كيفية الخروج من التأخر التاريخي

عبدالله العليان –

تعيش الأمة العربية منذ أكثر من قرن ونصف القرن قضية الـتأخر التاريخي والتراجع الحضاري في مسيرتها النهضوية، فيما أمم ودول خرجت من ظروف هذا التأخر والتخلف العلمي والتكنولوجي، ومنها بعض الدول الآسيوية التي كانت متقاربة مع واقعنا العربي في القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وما زلنا نعاني من هذا الواقع الصعب الذي أصبح سمة بارزة في أوجه كثيرة من حياتنا مقارنة بدول أخرى، وما صاحبها من توترات وصراعات داخلية، أبعدتها عن الجانب الأهم في حركتها تجاه التقدم والانطلاق.
وقد طرح بعض المفكرين والباحثين العرب، أسباب هذه الأزمة في مراحل مختلفة، حيث رأى بعضهم أن سببها غياب النظام البرلماني الذي يتيح المجال للنقد الصحيح والسليم لمسيرة أي أمة من الأمم، في المحاسبة الجادة للفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ. وبعضهم الآخر أرجع الأسباب إلى الاستبداد وآثاره الوخيمة في حركته الخانقة للانطلاق والإبداع، وتغييب الحرية التي تتجسد في الحق الطبيعي للمواطن في أن يجد حقوقه غير منقوصة وفق القانون.
أما بعض المفكرين فأرجع السبب في تأخرنا وتراجعنا ، منذ ما يقرب من قرنين، إلى غياب الأيديولوجيا الفكرية التي تستمد من فلاسفة غربيين، في صورتها الماركسية، وفي أحيان أخرى في الليبرالية التي طرحها عصر الأنوار في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. ومن هؤلاء الأكاديميين الذين اعتنقوا هذه الرؤية ، الأكاديمي المغربي د/ عبد الله العروي، خاصة في كتابه الموسوم بـ(الأيديولوجيا العربية المعاصرة) الذي صدر عام 1967، الذي يرى أن الأنظمة العربية التي جاءت بعد خروج الاستعمار، وانتهاء الدولة التقليدية التي كانت قائمة أثناء احتلاله، لم تطبق النظام الأيديولوجي المتكامل، الذي يستقي من فكر عصر الأنوار، وخاصة في النظرية الماركسية (الموضوعية) كما سماها في بعض كتاباته.
وقبل أن نطرح رؤية عبد الله العروي في هذا الكتاب، وهذا ما أوضحه د/ العروي في كتابه (مفهوم الأيديولوجيا)، علينا أن نوضح هذا المفهوم كما برز في أواخر القرن السابع عشر، وهو ما أرساه الفيلسوف الأرستقراطي الفرنسي «دستوت دوتراسي»، ويسميه بعضهم (علم الأفكار)، أو العقيدة الفكرية، وتسميات أخرى وفقًا للرؤى الفكرية عند بعض الفلاسفة، وبرزت عن هذه الرؤية الفلسفية في فرنسا ، جماعة تسمى بـ (الإيديولوجيون)، لكن نابليون بونابرت أنهى هذه الجماعة، ضمن جماعات أخرى لم تلق قبولًا من ذلك النظام ، لكن النظرة الإيديولوجية، لم تظهر بقوة ، إلا مع الفيلسوف «كارل ماركس»، خاصة من خلال كتابه(الأيديولوجيا الألمانية)، الذي أوضح فيه فكرة التطور التاريخية جوانب أخرى في رؤيته الفلسفية، ومع بروز الطبقات الاجتماعية ازدادت الأيديولوجيا بروزا في الحركات الثورية، واعتبر بعضهم ـ ومنهم عبد الله العروي ـ كارل ماركس من أعطى قوة كبيرة لهذا المصطلح فأصبحت: «لـكلمة أدلوجة، الأهمية التي يكتسبها اليوم في كل ميادين بعضهم». مع كلمة (أيديولوجيا) واجهت الكثير من الانتقادات من بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين، وحديثها يطول في مجالات ليست مجال نقاشنا، كما تراجع هذا المفهوم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مع تحولات فكرية وسياسية كبيرة في العالم.
وأبرز النقد الذي وجهه العروي، انصب على الأنظمة القومية التي حكمت أهم الدول العربية، خاصة في مصر والعراق وسوريا، ثم الجزائر، ودول عربية أخرى. ويرى عبد الله العروي، أن هذه الأنظمة لم تأخذ بالنظام الإيديولوجي التاريخي المتكامل وتطوره، ويقصد بالفكر الماركسي الموضوعي، أو يسميها أحيانًا بـ(الماركسية التاريخانية)، ولذلك يرى ـ تلك الأنظمة ـ فشلت في إرساء نظام فكري مستمد من الغرب الأنواري، وما ظهر عنه من نظريات فلسفية تنويرية، ومنها النهج الماركسي، وهو الحل اللازم للتأخر التاريخي للواقع العربي المعاصر. طبعًا هذه الرؤية من د/ العروي، شابها الكثير من التذبذب والتراجع في كتابات وأحاديث، بعد عدة عقود من صدور كتابيه (الأيديولوجيا العربية المعاصرة) و(العرب والفكر التاريخي)، وأصبح يتحدث عن ما أسماه بالحاجة لليبرالية، ومما قاله د. العروي في كتابه (العرب والفكر التاريخي):«كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (ومن دون) أن يعيش مرحلة ليبرالية».
وفي فقرة أخرى من هذا الكتاب يقول العروي إن الليبرالية هي «النظام الفكري المتكامل الذي تكّون في القرنين السابع عشر والثامن عشر». وهذا القول المتقلب كفكر، أن الليبرالية والماركسية على طرفي نقيض، والأفكار اليسارية ومنها الفلسفة الماركسية قامت على محاربة الرأسمالية ـ والليبرالية الابنة الشرعية للنظام الرأسمالي! فالدعوة لليبرالية تتناقض مع الماركسية الموضوعية ـ بحسب العروي ـ مع أن الدعوى للتاريخانية الماركسية ، التي حمل لواءها د/ العروي تناقض هذه الدعوة وتخالفها تمامًا ، وهو القائل في (كتاب العرب والفكر التاريخي):«ماركس الأيديولوجي سيبقى حيًا ما دامت هناك بقعة متأخرة في العالم».
وهذه الإشكالية بقيت ثابتة في رؤية ، مع كل التحولات التي حدثت مع سقوط المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية ، فلم يأت من المؤرخ العروي، مراجعة لرؤيته كما وضعها في كتابه (الإيديولوجية العربية المعاصرة)، الذي مر عليه الآن أكثر من خمسين عامًا على صدوره، دون أن يفسر أو يعطي تبريرًا لانهيار المعسكر الشرقي الاشتراكي، مع أنه لم يكن هناك من أصالة معيقة، أو تراث متخلف، أو مطلقات غيبية أسقطت الماركسية الموضوعية في تسعينيات القرن الماضي، وهذا الأمر لاقى العديد من الانتقالات للباحث البارز عبد الله العروي، ورؤيته في هذا الكتاب.
ويعلق الكاتب المغربي إدريس هاني في كتابه (خرائط أيديولوجية ممزقة)، أن العروي بالرغم من التغيرات التي حدثت في العالم لم يغير مطلبه التاريخي (..) مع تضاعف الإكراهات الدولية، وبعدما تغير مفهوم الليبرالية نفسها، التي يدعو إلى استيعابها، في لحظاتها التاريخية». وبقي العروي ثابتًا على رأيه، دون النظر إلى الكثير من التحولات التي مرت في العقود الخمسة الماضية ، مع مطلبه التاريخي أو التاريخاني الذي تمسك به ،فهو لم يعد قائما حتى مع أنصاره من هذه المدرسة الفكرية الفلسفية! لكن د/ عبد الله العروي ـ كما يضيف إدريس هاني ـ : لا يزال يدعونا إلى تبني ليبرالية تقليدية في الوقت الذي لم يعد لهذه الليبرالية من معنى في ظل هذا الاجتياح العولمي، الذي فرض على العرب وعلى عموم العالم الثالث، إكراهات اندماج غير متكافئ في النسق التبادلي الكوني. إن نقطة الضعف الكبرى، كما يبدو من مقاربة العروي ،هي في تقليله من عامل الاستعمار، والاستعمار الجديد».
والإشكال الذي يقع فيه د/ العروي في نظرته للغرب كما يراه، ومن محاولة تلميعه وتصويره وكأنه فوق الشبهات، أنه لم يشر إلى ما فعله الغرب عندما اجتاح العالم العربي في أواخر القرنين الثامن والتاسع عشر، وبعد عصر الأنوار! الذي يعتبره المرجع لنقتفي أثره، أو كما يقول أحياناً (لا إلحاق إلا بالالتحاق)، ولذلك عندما يطالبنا العروي بأن نندمج في الغرب، فإنه يفرق بين نوعين من الغرب ـ لعله يجد قبولًا ـ فالغرب عنده :«الذي يعادينا ونعاديه، يعاكسنا ونعاكسه، هو الغرب الظاهر، السميك المعتم، المستغلق على نفسه وعلى غيره، المغتر برياضه وحدائقه، بشوارعه ومدافعه، الذي يظن أنه في غنى عن موافقة الإنسان على مشروعاته. لكن الغرب التائب، المراجع لأوضاعه، دون أن يتخلى عن محيطه الجميل المريح يذكر الجميع بالآمال القديمة، المتمثلة في أساطير الأولين، آمال إنسان مطمئن إلى نفسه متصالح معها، الغرب الذي يتطلع إلى المستقبل من خلال مخاطبة شعوبه وشعوبنا، ذلك غرب يجب أن نسمح له إن أردنا تجاوز ما يمليه علينا الغضب والعجز من احتجاج أهوج».! هذا التحوير والترغيب في الغرب، أمر لافت من مفكر يعرف ما فعله الغرب في المغرب العربي التي عاشها بها وأصبح واعيًا والاستعمار جاثمًا على بلده المغرب، وفي أغلب دوله، فعبارة (يعادينا ونعاديه، ويعاكسنا ونعاكسه)، وكأن الأمر مجرد مشاحنات بين أفراد، في قضية فكرية طبيعية، يتعدد ويتنوع حول الرأي المتباين بين أصحابها، وضمن الاختلاف الطبيعي بين البشر، ويعلق الأكاديمي المغربي أمحمد جبرون، على ما قاله د.العروي آنفًا: إن هذا الفهم، وبهذه الطريقة يتجاوز العروي مفهوم الذات المنغلقة أو الأصالة المزعومة، ويدعو بالمقابل النخب والشعوب العربية إلى التمدد نحو الآخر، وهو في هذه الحالة الغرب التائب، الغرب الذي يتبرأ من فواحش الليبرالية وموبقاتها السياسية من استعمار وغيره».
لا شك أن العروي، تأثر بالغرب إلى حد الاندماج فيه ، وقد ذهب إلى فرنسا وهو شاب في مقتبل العمر وحصيلته الفكرية محدودة ، فوجد الفارق الكبير بين فرنسا الصاعدة في التقدم الصناعي والنهوض العلمي ، وواقع أمتنا آنذاك، فأصيب بالانبهار ومعه العديد من جيله أيضًا، فلم يعد يرى شيئًا سوى عصر ما بعد الأنوار، كما يردد دائمًا، مع أن ما واقعنا في بعض البلاد العربية ، ساهم فيه الغرب بعد غزوته الاستعمارية وامتصاصه لخيرات بلدانه، وكل هذا تجاهله العروي أو تغاضى عنه!.
وفي الكتاب المشترك (عن التقليد والتخلف التاريخي) يقول العروي: إذا لم نتبنى الليبرالية، فلن نعرف ما يمكن أخذه من الماضي ، وهذا يدفعنا إلى الدعوة إلى تبني الليبرالية، أي الفكر العلمي(..) إن الماضي لا يمكنه أن يخدمنا في حل مشاكلنا ولا في إعادة الماضي قيمته الحقيقية». والحقيقة أن هذه الرؤية تجافي واقع ماضي كل أمة من الأمم، والغرب ـ وإن كان أقصى تدخلات الكنيسة في الشأن السياسي والعلمي في أوروبا ـ لكنه لم يقص ماضيه وتراثه، خاصة التراث الروماني والإغريقي، لا يزال مؤثرًا في الغرب، ويرجعون للكثير من مضامينه الفكرية، بما يتناسب وكل عصر، والدول الآسيوية التي نهضت وتقدمت ، وتنافس الغرب الآن في ميادين علمية مختلفة، استفادت من منهجية الغرب في العلم والتكنولوجيا، لكنها لم تتخل عن تراثها، فماضيها مصاحب ودافع لحركة تقدمها، ثم ما دخل التراث في تأخر الأمم ؟ إذن ماضي اليابان والصين وكوريا وغيرهما من الدول لم يعقها هذا الماضي القديم عن النهضة، ولم يكن عائقًا أبدًا، وهذا الاعتقاد هروب من المناقشة الصحيحة لتأخرنا التاريخي.. وللحديث بقية.