الحل في سوريا.. بيد السوريين أم الأطراف الدولية؟

دمشق -عمان – بسام جميدة:

تبدو الأزمة السورية الأكثر تعقيدا من بين الأزمات التي تمر بالعالم بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وذلك بسبب تشعب الأطراف التي تمسك بخيوطها، وتشارك في تطاول ألسنة اللهب التي تنطلق منها، وتكاد نارها تأتي على
الأخضر واليابس، وتحرق الإنسان الباقي فيها وهو يعاني الأمرين جراء الحرب والضائقة الاقتصادية اللتين أنهكتاه طوال السنوات العشر الماضية.
هذا هو المشهد البانورامي لحرب قد لا يشهد التاريخ مثلها، ففي كل الحروب طرفان متحاربان، إلا الحرب في سورية يختلط فيها الحابل بالنابل، وفي العامية الشامية «ضايعة الطاسة» حتى وهم يبحثون عن مخرج في هذا النفق المظلم حيث لا بصيص أمل يلوح، إذ كلما لاح ضوء تطفئه أطماع المتحاربين ومن يقف خلفهم في هذا الصراع المرير الذي لا تعرف عواقبه الوخيمة قبل أن تخمد ناره، وحتى ذلك الحين هناك مبادرات دولية وإقليمية وأصوات عربية تنادي بالإسراع في البحث عن حل يرضي السوريين ويضمن الخلاص وسلامة ووحدة أراضيهم، ولكن كل تلك الجولات التي مرت بدءا من مفاوضات جنيف إلى إستانا وسوتشي وغيرها، بل وتغيير أكثر من مبعوث أممي (كوفي عنان، ديمستورا، بيدرسون)، لم تأت بحل مثمر يوقف الصراع، ويضع حدا للتدخلات الدولية في سوريا.
من النقطة الأخيرة توجهت بالسؤال للضيفين، مفاده، أَ يكون الحل بيد الأطراف السورية، الحكومة والمعارضة، أم بأيدي الأطراف الدولية التي لها مصالح في هذا النزاع، تعالوا نتابع:

الحل يتطلب الوفاق
الدكتور إليان مسعد -الرئيس المنتخب لوفد معارضة الداخل إلى مفاوضات السلام
حول سوريا في جنيف-، أوضح لعُمان في هذا الخصوص «الإجابة على هذا السؤال هي بنعم ولا. أو لا نعم، إذ يمكن للسوريين حل أزمتهم بوفاقهم عقلانيتهم، فالألمان استعادوا وحدتهم عام 1990 بعد مفاوضات بين الشطرين الشرقي والغربي لألمانيا، جرت على مسار سري في حين انهمكت دول الاحتلال الأربعة في مناقشة الأمن الإقليمي الأوروبي على مسار مختلف لمنع الوحدة ولم يكن ممكناً التوصل إلى اتفاق، لو أن الألمان لم يتوصلوا فيما بينهم للاتفاق في المقام الأول وفرضوه وكان هيلموت كول العراب.
إذن المصالحة بين عقلاء سوريين مع سلطة جاهزة لتطبيق نتائج التفاهمات هو ما ينقصنا لـ نعم، ونحن معارضة الداخل ووفدها إلى مفاوضات جنيف الذي رأسته لم نكل أو نمل بهذا الاتجاه وسنطرح مبادرة جديدة للتوافق والوفاق.
أما لا، فهو الاحتمال المرجح في ظل تصعيد أوروبي أمريكي مفاجئ وغير مفهوم وبظل
الستاتيكو (تثبيت الوضع القائم) والتوازن العسكري وهو الأمر الأكثر أهمية والمعيق، فقد لخص ذلك بيدرسون في كلمة له أمام مجلس الأمن بأن الصراع في سوريا بات دوليا كما أن معظم عناصر الحل ليست بيد السوريين، مطالبا السلطة السورية والمعارضة والأطراف الدولية، بالعمل على تنفيذ القرار الدولي رقم 2254 بشأن الأزمة السورية، لكن بيدرسون اتهم أيضا المجتمع الدولي كله بالفشل في تخليص السوريين من الحرب
وجرائمها. ومن جانبها، قالت السفيرة الأمريكية، لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، في نفس الجلسة إنه «لا يمكن أن تكون الذكرى الحادية عشرة للأزمة السورية، مثل الذكرى العاشرة»، وأضافت غرينفيلد « لقد حان الوقت، لتحقيق الوحدة والتقدم بحل سياسي حقيقي يمنح الشعب السوري المستقبل الآمن والمستقر والأمل الذي يستحقه».

آفاق الحل ولكن
ويتابع د. مسعد، قائلا: «رغم تأكيد معظم الأطراف الدولية، على ضرورة أن يكون
حل الأزمة السورية سياسيا، فإن هناك فروقا جوهرية في ما يطرحه كل جانب بشأن
الحل، ففي حين تنتهج الولايات المتحدة ودول غربية حليفة لها، نهجا متشددا إزاء
الحكومة السورية، في معرض البحث عن الحل، وتضع شروطا لهذا الحل السياسي، أهمها، ضرورة محاسبة الحكومة على الانتهاكات التي ارتكبتها خلال الفترة الماضية دون أن تشير للتاريخ الجرمي الأسود للمعارضة المسلحة المرتبطة والمستقوية بالإرهاب الدولي فإنه لا يبدو على الجانب الآخر أن حلفاء سوريا سيتخلون عنها بسهولة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن مع حلفاء غربيين، لوضع تصور لحل الأزمة السورية، قدم أعضاء بارزون في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، مشروع قرار من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يتبنى مواصلة الدعم لما يسمى بـ»الثورة السورية» ويتوعد بمحاسبة الرئيس بشار الأسد وداعميه الإيرانيين والروس في الذكرى العاشرة لـ»الثورة السورية».
على الجانب الآخر، تحدثت تقارير عن أن تعويم النظام في سوريا، كان في صلب الجولة الأخيرة، لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في منطقة الخليج، وأشارت تلك التقارير إلى أن لافروف، الذي يدرك حجم الضغوط الغربية على سوريا سعى خلال جولته لإقناع سلطات تلك الدول، بضرورة إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، في محاولة لتخفيف الضغط، والحصار المفروض عليها الذي يبدو أنه مع الشعب يعاني من العقوبات الدولية، وتداعيات قانون قيصر.
ويطرح التباين بين رؤى الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين من جانب، وذلك الدعم المتواصل من قبل موسكو وطهران لسوريا من جانب آخر، مزيدا من الشكوك بشأن إمكانيات حل سياسي توافقي يتطلب مشاركة من الأطراف الدولية التي باتت جزءا أساسيا من الأزمة السورية وهو ما يعني أن مساعي الحل قد تواجه بعراقيل جديدة ربما تطيل أمد المعاناة بالنسبة للمواطنين السوريين».

الفجوة تتسع
في ظل تشبث الأطراف المتنازعة كل برأيه، بل إن غالبية المتحاورين من أجل الوصول إلى حل ينتظرون أوامر من الخارج، وهم جالسون على طاولة المفاوضات. ومن يدقق في عملية الصراع داخل الأراضي السورية ويدرس سيكولوجية المتحاربين الذين ينتمون لتيارات ومذاهب وأفكار وميول دولية وعقائدية وفكرية ودينية وعرقية، يعرف ماهية الأزمة التي تجري في سوريا، وما أطماع كل طرف، ولماذا لا يريدون التوصل لأي اتفاق ينهي الصراع الدائر على امتداد هذه الأراضي عمليا، ويدار
بطريقة «العض على الأصابع» من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الوطن والشعب الذي أنهك من تبقى داخله الفقر والمرض، والوقوع في قبضة المتحاربين، ومن خرج لاجئا يبحث عن الأمان ولقمة العيش بكرامة.

الحالة السورية.. مآلات مؤجلة..
لمتابعة الموضوع من كافة جوانبه، التقت (عُمان) المحامي والباحث متروك صيموعة، الذي أشار إلى أن «الوضع السوري لا يزال معلقا وتتنازعه جملة عوامل داخلية وخارجية، ويبدو أن لا أحد يستعجل إخراج الحالة من عنق الزجاجة، فالمجال ما يزال يتسع للمساومات بين القوى الفاعلة..!.
ولم العجلة..؟ فالقوى الفاعلة حصلت على الكثير من المغانم والامتيازات ولا يعنيها إنهاء المعاناة السورية في الراهن القريب، في ظل غياب قوى المعارضة وتشرذمها، وهي على العموم تعاني من تشوهات خلقية بفعل الولادة القيصرية بعد تخلف شروط نموها الطبيعي..! وكان أن انكفأت بعض قوى الثورة خلف جلبة عناوين ملتبسة ومشوهة طفت على السطح في غياب برنامج وطني جامع ومحفز ينتج حالة صاعدة».
ويتابع صيموعة قائلا، «يبدو بالمحصلة أن لا أحد يستعجل الحل، كل هذا في ظل الحالة الجنينية للحركة الوطنية ووجودها في مرحلة قريبة من حالة انعدام وزن سياسي عبر رهاناتها المتعددة والمتناقضة أحياناً.. ومع تعثر سوتشي وغيرها، ومحاولات تجميد مرجعية جنيف1 الذي يشكل هاجسا يصعب تجاوزه وهو تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحية، وما تشكله هذه من انعطافة في المسار العام للحالة السورية وبما يلقاه من منافحة من جانب القوى التي تطمح للحفاظ على الوضع الراهن وما يوفره من مزايا..من هنا.. وفي ظل صعوبة الإجماع على عقد مؤتمر وطني جامع يخرج الحالة السورية من حالة الانسداد، فلا بديل عن تطبيق القرار الأممي 2254 وما يستند إليه من شرعية دولية.. إلا إذا حصلت معجزة (السكتة القلبية)».

هل من عقلاء
الحرب التي حفرت عميقا في سوريا جعلتها ساحة حرب لتجاذبات دولية كثيرة من اجل
ولادة قوة كبرى، وربما نظام عالمي جديد، لذلك فإن مفتاح الحل لن يكون بيد طرف واحد بل بيد أطراف أخرى، كما تشي الوقائع، ولن تسلمه قبل أن يتم الاتفاق على كيفية اقتسام الكعكة بمهارة، فيما يبدو التحدي الأكبر واضحا من أجل الوقوف أمام هذا المد الخارجي لكي يكون الحل سوريا – سوريا بامتياز، وهذا يتطلب وقفة جبارة وصريحة مع الذات لتبيين المصالح الكبرى، وتذويب الأنا والمنافع الصغرى من أجل الخروج من هذه المحنة بوطن سليم معافى يحترم المتحاربون فيه على الأقل دماء الضحايا التي سالت والثمن الباهظ الذي تم دفعه، ويحتاج لسنوات طويلة كي تلتئم الجروح وتُبنى سوريا القوية التي تَبني البشر قبل الحجر، وتستفيد من دروس الحرب الدامية، ولسان حال السوريين يقول، هل من عقلاء لديهم الحكمة ليخرجونا من هذا النفق المظلم..؟

لسان الحال
الشارع السوري في الداخل ليس كما هو في الخارج، ويبدو أنهما يسيران بخطين متوازيين ولم يلتقيا في الأفكار الجامعة على الخلاص، ولكل منهما شعاراته والطريقة التي يفكر فيها بالحل، مع أن الاثنين تجمعهما معاناة واحدة ووجع يتركز في غالبية مفاصل الجسد الواحد.
الداخل السوري يبحث عن مخرج، ومن استطعنا الحديث معهم حول نظرتهم للحل، أجمعوا على ضرورة الخلاص، يقول الشاب هشام الحسن 38 عاما لابد من نقاط التقاء تعيد لسوريا مكانتها، يكفينا ماحل بنا خلال سنوات الحرب، لم نعد نقتنع بما نسمع من حوارات واجتماعات، الأمور معقدة أكثر من اللازم، والوضع الاقتصادي يسير نحو الأسوأ.
أم جمال امرأة سورية تعيش وسط العاصمة دمشق تصف الحال بأنه مزرٍ جدا، أُصبنا بالإحباط، تشردت الأسر، وتاه الشباب في المهجر، الحالة الاجتماعية والاقتصادية للناس تشير إلى عواقب وخيمة، متى يدرك العالم مرارة ما نتذوق، من يملك مفاتيح الحل فليتفضل، وليجلس المتحاربون ويتفاهموا، من ناحيتي أتمنى أن يكون الحل بيد السوريين، ولكن المؤشرات لا توحي بذلك، فالقضية معقدة أكثر مما نتصور. خالد العمر نازح من محافظة الرقة ويسكن بدمشق، يرى أن الحل يتطلب تدخل قوى فاعلة تجبر الجميع للجلوس على طاولة مفاوضات واحدة، ومن الضروري الحفاظ على وحدة سوريا وأراضيها، الحل في ليبيا بات وشيكا وكذلك في اليمن، وكل شيء انتهى في تونس ومصر بسلام، فلماذا لا تزال سوريا وشعبها يعانيان ويلات الحرب؟، نناشد كل الشرفاء في العالم، ودولة السلام سلطنة عُمان لتكون وسيطا لإيقاف معاناة السوريين، وانقشاع غيوم الحرب.
كلمات كثيرة استمعنا إليها تطالب بالخلاص وتدخل الدول الفاعلة لفرض الحل المناسب، وأن يكون للسوريين أنفسهم كلمة الفصل، كثيرون أجمعوا على نبذ الخلافات وفكرة التقسيم وأن يكون للحكومة دور فاعل في هذا الموضوع للتخفيف من حدة ما يجري، وأن تتخلص المعارضة من أطماعها وتشرذمها وتبعيتها للدول وأن تقدم نفسها بطريقة أكثر إقناعا للمجتمع عامة.

حبال السياسة
بادرة الحل التي ظهرت منذ أيام، وسبقتها بوادر كثيرة تحدثنا عنها، لم تتمخض عن ولادة ما يسعد السوريين وينذرهم بالخلاص، إذ تبدو حبال الحل السياسي طويلة، ومرتكزة على وجوب تحقيق توازنات كثيرة من شأنها أن تجعل الحبال أطول بكثير حتى يتم الاتفاق على تسوية ما، وحتى ذلك الحين يأمل السوريون أن لا تلتف حبال السياسة على أعناقهم أكثر، وهي التي تشابكت مع حبال الاقتصاد والحرب فتخنقهم أكثر، رغم قسوة الانتظار، وتشعب التفاهمات على مساحات البلاد الشاسعة من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها، وما بين معارضة الخارج مشتتة الولاءات ومعارضة الداخل والحكومة، ثمة هوة كبيرة قد لا تردم بهذه السهولة إذا لم تكن النوايا سليمة للوصول إلى وطن معافى وموحد، ففي شمال وشرق سوريا أطماع، وفي إدلب وما حولها حسابات معقدة، وفي مناطق أخرى أجواء ملبدة لم تنقشع عنها غيوم الحرب بعد. وما بين كل هذه التفاصيل الموجعة ثمة ملح أجاج يكوي حلوق السوريين الذين يأملون ألا ينفد منهم الصبر، وألا يفقدوا أكثر مما فقدوه.