أحد هذه الكتب النقدية التأسيسية.

وعلى هذا فإن ظهور كتاب جديد بتوقيع الناقد الدكتور مراد عبد الرحمن مبروك يعني لي الكثير على المستويين الشخصي والنقدي؛ فقد أثار الإعلان عن صدور مؤلَّفِه «الشخصية الروائية ـ مقدمات قصيرة جدا» عن مؤسسة كتارا الكثيرَ من الذكريات والشجن أيام سنوات الطلب والدرس التي لا تعوض بكل ما فيها من عناء ومتعة وصعوبة وسعادة وضيق وسعة وضغوط ونجاحات، ما زال طعمها في حلقي وروحي لا يزول.

لم أتشرف بلقاء الدكتور مراد في حياتي ولا مرة، ولم يجمعنا سوى الفضاء الأزرق منذ سنواتٍ قليلة.. لكنني صحبت كتابه النقدي الأصيل والجميل «العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر ـ دراسة نقدية (1914-1986)» الصادر عن دار المعارف (سنة 1991) صحبته سنوات وسنوات ومثل لي محطة نقدية فارقة في دراستي للرواية العربية وتاريخها منذ نشأتها وحتى نهاية القرن العشرين؛ اقتنيته قبل دخولي الكلية وقرأته كاملًا، أحببت الكتاب ومؤلفه؛ وقلت إن المجهود المبذول في هذه الرسالة (وهي في الأصل على ما أذكر أطروحة دكتوراه محترمة نالها مع مرتبة الشرف الأولى) يليق بباحث حقيقي وأستاذ جاد ورصين..

كل الروايات التي اعتمدها ورجع إليها وحللها الدكتور مراد اقتنيتها وقرأتها بكاملها، كانت قائمة المصادر التي أوردها في نهاية الكتاب بالعشرات، ومعظمها نصوص روائية تغطي مساحة زمنية كبيرة قد تمتد لما يزيد على العقود السبعة، أذكر أنه عالج روايات لمحفوظ، ومعظم إنتاج جيل الستينات، وبعض إنتاج جيل السبعينات، وغطى روايات الريادة الأولى في الثلاثينات قبل ظهور محفوظ.. إلخ.

- 3 -

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1991 عن دار المعارف. ومنذ صدوره وحتى الآن يمثل الكتاب أحد مصادر الدراسة النقدية الأصيلة للرواية العربية منذ نشأتها الباكرة وحتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي؛ أي أنها تغطي زمنيا مساحة تمتد إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، شهدت ازدهارا روائيا مصريا وعربيا غير مسبوق، كما أنها تغطي فنيا التيارات التي تمثلتها الرواية العربية منذ ظهورها (الرومانسية بتشعباتها، والواقعية بأجنحتها، ورواية الستينات وما بعدها، رواية الكتابة الجديدة وما بعدها.. إلخ).

كان إشكال «التراث» وما زال أحد الموضوعات الكبرى التي تحتل مساحة ضخمة وكبيرة من الفكر العربي والثقافة العربية والنقد العربي! وشغل عديد الباحثين في دراسة وفك الالتباس بين استيرادنا للفنون الغربية والأنواع الأدبية الحديثة مع مطالع النهضة في القرن التاسع عشر، وبين إرثنا من القص والأشكال النثرية التراثية القديمة؛ كالمقامة والرحلة، والرسالة، والسرد النثري المتنوع كالخبر والحكاية.. إلخ.

ثم جاء فريق من الباحثين أولى اهتمامه بحثَ طرق وطرائق استلهام «التراث» وتوظيفه في الرواية المعاصرة، وكيف مثل هذا الاتجاه في حينه وربما حتى الآن إحدى مساحات البحث التي يعتقد عدد لا يستهان به بأنه الطريق إلى إبداع رواية عربية ذات خصوصية ليس على مستوى المضمون فقط، إنما على مستوى الشكل أيضًا.

وقدّم الكتاب ربما أول محاولة في النقد العربي المعاصر لتصنيف الروايات العربية التي استلهمت «التراث» بكل تنويعاته وعناصره؛ التراث التاريخي، والتراث الصوفي، والتراث الشعبي والتراث الأسطوري... معالجًا طبيعة النصوص ذاتها من حيث الحركية والسكون والتطور والنماء، وعالج الشخصية الروائية كما قسمها إلى «التسجيلية» بأنماطها الثلاثة (التاريخي، الشعبي، الأسطوري) و«التعبيرية» بتوظيفاتها الفنية (استلهام شخصية تراثية حقيقية، أو استلهام شخصية ذات أبعاد تراثية، أو استدعاء شخصية تراثية مقنعة أو يتم توظيفها كقناع معاصر).

ثم توقف عند الشكل التراثي الذي حدده في ثلاثة (التاريخي، والشعبي، والأسطوري)، وكذلك حلل أنماط اللغة التراثية التي قسمها إلى ثلاثةٍ بدورها؛ اللغة التاريخية، واللغة الشعبية، واللغة الأسطورية، وتوقف وقفات مطولة أمام روايات تعد الآن من عيون وكنوز الرواية العربية: «الزيني بركات» للغيطاني، و«أيام الإنسان السبعة» لعبد الحكيم قاسم، و«رامة والتنين» لإدوار الخراط و«التغريبة» لمجيد طوبيا.. إلخ.

- 4 -

ورغم أن الكتاب في أصله الأول كان أطروحة دكتوراه، إلا أنني قرأته بيسر ولم يكن صعبًا ربما لأن مؤلفه انطلق في معالجاته من النصوص مباشرة، واعتمد على المنهج التاريخي الاجتماعي دون أن يغفل تحليل بعض العناصر الجمالية والبنائية في الروايات التي تعرض لها.. وأظن أن هذه الدراسة الرائدة قد فتحت الباب واسعا لعشراتٍ من الدراسات والكتب التي احتذت النهجَ نفسه، وعالجت الموضوع أو التيمة ذاتها تطبيقًا على رواياتٍ عربية أخرى في بقاع مختلفة من عالمنا العربي شرقا وغربا، وفي فترات زمنية مختلفة.

لم يكن ذلك الكتاب الوحيد للدكتور مراد مبروك الذي قرأته في أيام الطلب والدرس، فله كتابان آخران مهمان؛ أولهما عن «الظواهر الفنية والجمالية في القصة القصيرة في مصر» إذا لم تخني الذاكرة، وهو كتاب رائد بكل المقاييس، من أهم الكتب النقدية التي درست النتاج القصصي بمصر في الفترة المذكورة.. أما الثاني فعن الرواية النوبية (آليات السرد في الرواية العربية) وأظنه فريدًا في بابه، ومن الكتب السباقة إلى الالتفات لخصوصية الرواية النوبية، وطرائق تشكيلها.

تحية للناقد الدكتور مراد مبروك، ولإنتاجه العلمي المحترم، ولكل أستاذ حقيقي وباحث وناقد ترك عملًا يمكن أن يقرأه شاب في مقتبل العمر فيمتعه، ويثير شغفه المعرفي والنقدي، ويساعده على صقل معارفه وخبراته، ويعينه على اتخاذ قراراته في تقرير مصيره وتحديد مساره في المستقبل بكثيرٍ من الثقة والارتياح.