سوريا.. تراجيديا الحرب والحصاد المر

دمشق – عمان – بسام جميدة –

عشر سنوات وعشرة أيام مرت بلياليها السوداء على سوريا وشعبها وهي ترزخ تحت وطأة حرب طاحنة جاءت على الأخضر واليابس، وزاد الحصار الاقتصادي من تفاقم الأمور سوءا رغم صمت البنادق وتوقف أزيز الرصاص في غالبية الجبهات. 10 سنوات مرت تغيرت فيها رايات المتحاربين غير ذي مرة، ولم ينتج عن تلك المعارك سوى مزيد من القتل والدمار والنزوح..
10 سنوات تفاقم فيها الوضع الاقتصادي إلى حد لم يكن أشد المتفائلين أن يصل إلى هذا الحد الذي نال من الشعب ما لم تستطع النار والبارود أن تناله منه، وبات كل شيء يرد إلى سعر الصرف في السوق السوداء..
10 سنوات كانت فيها الفاتورة باهظة جدا، وكان الثمن غاليا من أرواح الناس من مختلف الشرائح والطوائف والمذاهب…
10 سنوات بات فيها عدد اللاجئين والنازحين داخل وخارج سوريا يتجاوز العشرة ملايين لاجئ…

لست وحدي
وأنت تكتب مثل هكذا إحصائية عن الحصاد المر لبلادك التي تعيش أبشع حرب عرفتها البشرية في العصر الحديث، تجد نفسك ممزقا كما لو أنك أصبحت دريئة يتبارى المتقاتلون في توجيه حرابهم صوب صدرك المكشوف، وتنتابك حشرجات الموت بكل أهوالها، ولكنك لا تموت لتبقى شاهدا على كل فجائع البشرية التي تجمعت في ديارك..
عشت كصحفي كثير من تفاصيل الحرب التي أكلت من روحي، سواء في ريف دمشق حيث أسكن، أو في وسط دمشق حيث أعمل، مرورا بكل المناطق الريفية بدمشق، ولم توفرني الحرب الدائرة في مسقط رأسي بدير الزور حيث حوصرت هناك مرتين في بداية الحرب، وتجرعت مرارة السفر الطويل بين حواجز المتقاتلين ومعي عائلتي، ولم أستطع أن أعاود تلك الديار حتى عند رحيل والدي صاحب الـ 95 عاما الذي مات بعيدا عن بيته نازحا في ريف الحسكة بسبب ما كان يجري في المنطقة الشرقية برمتها. لم أشأ أن أكتب قصتي فهي طويلة حد المرارة، ولكنني بدأت بنفسي كون حالتي تشبه حالات الآلاف من السوريين الذين تجرعوا مرارة العيش والنزوح، والفقدان، ومناظر الموت وفصول الحرب، كانت كأنها مشاهد سينمائية تمر أمام عينيك، ولكن المنظر هنا مختلف فأنت البطل والضحية معا، وما يزيد الطين بلة أنك كصحفي ستكون الفاتورة مضاعفة، وحسب التقييمات العالمية فإن سوريا تعتبر ثاني أخطر بلد في العالم بالنسبة للعاملين في الإعلام، ومدخل مبنى الإذاعة والتلفزيون بدمشق يشهد على أعداد ضحايا الإعلام، كما تشهد مناطق أخرى ساخنة على ذلك. وفي عز الحرب سألني صديق عربي روائي قدير، عن الشام وأهلها، وماذا يمكن أن يكتب عنها في هذه الحرب، قلت له، أصبح كل سوري مشروع رواية، لديه قصة، يمكنك أن تأتي وتكتب ما تشاء، وستحصل على جائزة نوبل.

بضع صور
ها هي الأزمة السورية تدخل عامها الحادي عشر، ولازالت في ذات النفق المظلم، كل بوادر الضوء التي تلوح، سرعان ما تنطفئ، وبكل ما في حلقه من مرارة يردد أبو صبحي (50 عاما وكنت أظنه في عمر الـ65 عاما) «أنهكتنا الحرب، ولا نعرف متى تكون النهاية، أصبحنا على يقين أن الجميع لا يريد لهذه الأزمة أن تنتهي، الكل مستفيدون مما تمر به البلاد وهذا الشعب الذي ينزف أمام أعين العالم أجمع، كل شيء بات حسرة علينا، عشت عشر سنوات من عمري في الحرب، فقدت بيتي، ورزقي، وتهجرت، أعمل لكي يقتات أولادي ببقايا طعام، حتى لو توقفت اليوم الحرب ماذا سأفعل، انهارت قواي» وأشاح بوجهه عني ومضى يتمم بكلمات غاضبة.
روى لي «غسان أبو سامي» القاطن في ريف دمشق، قصة ابنته «شام» التي ولدت في الشهر الخامس من بداية الأزمة، وكيف اضطر أن يأخذ زوجته إلى المشفى كي تولد بعملية قيصرية، ولكن ضراوة القصف والمظاهرات جعلته يسحب زوجته والمولودة في اليوم الثاني من المشفى ويهدأ الجو المشحون، وبمعجزة وصلنا البيت، زوجتي لازالت مريضة، واليوم ابنتي عمرها من عمر الحرب لم تعرف من الطفولة سوى الاضطرابات والحرب، لم تفرح بلعبة ولم تركب مرجوحة، شأنها شأن أخواتها، يطلبون أشياء ولا استطيع أن أحضرها لهم، ابنتي تعيش حالة نفسية سيئة، وهي ليست الوحيدة فهناك جيل الحرب من الأطفال، وأعدادهم كثيرة فتحوا عيونهم على الدنيا والعنف حولهم، محرومون من أبسط حقوق الطفولة.
هذا غيض من فيض واقع الطفولة والإنسانية المهدورة على وقع حراب المتصارعين على الأرض، فما أن تلمح عيني طفل، أو تسأله عن أمنيته وكيف عاش إلا وتكاد أن تبكي قبله، وكلما سألت أما أو فتاة أو شاب لابد لك من أن ترسم مئات إشارات الاستفهام والتعجب عن واقع أفرزته سنوات الحرب.

طفولة بائسة
تفيد تقارير المنظمات الدولية واليونسيف منها أنه منذ 10 سنوات وحتى الآن هناك:
– قرابة 6 ملايين طفل ولدوا منذ بداية الحرب في سوريا عام 2011، 4,8 مليون طفل ولدوا داخل سوريا، ومليون طفل ولدوا في دول الجوار.
– الأطفال المحتاجون: أكثر من 8,5 مليون طفل، منهم 6,1 مليون طفل داخل سوريا، و 2,5 مليون طفل في دول الجوار.
– أكثر من 13 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية بزيادة نسبتها 20 % خلال السنة الماضية.
– 2,6 مليون طفل نازح داخل سوريا.
– 3,2 مليون طفل خارج المدرسة داخل سوريا.
– 2,45 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، 40% منهم فتيات.
– 1 من كل 3 مدارس لا تصلح للاستخدام لأنها دُمِرَتْ أو تضررت أو لإيوائها عائلات نازحة أو استخدامها لأغراض قتالية.
– 15 % من الأطفال في سن المدرسة لديهم إعاقات جسدية.
– في دول الجوار: حوالي 750 ألف طفل سوري لاجىء خارج مقاعد الدراسة، وحوالي طفل من كل ثلاثة أطفال سوريين لاجئين ممن هم في سن الدراسة.

ضحايا الحرب
لا يكاد يخلو بيت سوري من وجود شهيد أو مفقود أو مصاب بإصابة بليغة وبات معوقا، الكل مفجوعين بالحرب التي طحنت برحاها الأخضر واليابس، وتفيد الإحصائيات المنشورة عن الضحايا أنه بلغ عدد المقتولين حوالي 450 ألفا، وتشير أرقام الأمم المتحدة، عن أكثر من 387 ألف قتيل منذ بداية الأزمة، بينما يوثق المرصد السوري المعارض، مقتل 389 ألف شخص، منهم 117 ألف مدني، من بينهم 22 ألف طفل، و14 ألف امرأة، و81 ألفا من الرجال.
وفي مناطق بشمال سوريا التي تسيطر عليها القوات التركية، قتل أكثر من 1500 شخص، بينهم 300 طفل، و150 امرأة، وأكثر من ألف رجل. وقتلت الفصائل المسلحة المعارضة، والتي تشمل قوات سوريا الديمقراطية، أكثر من 8100 شخص مدني بينهم 1200 طفل و800 امرأة.
وخلال السنوات التي سيطر فيها تنظيم داعش على مناطق في سوريا، قتل نحو 6500 مواطن سوري، بينهم نحو ألف من الأطفال والنساء.
وما بين هذه الأرقام المفجعة تضيع أرقام المفقودين والذي يكاد يصل عددهم إلى 200 ألف شخص لا يعرف مصيرهم ومع أي طرف هم موجودين أحياء أم أموات.

«فوق الموتة عصة قبر»
مثل سوري دارج يدلل على الأحوال السيئة، وبات السوريون اليوم يواجهون مجاعة حقيقية ليس بسبب قلة الموارد الغذائية فقط، بل بسبب تقلبات أسعار صرف الدولار الذي يؤثر على كل شيء، ووصل سعر الدولار الواحد في السوق السوداء إلى 4300 ليرة سورية قبل أسبوع من إعداد هذا التقرير، مما يؤدي إلى رفع جميع الأسعار في السوق وفي هذا الصدد تحدث الكاتب والباحث السياسي د.أحمد الدرزي لعُمان قائلا «لم تشهد سوريا بتاريخها الذي يعود لأكثر من اثني عشر ألف عام كارثة إنسانية كما هي الكارثة المستمرة حتى الآن، فهي قد عرفت اجتياحات متكررة بسبب موقعها الجيوسياسي الأخطر في العالم في شرق المتوسط، وها هي الآن ساحة للصراع الإقليمي والدولي الجديد، وامتداده للداخل السوري على شكل حرب أهلية باستثمار واضح من الغرب عموماً، ومن الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص، لكل الثغرات السياسية والاقتصادية المتراكمة خلال العقود السابقة.
تحولت الحرب في سوريا إلى مسألة دولية وجودية بالنسبة لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران، وإلى فرصة كبيرة لتركيا لملء الفراغ الإقليمي، ما دفع لاستجلاب المتشددين من أربع وثمانين دولة، وصرف مئات مليارات الدولارات على الحرب، ما ولَّد كارثة إنسانية كبرى، تسببت بأكبر هجرة بشرية تجاوزت الـ 40 % من السكان بما يقارب 10 ملايين إنسان، نصفهم إلى المناطق الداخلية، والنصف الآخر إلى تركيا ولبنان والأردن ومصر وأوروبا، وترافق ذلك بتدمير واسع للبيوت السكنية في ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزُّور والرقة وإدلب، وترافق بتدمير واسع للبنى الاقتصادية العامة والخاصة، خصوصا في حلب قلب الاقتصاد السوري، حيث تم تفكيك وسرقة آلاف المعامل، وتشريد عمالها وتحويل قسم كبير منهم إلى مقاتلين في الحرب، وكذلك الأمر في مجال الزراعة التي حولت سوريا من بلدٍ مكتفٍ ذاتياً إلى حد كبير إلى بلد يحتاج لكل شيء في غذائه، فألقى ذلك بظلاله على المجتمع السوري الذي عاش ومازال انقساماً عميقاً، بعد العبث بالهويات الدينية والطائفية والقومية، ما دفع لتقسيم البلاد.
وبالرغم من استعادة دمشق بالتعاون مع حلفائها من السيطرة على ما يقارب 67% من الأراضي السورية، فإن المناطق الأهم ما زالت خارج السيطرة بفعل الوجود الأمريكي في منطقة الجزيرة السورية، التي تعتبر السلة الغذائية لسوريا وأمنها بحوامل الطاقة من الغاز والنفط، بالإضافة للوجود التركي في مناطق واسعة في الشمال السوري كإدلب وعفرين وجرابلس وتل أبيض ورأس العين».
ويتابع الدرزي قائلا «ازداد الضغط الاقتصادي على السوريين بعد توقف المعارك الكبرى، وتحولت الحرب إلى الشكل الاقتصادي، خاصةً بعد تطبيق قانون العقوبات الأمريكي «قيصر»، والسياسات الاقتصادية الداخلية التي تستند لفعالية الاقتصاد الموازي غير المنضبط بأي ناظم قانوني، ما تسبب بارتفاع نسبة السكان الذين يقعون تحت خط الفقر إلى أكثر من 90% من مجموع السكان، منهم 46% مهددون بأمنهم الغذائي.
قدر السوريين أن يستمروا بدفع ثمن موقعهم الجيوسياسي، وعدم توفر إرادة داخلية لإطلاق عملية اقتصادية داخلية تنسجم مع طبيعة التهديدات الوجودية لبقاء سوريا كدولة، بغياب القدرة على التنبؤ بمصير الصراع الدولي وانعكاسه على السوريين ودولتهم».

اعتراف دولي
خلال حديثي مع كبار في العمر، لم يذكر لي أحدهم عن حال أسوأ مما هي عليه الآن من حيث تدهور الوضع المعيشي للناس. منذ ما يقارب الـ90 عاما الماضية، وحتى خلال فترة الحصار على سوريا في الثمانينيات لم يصل بنا الحال إلى ماهو عليه اليوم بل صمدنا وصمدت الليرة السورية أيضا، هكذا يرد عبد القادر العلي 80 عاما، الذي يتحدث كأنه خبير اقتصادي كما حال بقية الناس ويتابع، في تلك الأيام كنا نعيش بوضع أفضل، والليرة لم تتدهور وسعر الدولار بقي ثابتا، ونأمل أن تنتهي هذه الأزمة على خير وأن يكون هناك تدخل حكومي لوقف التلاعب بأرزاق الناس معيشتهم من خلال تذبذب أسعار الصرف، ليس الجوع وحده يفتك بالناس، بل هناك حاجة للأدوية والمتطلبات الدراسية وأشياء معيشية كثيرة.
ومن خلال حساب بسيط يتبين لنا أن متطلبات معيشة أسرة سوريا مؤلفة من خمسة أشخاص تصل الى ما يقارب 220 دولارا أي حوالي 866800 ليرة حسب آخر سعر صرف، ووفق مؤشرات «مركز قاسيون» في العاصمة دمشق، وهو ما يكون خارج قدرة أي عائلة تعيش على الراتب الوظيفي الذي لايتجاوز الـ 20 دولارا.
ويعتمد غالبية السوريين على ما يصلهم من حوالات مالية من ذويهم في الخارج لتدبر أمورهم بعض الشيء.
واعترف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أنه بعد مرور عقد من الاضطرابات والنزاعات والنزوح، يعيش السوريون حاليًا في أسوأ ظروف إنسانية يتعرضون لها منذ بداية الأزمة، حيث انزلق الملايين في هاوية الجوع خلال العام الماضي وحده، وفقاً.
وقال شون أوبراين، ممثل البرنامج في سوريا: «لقد تسبب هذا النزاع في خسائر فادحة للشعب السوري. ففي كل يوم، يُدفع بالمزيد والمزيد من السوريين نحو الجوع والفقر. وتواجه الأسر خيارات مستحيلة: هل يضعون الطعام على المائدة أم يحصلون على الرعاية الصحية التي يحتاجونها؟ أم هل بإمكانهم إرسال أطفالهم إلى المدرسة؟ فدون المساعدة المستمرة، ببساطة، لن تتمكن هذه الأسر من البقاء على قيد الحياة».
ويشير التقييم الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مؤخرًا إلى أن 12.4 مليون سوري – أي ما يقرب من 60 في المائة من السكان – يعانون انعدام الأمن الغذائي والجوع في الوقت الحالي، أي ضعف العدد المسجل في عام 2018. وكشفت الدراسة أيضًا أن عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة بدون مساعدات غذائية قد تضاعف خلال عام واحد ليصل إلى 1.3 مليون شخص.

تردي الأوضاع الاقتصادية
لسان حال السوريين وواقع الحال المفروض عليهم كفيل بالحديث عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشونه، وبالأرقام نورد ما حصل حسب توثيقات رسمية في هذا الصدد:
442 مليار دولار هو إجمالي الخسائر المالية التي مُني بها الاقتصاد السوري بعد ثماني سنوات من الحرب فقط، وفق تقديرات نشرتها الأمم المتحدة في تقرير صدر في سبتمبر 2020. وبلغت قيمة الخسائر التي تكبّدها قطاع النفط في سوريا 91,5 مليار دولار، وفق إفادة وزير النفط والثروة المعدنية بسام طعمة أمام مجلس الشعب في فبراير الماضي الذي قال أيضا أن 80 ألف برميل نفط من إجمالي 89 ألف برميل تمّ انتاجها يومياً عام 2020، استخرجت من مناطق خارجة عن سيطرة دمشق، مقابل إنتاج يومي بلغ 400 ألف برميل قبل اندلاع النزاع، وأن الخسائر المباشرة التي لحقت بالمعدات في القطاع النفطي بلغت 19.3 مليار دولار، منها 3 مليارات قيمة الأضرار التي ألحقها طيران «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وأما الخسائر غير المباشرة فبلغت 72 مليار دولار وأن إنتاج سوريا اليومي من النفط العام الماضي بلغ 89 ألف برميل، وإن 80 ألفا منها «تمت سرقتها، أي أن إنتاج المنطقة الشرقية كله كان يسرق».
وذكرت نقابة عمال المصارف في دمشق إن«خسائر الاقتصاد السوري بلغت حتى الآن بأكثر من 530 مليار دولار، أي ما يعادل 9.7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عام 2010».
وأن نسبة دمار البنية التحتية تجاوزت 40%، وشملت خسائر المساكن وشبكات الكهرباء والمدارس والمشافي ومرافق الخدمات، واعتبرت النقابة في تقريرها أنه «حتى هذه اللحظة لم تقدم أي مبادرات حقيقية لتجاوز الأزمات التي نعيشها اليوم بل زاد احتكار الثروة في أيدي قلة قليلة من المستفيدين على حساب الشريحة الكبرى من المجتمع».
فيما كشف تقرير للجنة الأمم المتحدة «الإسكوا» وجامعة «سانت أندروز» عن خسائر اقتصادية فادحة تفوق 442 مليار دولار تكبدتها سوريا من جراء الحرب، بحلول نهاية العام الثامن من النزاع. ويشير التقرير إلى أن 82% من الأضرار الناجمة عن النزاع تراكمت في سبعة من أكثر القطاعات طلبا لرأس المال، وهي الإسكان والتعدين والأمن والنقل والصناعة التحويلية والكهرباء والصحة. فبلغت أضرار رأس المال 117.7 مليار دولار، وخسائر الناتج المحلي الإجمالي 324.5 مليار دولار، ما يجعل مجموع الخسائر الاقتصادية بحدود 442.2 مليار دولار.
وانخفضت الصادرات السورية من 8.7 مليار دولار في عام 2010 إلى 0.7 مليار في عام 2018.
وتوقفت 70% من محطات الكهرباء وخطوط إمداد الوقود عن الخدمة بسبب الحرب، بحسب بيانات وزارة الكهرباء.

نازحون ولاجئون
لا يزال غالبية السكان من مدن دير الزور والرقة وحمص وريف دمشق وإدلب وبعض أرياف المدن الأخرى نازحون من بيوتهم بسبب الدمار الذي طال مساكنهم، وقصص النزوح والتشرد موجعة عندما تسمعها من أصحابها وهم يصفون معاناتهم، فبعضهم يعيش في مخيمات النزوح والمدارس والبعض الآخر يرضخ تحت وطأة الإيجار، فيما تبقى قصص اللجوء أشبه بالملاحم الخيالية لفارين من براثن الموت، وتجاوزت أعدادهم الـ 11 مليونا ما بين الداخل والخارج.
وأسفر النزاع في سوريا عن تشريد أكثر من ستة ملايين سوري داخل البلاد ويعيش كثيرون منهم في مخيمات، ولجوء 5.5 مليون خارج البلاد، وفق الأمم المتحدة، وثلثهم تقريبا من الأطفال من عمر 11 عاماً وما دون، بحسب إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.
وحوالي 20 مليون شخص تقريبا غيرت الحرب حياتهم داخل سوريا، بعدما أعادت رسم خارطة النفوذ والسيطرة، حيث يعيش 11 مليون منهم في مناطق تحت سيطرة الحكومة، و2.5 مليون شخص يعيشون في مناطق سيطرة «قسد» قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشمال شرق البلاد، بحسب فرانس برس.
ولا يزال نحو 3 ملايين شخص يعيشون بمناطق في إدلب ومحيطها تحت سيطرة هيئة تحرير الشام وفصائل مقاتلة أخرى، فيما يعيش 1.3 مليون من إجمالي مليوني نازح موجودين في إدلب يقيمون في مخيمات ومراكز إيواء.
ويعيش نحو1,5 مليون شخص تقريباً في مناطق حدودية شمال سوريا تمكّنت القوات التركية مع فصائل مسلحة موالية لها من السيطرة عليها إثر هجمات شنّتها بين العامين 2016 و2019.

قبل النهاية تتكاثر الأسئلة
لم تنته الأرقام، ولم يتوقف عداد الموت هنا، ولم تضع الحرب أوزارها بعد، ولم تتوقف الأسئلة عن قيمة الحصاد المر الذي تجرعته سوريا وشعبها، فبعد أن كانت مكتفية ذاتيا من الغذاء وتتصدر المراتب الأولى في انتاج القمح والقطن والزيتون والحمضيات عالميا، وليس عليها أية ديون خارجية، وتنفس الإنسان الصعداء قليلا، بدأ سعير الحرب، ولم يتوقف، وما يفتأ الناس يرددون كيف ومتى الخلاص، ومن يعيد المفقودين، وكيف نعيد البناء، ومتى يبدأ الإعمار، ومتى ننعم بالماء والكهرباء، وإلى متى يتلاعب الدولار بقوتنا اليومي، ومن يعيد البسمة لقلوب أطفالنا… وتتوالد الأسئلة تباعا، ولكل سؤال قصة وجع تستقر في صدر كل سوري، وحكاية وطن كان مزروعا بالياسمين والجوري، وأصبح اليوم مزرعة للبؤس والموت الذي يأبى أن يغادر مسرعا.