صخرتي الخالدة

عادل محمود –

منذ قرون… أكيد منذ قرون، وهذه الصخرة موجودة في وسط هذا النهر الذي تنام قريتنا، منذ مئات السنين ، في سريره الأخضر.
هذه الصخرة يمر إلى جوارها الربيع فتتزين بما أتيح لها من الزهور الصفراء الصغيرة. ويمر بها الشتاء فتستحم طوال الوقت، أما الصيف… فلنا نحن الفتية دون ثياب… فنعلوها وننام في حضن شمسها ونسبح في الماء قليلاً وفي الأحلام كثيراً.
لن أتحدث عن مرور الخريف إلى جوارها… فهو الذي يتقصد أن تبدو صخرتنا حزينة وأوراق الشجيرات من حولها صامتة وحزينة. وفيما تبدو كأنها تستعد، على مر العصور، لأمزجة الفصول تتدلى، بوضوح عاطفي آسر، فوقها شجيرات صفصاف تظل مرتدية ألبستها، ودموعها وتهمس، في رسوخ ما تملك من لطف العناد الطبيعي في آذاننا، نحن بقايا الصبية الذين لم يذهبوا، بعد، إلى المدرسة. تقول لنا: اكبروا.
في الخريف على هذه الصخرة تتجمع تشكيلة من أجمل نساء الأرض. في الربيع يأتين حين تتجلى قدرة الطبيعة على زخرفة الكون يأتين بالعشرات (بنات الجن) من مختلف الأعمار يتشمسن، ويمشطن شعورهن الطويلة المنسدلة، لفرط طولها، حتى حدود الماء، فتغدو الصخرة من بعيد، كأنها مزهرية عملاقة، وقبل حلول المساء يبدأن العزف والغناء، ثم يأتي الليل فيتحول العزف إلى رياح تقرع الطبول في إيقاع كوني لولادة مجهول.
ثم يهمد كل شيء. ويختفي كل شيء… ينزلن واحدة إثر أخرى من ثقب صغير في أعلى الصخرة… ويختفين… في بطنها المجهول…
النهر… يهدأ. ويسمع الجميع، بدلا من عزيف الجن موسيقى خرير المياه.
كلما زرت هذا المكان، أعود سبعين سنة إلى الوراء، حين أول مرة توهمت أنني رأيت إحدى الجنيات وهي تستحم… واليوم، وبعد التأكد أنها كانت فعلا امرأة… ولكن من الغجر المقيمين قريبا من النهر.
سأزور دائما هذه الصخرة، وأضع يدي على منطقة الماضي في جسدها الجميل، ذلك لأنني في حاجة لرسوخها كي أتأكد من عبوري.
سأزورها… وما زلت أصبح ولدا صغيرا كلما جلست إلى حضنها، أشم فيها رائحة الخلود.