نوافذ :عين الذاكرة العمياء وانتقاءات الذاكرة

بشرى خلفان –

كنت قد اتفقت مع الأستاذة عائشة أحمد، أستاذة تاريخ الفن في جامعة قطر، والشاعرة العراقية فيّ ناصر، المقيمة في لندن، على اللقاء في حديقة مبنى – والاس كوليكشن- الواقع خلف شارع أكسفورد، وبالقرب من مانشستر سكوير في لندن، لنشرب الشاي، ولنذهب في جولة لتفحص مقتنيات ذلك المتحف الصغير، الذي اشتهر بعرضه لواحدة من أهم مجموعات فن الركركو في العالم.
قادت الأستاذة عائشة أحمد جولتنا في أروقة المتحف، وأوقفتنا طويلا أمام لوحات لسيدات في غاية الرقة والنعومة، تكاد الواحدة منهن أن تتلاشى في الهواء من فرط رقتها وملائكية نظرتها الحالمة.
تأملنا اللوحات الضخمة المعلقة على الجدران ومطالع السلالم، في إطارات مذهبة امتازت بفخامة نقوشها ونعومة انحناءاتها، إذ أن فن الركوكو الباذخ، يعتبر تطورا لمرحلة الباروك، وعرف في أوروبا في بدايات القرن الثامن عشر، وامتد تأثيره من الرسم إلى المعمار والنحت، حتى أنه طبع تصميم أثاث القصور بطابع من الانسيابية الفخمة، وقد يكون أقرب مثال عليه، مع فارق الصنعة والذوق، هو ما يجده المرء المتفحص لصور بعض الفيلل الضخمة والقصور العربية في سبعينيات وثمانينات القرن المنصرم، والتي امتازت تصاميمها الداخلية بوفرة في اللون الذهبي، واستخدام أقمشة الحرير الخام في الستائر والأثاث.
في أثناء جولتنا، تحدثت الخبيرة عن كيفية تجسيد هذه اللوحات للانفصال التام بين الطبقة الأرستقراطية، في أوروبا وتحديدا فرنسا وبين بقية طبقات الشعب، خاصة تلك التي كانت تتضور جوعا، وأن هذه المرحلة من الفن هي انعكاس لهذه القطيعة التي قادت في النهاية إلى الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.
وعندما وصلت مرافقتي في الشرح إلى هذه المنطقة، تذكرت مقولة -لا يجدون الخبز!! فليأكلوا الكعك يا عزيزي- التي طالما نسبت لماري أنطوانيت، زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر، الذي دحرجت مقصلة الثورة الفرنسية رأسه ورأسها، بعد اتهامه وسلفه بإفقار فرنسا، ووصول الشعب بعد سنوات طويلة من الصبر إلى حافة المجاعة، بعد أن وصلت الزراعة إلى أسوء أحوالها، وضاق الفلاحون ذرعا بالنظام الإقطاعي السائد في أوربا آنذاك، وشاعت دراسة الفلسفة بين برجوازييها، وأصبح للثورة منظريها من أمثال منوتيسكو وفولتير وجان جاك روسو.
شاعت هذه المقولة ونسبت لماري أنطوانيت، لكني عرفت بمحض الصدفة، أثناء مشاهدتي للفيلم الذي أخرجته صوفيا كوبولا عن قصة هذه الملكة، أنها بريئة من هذه المقولة.
ربما ألصقت هذه المقولة بماري أنطوانيت لأسباب كثيرة، منها أسلوب البذخ الذي اعتمدته في وقت كانت فرنسا تعاني فيه من إفلاس في خزانتها، وأيضا لأنها لم تفهم الديمقراطية التي يطالب بها الشعب، وربما أيضا لأن جان جاك روسو، ذكر في كتاب اعترافاته، أن امرأة من علية القوم قالت تلك المقولة دون أن يذكر اسمها.
نعم هناك الكثير من المسلمات، التي تلقفناها من التاريخ وتبنيناها دون تمحيص، لكن ألا يتساءل المرء أحيانا، أنه ورغم أن لويس السادس عشر هو الملك، أي أنه هو واضع السياسة والمتحكم المفترض في خزينة الدولة، لم يحفظ له التاريخ أي مقولة ذات وقع، مثلما احتفظ لزوجته الجميلة بمقولة لم تقلها؟ وأن التاريخ سجل لها الثلاثمائة فستان التي كانت تصمم لها خصيصا كل عام، في حين أنه لم يسجل مصروفات حفلات الملك الماجنة.
لكن يبدو أن للتاريخ انتقاءاته مثل الذاكرة تماما، وأن التاريخ الذي كتبه العامة لا يقل جورا على المرأة من التاريخ الذي سطره مؤرخو البلاط، وأن الجميع في وقت الأزمات، يبحث عن كبش فداء.