هل يمكن للرواية أن تصنع معرفة؟

منى بنت حبراس السليمية

يراودنا هذا السؤال (1) كلما عنّ لنا التفكير في قيمة المعرفة الحقيقية التي يمكن أن تنتج من الفن الروائي من حيث هو فن تخييلي. فهل يمكن للفن القائم على التخييل أن ينتج معرفة من نوع ما؟ فلطالما ساد الاعتقاد بعجز الرواية عن تقديم معرفة يقينية، وجرى تكريس فكرة مفادها أن جنس الرواية إنما نشأ من أجل الترفيه والتسلية. وقد كان هذا أحد أسباب تهميشه على امتداد أزمنة طويلة، قبل أن تلتفت إليه الدراسات الثقافية والاجتماعية والنفسية التي وجدت في جنس الرواية مفاتيح لفهم الكثير مما استغلق فهمه في حياة الإنسان والمجتمع والعالم.
يقول سعيد بنكراد في مقدمة ترجمته المهمة لكتاب “ست نزهات في غابة السرد” لأمبرتو إيكو: إن العوالم السردية “لا تقول الحقيقة ولكنها لا تكذب، فهي تصف حدود الحياة التي نحياها ولكنها تنزاح عن المعيش الواقعي. إنها كذلك لأنها تقدم لنا عالما خاليا من تعقيدات الوقائع اليومية التي تحتاج منا إلى مجهود كبير لكي نفهمها وندرك القوانين التي تتحكم فيها”(2)، وأكثر من ذلك يساعدنا السرد “على إدراج تجربتنا الفردية المحدودة في الزمان وفي المكان ضمن ذاكرة أوسع وأشمل هي ذاكرة الإنسانية جمعاء من خلال تلك القدرة التي نتوفر عليها والتي تساعدنا على استيعاب عوالم تنتمي إلى ثقافات أخرى لا نعرف عنها في غالب الأحيان أي شيء”(3). وهذا ما تكشفه لنا ترجمات الآداب الأجنبية إلى لغاتنا، لنجد أنفسنا أمام حياة جديدة لم نكن نعرف عنها شيئا، دون أن يخامرنا الشك بأن ما نقرأُه من آداب الأمم أخرى إنما هو محض وهم لا يتصل ببيئات تلك الأقوام وثقافاتهم وتاريخهم.
وعلى الرغم من أن هذا الوهم المتصل بعدم قدرة الرواية على إنتاج معرفة صار مُتجاوزا في كثير من الثقافات الحديثة غير أن منبعه في الأساس – كما ينقل لنا إدريس الخضراوي عن صاحب كتاب “الرواية والمعرفة” – هو “غياب الإلمام بتكوين الرواية وأهدافها، وفات فريقا من معتنقي هذا الرأي أن الرواية جنس أدبي، يَعكسُ تطور الأبنية السّردية والخطابية ويُتوجُ مسيرة طويلة لجهود الإبداع البشري، وأن أثرها حاسم في دعم البناء الفكري والاجتماعي”(4). ولكن متابعة بسيطة لحال التلقي في محيطنا العماني والعربي، تجعلنا نكتشف أن الوهم يجد مكانه في أذهان كثير ممن يعتقدون أن المعرفة لا تؤتى إلا من مصادر يقينية تقدمها المعارف التي تبني مقولاتها على الواقع والتجربة المحسوسة لا الخيال، وكأنما الخيال تهمة لا تجدي نفعا ولا تقدم فائدة للمتلقي. وإن المعرفة، كل المعرفة، في البحث العلمي القائم على اليقينيات التي تجد ما يعضدها من ظواهر الطبيعة التي تقوم دليلا لا يحتمل رأيين، وليس هذا شأن الخيال الذي ينشأ ضمن سياق نصي خاص لا يَصدُق خارجه بالضرورة. ولكن أليس المعرفي والخيالي وجهين لعملة واحدة؟
لحسن الحظ يسعفنا ميداور في هذا السياق بمقولة حاذقة للغاية تستنكر تجريد البحث العلمي من الخيال عندما قال: “لقد آن الأوان لكي يتخلى رجل الشارع عن الاعتقاد المضلل بأن الحديث العلمي عمل تنقصه حرارة العاطفة والإثارة، ويخلو من مزايا الخيال، وأن العالِم رجل منصرف إلى الاكتشاف، لأن البحث العلمي في أي مرحلة من مساره هو مشروع ساحر مثير، بل إن الارتقاء في المعرفة الطبيعية يتوقف قبل كل شيء على إيجاد منفذ إلى ما يمكن تخيله وإن لم يزل غير معروف”(5). وقد نضيف بأن الرواية وإن كانت سردا يستمد فعل الحكي من الماضي، غير أنه ينفتح على أفق المستقبل انطلاقا من نقطة الارتكاز على مُعطى الحاضر؛ لأن الخيال بناء مفارق للزمن، ومستشرف لمآلات الإنسان والمجتمع والعلوم ذاتها؛ لذا فإن السؤال الذي يستنكر استفادة المعرفة من الخيال بات باطلا؛ ففرويد يقر بأنه مدين لروايات ديستويفسكي فيما توصل إليه في أبحاثه النفسية(6). لم يعتقد فرويد بأوهام أدب ديستويفسكي، وإنما تعامل معها بوصفها مصدرا للمعرفة، ورتب عليها نتائجه.
ومن نافل القول إن الفن الروائي لا ينفصل عن العالم الذي أُنتج فيه؛ لأنه نتاجه المباشر وإن تجاوزه. فالخيال لا يُبنى دون معرفة بالعالم، ودون تأصيل للخيط الواصل بين ما هو قارّ وما هو مفارق للواقع المثبت بالخبرة والتجربة؛ لأن الرواية – كما يذهب باختين – ما هي إلا صورة للوعي في تشكيل الصيرورة التاريخية في فهم الإنسان والتاريخ معا.
وإذا كان باختين يذهب إلى أن الرواية هي “الجنس الأدبي الوحيد الذي وُلد في هذا العالم الحديث، وهي تنتمي إليه بكل المعاني”(7)، فإن الرواية بدورها شاهدة على هذا العالم، ومرآته الحافظة من عوارض الزمن.
وعلى هذا يربط ميلان كونديرا بين فن الرواية والمعرفة عندما يقول: “تصاحب الرواية الإنسان على الدوام وبإخلاص منذ بداية الأزمنة الحديثة. لقد سيطر (هوى المعرفة) آنئذ على الإنسان كيما يدرس الحياة العيانية للإنسان ويحميه ضد (نسيان الكائن)؛ كما يضع (عالم الحياة) تحت إنارة مستمرة”(8). ونفهم من مقولة كونديرا هذه أن الرواية اكتشاف للحياة، شأنها شأن العلوم، لأنها درس للعيانية فيها من جهة، وسلاح لمقاومة عوارض النسيان بوصفها إثبات وتقييد من جهة أخرى، على عكس ما نعرفه عن الوهم الزائل، بينما الرواية حقيقة جديرة بالبقاء. فاقتران الرواية بالمعرفة – حسب كونديرا – انتصار للمعرفي الحقيق بالصمود. فإذن لا تقتصر وظيفة الرواية في كونها اكتشافا وحسب، وإنما مقاومة لعوارض الزوال. ويذهب كونديرا إلى أبعد من ذلك عندما يجعل من وظيفة الرواية الأساس هي إنتاج المعرفة! وأن “الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية. إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة”(9). هكذا يقدم كونديرا المعرفة التي تنتجها الرواية حقيقة مسلما به، ولا تحيد عنها إلا الروايات التي أخلت بمشروعية وجودها إلى الحد الذي يفاجئ شريحة كبيرة ممن ينظرون إلى الرواية جنسا لتزجية الوقت لا أكثر.
وفي مقالة لافتة للنظر يقدم الباحث المغربي إدريس الخضراوي قراءة نابهة لكتاب “الرواية والمعرفة” للباحث المغربي الدكتور عبد السلام أقلمون، الصادر عن دار قرطبة المغربية في عام 2019، يضعنا فيها – وأقلمون قبله – أمام هذه الموازنة بين الرواية وإنتاج المعرفة من حيث إن السّرد الأدبي لا يُمثلُ “مجرد أعمال تخييلية لا تضطلعُ بأي وظيفة في الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان، بل يَتعينُ بوصفه حاملا معرفةً يتمّ تسريبها من خلال الأدوات المتعددة التي يستدعيها الأدب بأجناسه المختلفة، كاللغة والشخصيات والفضاءات والأزمنة. هذه المعرفة يَكمنُ الهدف منها في إقدار الإنسان على الفهم”(10). ولكن الفن الروائي لا يمنحنا القدرة على فهم الحياة والعالم بنحو أفضل وحسب، وإنما على ترتيب فوضى العالم المتشظي والمتسع بلا حدود في سياق منتظم(11)، يقود كل شيء فيه إلى نتيجة منطقية؛ فهو (الفن الروائي) يشذب الحياة ويجعلها قابلة للاستيعاب. ويضيف حسن حنفي إلى هذا الهدف هدفا آخر لا يقل أهمية، فالأدب “ليس مجرد قصص، وشعر، ومسرح، بل أيضا تحليل فلسفي لتجارب الحياة وبحث عن دلالاتها”(12)، وهكذا يصبح الأدب عموما – والرواية خصوصا – وسيلة “تُخرج الفلسفة من النخبة إلى الجماهير، ومن الخاصة إلى العامة، دون أن تفقد دقتها وعمقها”(13). ولنا هنا أن نستحضر عشرات بل مئات الروايات التي جعلت من الفلسفة والعلوم موضوعها، وقرّبتها من أفهام غير المشتغلين بها، وجعلتها في متناول العامة. فالأدب كما يصفه الكاتب العماني حسين العبري في كتابه الثقافة المخاتلة “يقلب الأشياء ويريك ما لا تراه العين، فهو مثل عدسة مكبرة ومرايا عاكسة وحلم بالمستقبل”(14). لقد عانى الفن الروائي من التهميش طويلا، وعندما ساد مؤخرا على غيره من الأجناس صار أحوجها إلى الإنصاف إزاء تلك النظرة التي لا تجد فيه فائدة ولا تجد للخيال معنى أكثر من سد ثغرات الوقت، ورتق جيوب الملل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
) كان هذا السؤال منطلقا لمشروع مؤتمر علمي كان يزمع مختبر التأويليات بجامعة عبدالمالك السعدي بتطوان في المملكة المغربية تنظيمه خلال عام 2020م عن المعرفة والتخييل.
2) إمبرتو إيكو: ست نزهات في غابة السرد، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2005، ص12
3) المرجع نفسه، ص16
4) انظر مقال إدريس الخضراوي: النقد الروائي وإنتاج المعرفة، قراءة في كتاب عبد السلام أقلمون “الرواية والمعرفة” الصادر عن دار قرطبة المغربية في عام 2019، نشر في الملحق الثقافي لجريدة العلم: 4 مارس 2021
5) بيروتي ماكس: ضرورة العلم، عالم المعرفة، الكويت، 1999، ص5، 6
6) قال فرويد: “دوستويفسكي معلّم كبير في علم النفس. لا أكاد أنتهي من بحث في مجال النفس الإنسانية، حتى أجد دوستويفسكي قد تناوله قبلي في مؤلفاته”. من مقال أعدته أمل الشواربي بعنوان دوستويفسكي رائد الرواية النفسية في القرن التاسع عشر نشر مجلة الباحثون السوريون: 29 يونيو 2019م مستعينة بكتاب “دوستويفسكي.. دراسات في أدبه وفكره”، مجموعة مؤلفين، ترجمة: د. نزار عيون السود، دمشق، الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012.
7) كن هيرشكوب،”ميخائيل باختين: الصيرورة التاريخية في اللغة والأدب والثقافة”، ترجمة رضوى عاشور، القرن العشرون- المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية، موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005، ص 225- 226.
8) ميلان كونديرا: فن الرواية، ترجمة بدر الدين عرودكي، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1999، ص13 – 14
9) المرجع نفسه، ص14
10) إدريس الخضراوي: النقد الروائي وإنتاج المعرفة، الملحق الثقافي لجريدة العلم: 4 مارس 2021
11) انظر مقدمة ترجمة سعيد بنكراد لكتاب ست نزهات في غابة السرد، مرجع سابق، ص 10
12) حسن حنفي: الهوية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2021، ص18
13) نفسه، ص19
14) حسين العبري: الثقافة المخاتلة، مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان – كتاب نزوى 19، يناير 2013