هل يتقاعد الشاعر أو يستقيل؟!

شذى البلوشية

راودتني الكثير من التهيؤات وأنا أحدث شاعرا، وأترقب ردا آخر، لو أننا كلنا ولدنا شعراء، هل سنتحدث كثيرا لنتلذذ بسماع الشعر، أم أننا سنلوذ جميعا بالصمت الطويل، والتأني في التلفظ بالشعر حتى نتنافس بأجزل القول وأبلغ الكلمات؟
وهل كنا سنكثر من التجمعات -المخالفة لقرارات التباعد- لنسمع جديد الشعر من بقاع شتى، ونتحرى أدق التفاصيل للقاء بأفصح الشعراء وأثراهم بالكلمة؟
يخيل لي كثيرا أن نغرق في أعمق بحار الشعر، ولا نخرج منه ولا نموت فيه.. فالشعر رئة نابضة بالحياة تفيض عليك بعطائها «الأكسجيني» مهما كنت بأمواجها غارقا.
ولكني أخشى أن نصاب بداء الشعر لا دوائه، قال لي أحدهم: «الحديث عن الشعر أمرٌ أتهيّبه وأنأى بنفسي عنه منذ تورطّتُ في كتابته. القبضُ على الشعر يشبه محاولة القبض على الماء، سيتسرب الشعر، ويُفلت قبل أن نمسك به»، هو ذاته هذا الشخص من تسلل بحروفه هاربا ألا يكون اسمه بين الشعراء في احتفائية العالم بالشعر، وآلمني انسحابه رغم كل ما يملكه حرفه من وقع شاعري- على نفسي على الأقل- وأن تطمس أنوار أبياته الشعرية عن جمهور الشعر.
قال لي:
«الشاعر أحد اثنين
– شاعرٌ يكتبُ القصيدة
– وشاعرٌ يرتكِبُها»..

ولكني وجدت أن الشاعر أحد اثنين: «شاعر يناضل ليبقى الشعر في القمة، وشاعرٌ اكتفى بحُب الظهور على «السوشيال ميديا»، ووجد صوت التصفيق هناك أعلى من صوته في ما سواه.. ولا يتعدى وجوده في وسائل الإعلام إلا في تلك التي تظهره وجها أكثر منه قولا.
استفزني كثيرا تعفف البعض حتى عن الاعتذار للصحفي الذي يعمل حتى في أيام إجازته، وصرنا نفتش عن مجيب كبحث عن إبرة في كومة قش.
السؤال هنا: هل هي حالة طبيعية يمر بها كل شاعر في أحد مراحل حياته- الأدبية- وهو وجه آخر لما يسمى بحب الظهور -«وجها» لا شعرا أم أنه صمت العزلة الذي يصيب الشاعر والأديب والفنان وغيرهم من أصحاب الهبات الربانية، في لحظة انتظارهم لتجليات سماوية؟
قد يكون الصمت خيارا متاحا في كل يوم، ولكني أرى أن الصمت في لحظة نحاول فيها جميعا أن نخرج من تكالب المنغصات علينا، ونحتفل ولو بكلمة، أن نرصد يوما يشترك فيه العالم لحظة فرح -وما أجمل الفرح حين يقترن بالشعر، أو ربما يولد منه- ونترك بصمة للاحتفال، علّها تكون سبيلا لمجابهة الطاقة السلبية التي تخنق طبقات الجو المحيطة بكوكب الأرض.
في ختام حديث كتبته في لحظة يأس، أدعو العالم أن يمنح الشاعر كغيره حق الاستقالة أو التقاعد عند نهاية خدمته -عند جفاف نهر كلماته-، ربما هو بذلك سيتحرر من قيود تلك الكلمة التي تسبق اسمه، وتحفظ له في أرشيفه، ومكافأته ستكون دواوينه المركونة في المكتبات – إن صدرت له – ويكفينا وجود القامات التي تخرس ألسن كل من يحاول المساس بقدسية الشعر، وتلبي نداء الشعر أينما كان.