صراع الأمكنة في روايات بدرية الشحية

خالد بن علي المعمري –

تعمل بدرية الشحية منذ روايتها الأولى الطواف حيث الجمر إلى رواية كارما الذئب على إيجاد علاقة بين الشخصية والمكان، رغم أنّ الاثنين يرتبطان ارتباطا وثيقا ببعضهما في الكتابة السردية، ويتفاعلان معا في بناء الأحداث، وعليه فإنّها قد منحت شخصيات رواياتها حرية اختراق الأمكنة، وحق التفاعل والولوج إلى عالمها المتخيّل مُشكِّلة بؤرة صراع وتصادم بينها. وتتنامى طبائع الشخصيات في روايات بدرية الشحي- سواء الرئيسة أم الثانوية- بناء على المواقف المكانية، وتبدّلاتها من فضاء لآخر.
ولأنّ الكتابة الروائية اهتمّت بالمكان سواء في الكتابات التقليدية الناظرة إليه كونه بُعدا جغرافيا واقعيا يمثّل خلفية تعكس المشهد البصري في الأحداث، أم من كونه عملية منظّمة تنهض بالكتابة، ولغة تستمد حيويتها من عناصر السرد الأخرى في الرواية الحديثة، فإنّ الكتابة الروائية ما تزال ترى في المكان عنصرا له معطياته القيّمة في الكشف عن بواطن الشخصيات، وفضاء مرتبطا بالذات والآخر، تبوح ذاكرته بمضمرات اندسّت عميقا في الخطاب، وتُحيل على مرجعية خارجية يسعى إليها النص.
لقد قدّمت بدرية الشحية في رواياتها (الطواف حيث الجمر، وفيزياء1، وكارما الذئب) صورة عن علاقة الشخصية بالمكان الذي تقطنه، وعن الصراع الدائر بين الأمكنة وارتباطها بشخصيات أعمالها الروائية، نلمح جانبا من هذا الصراع في حضور تضادات المكان في الثقافة، واللغة، والحياة الاجتماعية والعلمية، والأيديولوجيا التي اختبأت في فكر الإنسان. ويتمثّل الصراع المكاني بين الشرق والشرق/ الساحل الأفريقي في الطواف حيث الجمر، وبين الشرق والغرب/ روسيا في فيزياء1، وبين الشرق والغرب/ أمريكا وبريطانيا في كارما الذئب، إذ تُحيلُ كل رواية على اختلافاتها المكانية المرتبطة بالشخصيات والحياة التي تعيشها، إننا أمام شخصيات تتبدل أفكارها ومصائرها بتبدّل المكان الذي تقع فيه الأحداث، كما إن المكان قد صبغ هذه الشخصيات بصفات أهله ومعتقداتهم، ورَسَمَ في مخيلتها استلابا إلى الواقع الذي تحيا فيه، لنا أن نمعن النظر في رواية الطواف حيث الجمر، كيف أكسب المكانُ شخصياته صفات تتناسب ووجودها في المكان ذاته، فالجبل بقسوته وتقاليده وأفكار أناسه قسّم الشخصيات باعتبار مرجعياته إلى شخصيات طبقية يمثّلها العم والأب، وشخصيات ذكورية مهيمنة متمثلة في إخوة زهرة، وشخصيات خاضعة مستكينة للعادات والتقاليد متمثلة في زهرة والفتيات في الجبل. والبحر أيضا عكس لنا صورة الشخصيات المرتبطة به بدءا من النوخذة سلطان إلى صالح زوج زهرة، إلى بقية البحارة، إذ يتدخل الراوي لكشف كل شخصية من الشخصيات لحظة سرد الأحداث، كذلك الساحل الأفريقي عَكَسَ أيضا صورة الشخصيات في الرواية، فشخصية خميس/ كتمبوا الثائر والمناضل تختلف عن شخصية كوزي الفتى القانع بواقعه رغم مرارة فقره وحاجته.
هذا أنموذج واحد على تقاطعات الشخصية مع المكان في روايات بدرية الشحي، لا سيما إذا علمنا أنّ مثل هذه التقاطعات تتكرر في روايتيها الأخريين بصيغ تقصدها الكاتبة من أجل تحقيق الصورة السردية التي عليها الشخصيات الرئيسة على الأقل، فارتباط مصائر كريمة وعثمان في فيزياء1 تتبدّل بتبدّل المكان، كما إن الصراع الثقافي واضح في تقاطعات المكان في الرواية، والأمر نفسه في كارما الذئب كما سنرى.
إن المتأمل في هذه التقاطعات سيدرك حتما أن بدرية الشحي قد عملت على خلقِ صراع ضدي بين الأمكنة داخل سردها، وتحيل على أفكار وأنساق متضادة في الحياة، تقوم من خلالها باستكمال حاجتها من السرد وبناء الأحداث. إن الصراع بين الساحل الإفريقي وبين عمان تنقله زهرة من زاوية الاختلاف في العادات والتقاليد وحرية الفتاة، فما عاشته زهرة من تهميش في الجبل أحالها على غربة داخلية، وتوترات نفسية ضد سلطة الأهل والمجتمع جعلها تثور على كل مرجعيات السلطة الاجتماعية رافضة زواجها بابن عمها الذي يصغرها بسنوات، وجعلها تقتفي خطوات ابن عمها وحبيبها سالم، باحثة عن بيئة أخرى تختلف عن الجبل وذاكرته، إلا إن المكان الآخر قد أظهر صراعا مع الفتاة القادمة عبر البحر والتي تحاول إيجاد وطن بديل لها، وثقافة وفكر آخر.
إن المجتمع الآخر بثقافته ووجوده التاريخي يرفض الوجود الجديد مما يعمل على تشكيل أحداث جديدة تقيمها الشخصيات في المكان ذاته، ففي رحلتها تنتقل زهرة من حدث لآخر بناء على تشكلات المكان وصراعاته، ومعه ترضخ زهرة لسلطة المكان الجديد، وتقبل الزواج بمن كانت تنظر له بطبقية واستعلاء.
إنّ بدرية الشحية تضع المكان في موضع النقاش، وتحيل معه شخصياتها على أبعاد نفسية وفكرية وثقافية، إذ تتلبس شخصياتها بلباس المكان الذي تقطنه، فزهرة الضعيفة المسكينة في الجبل تختلف عن زهرة المسيطرة والمتملكة في الساحل الإفريقي. وعليه يحيلنا هذا الصراع على وجود مكانين مختلفين جغرافيا، يتصارعان ثقافيا وفكريا واجتماعيا تجسّدهما الشخصيات التي تتقاطع مع عناصر سردية أخرى على إكمال الأحداث. ففي رواية فيزياء1 يتشكل الصراع المكاني جليا، وينتقل من عمان إلى روسيا. إنّ المكان في عمان يقيم حدوده في وجه كريمة وعثمان، إذ يرحل عثمان، المؤمن بحسابات الطاقة، بهدف الدراسة ويتزوج من زميلته الروسية أولغا، وينجب طفلا لم يمانع أن تقوم الكنيسة بتعميده ونسبته لدين أمه الجديد. ويتشكل الصراع من جهة كريمة بالسفر إلى روسيا وملاحقتها لعثمان وإقامة علاقة معه. هذا الصراع في أصله قائم على رؤيتين نابعتين من ثقافتين مختلفتين، ثقافة مجتمع قائمة على أنساق تقليدية، وعادات تتحكم في العلاقات المختلفة بين الأفراد، والسلطة الاجتماعية المهيمنة، وثقافة أخرى تتبنى الأفراد وتعمل على تشكيل ميولهم وانتماءاتهم وتطوريها مع ما يواكب حياتهم من انفتاح.
إنّ الصراع هنا مستمدٌ من ثقافتين مختلفتين، كل ثقافة لها مرجعياتها المختلفة التي تحاول معها الرواية أن تضفي على شخصياتها سلوكيات إما هي رافضة للفعل الجمعي أو متقبلة له. لقد منح المكان عثمان وكريمة حياة أخرى تقوم على الحرية الشخصية، ورفض القيود المجتمعية، كما عمل على بناء شخصياتهما وفق التصور المكاني الجديد والمناسب لأدوارهما الجديدة.
وتعود بدرية الشحي من جديد إلى الجبل في روايتها كارما الذئب من خلال استدعاءات الذاكرة على لسان حميدة وسلاّم، وكأن الجبل كما يبدو مكان الذاكرة، والاعتراف، والبوح. إنّ الجبل في الرواية ليس عنصرا سرديا فقط، إنه مكان الوعي وانعتاق الذاكرة وبوحها. تعود الرواية بالقارئ إلى المناطق الوعرة في ذاكرة حميدة وزوجها، وإلى شظف العيش، والعمل في مزارع الجبل، وإلى نظرة الإنسان إلى الآخر، والتكوين الفكري والفلسفي في شخصية إنسان تلك المناطق.
لقد استطاعت بدرية الشحية تكوين شخصياتها بناء على الأمكنة التي تجري فيها الأحداث كما ذكرنا؛ لقد صوّرت عالم حميدة في الجبل، المتمثل في الضعف والفقر، وهي الصورة التي ظلت تتأرجح في ذاكرة سلّام عنها، لكن صورة المرأة عند بدرية الشحية تتبدل تبعا لمجريات الأحداث، وتبعا لتعدد الأمكنة، وكما عملت على تبديل صورة زهرة في الطواف حيث الجمر من التهميش إلى السيطرة، وتبديل صورة كريمة في فيزياء1 من الهيمنة الذكورية إلى فضاء الحرية، قامت بتبديل صورة حميدة في الجبل من الضعف والانكسار إلى القوة المتمثلة في المال في أحداث حياتها الجديدة ورحلتها لأمريكا وبريطانيا بإعادة بناء موقفها التعليمي والثقافي والاجتماعي، فالفتاة الجبلية الضعيفة والمنكسرة تتطوّر أفكارها وآراؤها ونظرتها للحياة بعيدا عن الجبل، رغم عودتها بالذاكرة إليه أحيانا. إنّ الصراع القائم على تقنيات المكان هو في حقيقته صراع الشخصيات المتمثل في بيئات جغرافية متضادة، والمتشكّل في سياقه السردي في الأحداث، فصراع المكان العماني مع الشرق الأفريقي هو صراع دائر بين زهرة وخميس/ كتمبوا، وصراع المكان العماني مع المكان الروسي هو صراع عثمان في محاولة إثبات قدراته العلمية في بلد يقدّر العلم، وكريمة الباحثة عن فضاءات الحرية، وصراع المكان العماني مع الغرب الأوربي والأمريكي هو صراع إثبات الوجود لحميدة أمام سلّام في مجتمعات مختلفة ثقافيا واجتماعيا وماديا، وهو صراع في حقيقته مرتبط بالمرأة في علاقتها بالآخر.
إنّ صورة المرأة عند بدرية الشحية تتشكّل وفق صراع أيديولوجي مع الآخر، وعليه فإنّ هذا الصراع يتّسع ليشمل المكان الذي يعمل على تشكيل الأحداث وفق رؤيته للمرجع الذي تتناوله في العمل الروائي. إنّ المكان عنصر رئيسي ضمن العناصر التي عملت بدرية الشحية على توظيفها للتعبير عن فكرتها، وتكوين صورة شخصياتها، وهو العامل الأهم في ذلك لبناء مستويات الشخصية الرئيسة، وتنامي أفكارها، وتفجير نفسياتها في المواقف التي تعنى بالشخصية/ المرأة، وعليه فإن كتابة المكان عند بدرية الشحي هي مساحة لانفتاح على المسكوت عنه في قضايا متعلقة بالمجتمع والمرأة، وذاكرة مشرعة تحيل على أنساق مضمرة في الخطاب الروائي.