مرفأ قراءة.. «لماذا لا نزرع شجرة».. التمرد بالسؤال!

إيهاب الملاح

– 1 –
عن دار الكتب خان بالقاهرة صدرت رواية «لماذا لا نزرع شجرة» للكاتب والمبدع والمترجم الرصين أحمد شافعي؛ أحد أبرز أصوات الموجة الثانية أو الثالثة مما عرف بجيل الكتابة الجديدة في مصر (1995-2010) وهو الجيل (وأنا هنا أستخدم مصطلح الجيل كمفهوم إجرائي عام ومباشر، دون أي تحديد نقدي آخر) الذي شمل طيفا واسعا من مواليد أواخر الستينات ومطالع السبعينات حتى أوائل الثمانينات، وتمايزت بعد ذلك الطرق والخيارات الفنية والجمالية بين كل مجموعة وأخرى في إطار الدائرة الزمنية الواسعة المحددة كإجراء وليس كتصنيف علمي صارم.
أحمد شافعي من أحبّ أسماء هذا الجيل الذي أنتمي إليه، إلى قلبي وروحي وعقلي. لم نكن أصدقاء منذ الطفولة، ولم ننشأ في حي واحد ولم نكن معا في فصل دراسي واحد، ولم نمض وقتا طويلا معا نتسكع في شوارع وطرقات وسط البلد، ولا أزعم أنني كنت يوما ضمن دائرته المقربة الشخصية… لكنني أزعم أنني أعرفه جيدا، وأنني أحبه وأحترمه كثيرًا على المستوى الشخصي، وأنني أتابعه وأتابع ما يكتب وما يترجم، وما يكتبه ساخرا على صفحته الشخصية بكل شغف ولهفة وتقدير. على مدار ما يقرب من خمس عشرة سنة أنجز شافعي إبداعيا عددا من أهم دواوين قصيدة النثر، وترجم ما يماثلها إن لم يزد، وله روايتان، فضلا عن عدد وافر من الترجمات المتنوعة ما بين الرواية، والدراسة الأدبية، والحوارات النقدية، والدراسات الثقافية.

– 2 –
ودائما ما أرى في أحمد شافعي هذا النموذج الجاد الرصين الذي يأخذ نفسه بالشدة والصرامة في تكوينه الذاتي، وفي عمله الموضوعي، وفي كل ما يتصدى له من عمل. ومنذ اتصلت الأسباب بيني وبينه قبل ما يزيد على عشرة أعوام، حين كان عضوا بفريق تحرير ملحق (شرفات) الثقافي الذي كان ضمن أهم خمس ملاحق ثقافية تصدر في العالم العربي كله، أدركت أنني أمام النموذج الأكثر جدية والأكثر دأبا، والأكثر بحثا عن الدقة والكمال في هذا الجيل (مهما كانا بعيدي المنال!) كان مهووسا بالدقة والمراجعة والالتزام الصارم في المواعيد، وحينما كان يبدي ملاحظة أو تعليقا على واحد من المقالات التي قرأها لي كانت من الرهافة والحساسية والذكاء وواسع الاطلاع ما كان يبهرني فعلا.
يمثل شافعي، لي، النموذج الذي يتعامل مع القراءة والكتابة والوعي كمهام يومية منضبطة، وليس كنشاط عشوائي كيفما اتفق (مثلما هو الحال لدى الكثيرين ممن يدعون احتراف الثقافة والإنتاج الثقافي عموما). يقرأ ويكتب ويترجم وينقد وينتقد بجدية واحترام واستيعاب نادرا ما شعرت بوجودها في أحد ممن ينتمون إلى جيلنا هذا (أقصد مواليد النصف الثاني من السبعينيات ومطالع الثمانينيات).
موهبته الذاتية لا شك فيها؛ وثقافته رفيعة بمقدار ما كدّ واجتهد في تحصيلها وتكوينها، منذ سنواته الباكرة، وإدراكه اللغوي “وعيًا وممارسةً” كان من الرهافة والحساسية والإتقان والتمكن ما جعله يكتب يوما ولو على سبيل الدعابة والممازحة “أقيس مدى قرب أصدقائي مني بقدراتهم اللغوية”، أنا لا أنقلها هنا بحرفها إنما بما وعيته منها قبل سنوات طويلة.
وإدارته لهذه الموهبة أيضًا، ولهذه الثقافة، ولهذا المران اللغوي المكثف المتجدد، الذي لا يهدأ ولا ينقطع، مكنته من أن يضع أعماله كلها بلا استثناء في منطقة متفردة تماما، رفيعة المقام، مجرد وجود اسمه على كتاب من الكتب أو ترجمة من الترجمات فهذا يعني ختما بالجودة والإجادة والثقة في المحتوى الذي يقدمه لنا أحمد شافعي.
أعتذر لو كانت هذه المقدمة طالت أكثر مما ينبغي، لكنني أردت فعلا أن أقول إنني أحب أحمد شافعي، جدًّا، وأقدره وأحترم إنتاجه بما يليق، وبما يستحق من قراءة واستيعاب وتذوق.

– 3 –
أعود إلى روايته الجديدة الجميلة «لماذا لا تزرع شجرة» الصادرة عن دار الكتب خان بالقاهرة، يقدم شافعي تجربة سردية لغوية أقل ما توصف به أنها “حلوة” لدرجة الجزع، وجميلة حد الألم لهذا الجمال!
هذه الرواية هي رواية جيلنا بامتياز؛ إنها روايتي التي لو حلمت أن أكتبها فلن تكون برهافة وصدق وجمال هذه الرواية! رواية كل أربعيني وقف وقفة صادقة ليسائل نفسه السؤال الظاهر البسيط “لماذا لم تزرع شجرة؟” ووراءه مئات الأسئلة التي تحلل وتوجع وتنخز، وتعيد طرح وتأمل تجارب حياة بعد عقودٍ من خوضها، مؤطرة بنفسٍ وجودي وفلسفي عميق لا يتأتى للكثيرين منا الوصول إليه ناهيك عن إنتاجه!
تبدو سذاجة السؤال المطروح (في عنوان الرواية) مرادفة لبساطة السرد الذي يأسرنا منذ الصفحات الأولى لنفاجأ بأننا أمام أكبر من سؤال لم يكن ساذجًا أبدًا وبحالٍ من الأحوال، وأعقد من سرد تجربة ذاتية “عادية”؛ لم يقدمها صاحبها باعتيادية على الإطلاق.
إننا بإزاء تجربة إنسانية، كلية وشاملة، وطرح فلسفي تأملي عن ماهية وجودنا كله عن مغزى أن نكون مجبورين أو مسيرين أو لا نملك خيارا واحدا حقيقيا يتسنى لنا في النهاية أن نحاسب عنه أو عليه! عن هذا التمرد الذي يلازمنا حلمه ونتوق إليه ولا نتخلى عنه، رغم كل الضربات التي نتلقاها والعذاب الذي نعانيه كي نقمع تمردنا هذا بأيدينا أولا قبل أن يكون بيد غيرنا!
لم أصدق وأنا أقرأ بعض مقاطع الرواية أن كاتبها شخصٌ آخر غيري؛ إنه “أنا” بكل ما عشته وخبرته وتأملته وطويته داخل نفسي ومضيت لا ألوي على شيء! صحيح أنني لم أمتلك القدرة ولا المهارة كي أصوغ الأسئلة جماليا بهذه البراعة لكنه أنا الذي استجلى عبر مرآة ذات المؤلف حياته وحياة عشرات ومئات وربما آلاف آخرين غيره وغير “شافعي”.
أربعة عقود كاملة شهدت ما شهدته، وها هو واحد من أبناء هذه العقود يقف ليتساءل ويحاكم ويراجع ويتمرد ولو بسؤال!
“عشت أربعين سنة يا كامل، أربعين سنة على الأرض، أكلت وشربت وتزوجت، صاحبت وأحببت وكرهت، مر عليك أربعون صيفا وأربعون شتاء، جلست على البحر وسهرت على النهر، ولم تزرع شجرة قط. كامل، لماذا لم تزرع شجرة؟” (الرواية، ص 16)

– 4 –
لم يطرح شافعي يوما سؤالا بسيطا أبدا، كل همومه التي تؤرقه صاغها أولا في إطار فلسفي قبل أن يحبكها جماليا في صياغة لغوية مثيرة على مستوى التركيب والتصوير واللفظة المفردة.
يطيل أحمد النظر في الفكرة، مرة واثنتين وثلاثا، يقلبها على وجوهها جميعا، يمد خيوط وصلها بغيرها من الأفكار، اتقاد ذهنه في هذا الوصل وهذا الربط مذهل ومثير للإعجاب والدهشة معا.
لديه القدرة على تمثل و”تمثيل” التفاصيل العادية والمألوفة ببساطةٍ متناهية لدرجة تندهش معها من هذه القدرة على التمثل؛ حين يحدثك بضمير المتكلم عن أي شيء يخطر ببالك (أو لم يخطر!)؛ من أول استعادة وتذكر مقاطع من السيرة في فترة الطفولة والمراهقة وحتى صياغة نص سردي محكم ومركب مثل «لماذا لا تزرع شجرة» يمزج بين السرد الاستعادي السيري، وومضات التجريب المدهشة الخلاقة التي تقتضي بالتأكيد جهدا ذهنيا في التلقي لفك الرموز وإضفاء المعنى (إن كان ثمة معنى) وإفساح المجال للتأويل بكل ممكناته وقدراته التي لا تحد.
هذه مجرد أفكار أولى، ملاحظات على متن مفتوح، حر، قيد التشكل والتحول الدائم، لكنه يحظى بتقدير واحترام كل من يصافحه ولو بشكل عابر… (وللحديث بقية)